المسار : يروي نازحون في منطقة مواصي خانيونس جنوبي قطاع غزة تفاصيل استهدافات نفذتها طائرات الاحتلال الاستطلاعية التي طالت خيمة ومركبة، وأسفرت عن ارتقاء شهداء ووقوع إصابات، في حين تُبقيهم أصواتها المتواصلة ليلا ونهارا في حالة من الخوف وانعدام الأمان.
وتواصل طائرات الاحتلال الاستطلاعية، المعروفة بين النازحين باسم “الزنّانة” التحليق في أجواء قطاع غزة على مدار الساعة، ما يثير حالة من الخوف والقلق والترقب بين النازحين، الذين يعيشون في ترقب دائم تحت وطأة أصواتها المتواصلة.
ويعيش النازحون في مناطق مختلفة من القطاع على وقع أصوات هذه الطائرات التي لا تفارق السماء، وسط مخاوف متزايدة من تنفيذ استهدافات مفاجئة، في ظل استمرار عمليات الاستهداف التي تطال مناطق متفرقة من غزة، وتسفر عن ارتقاء شهداء وإصابة آخرين بجروح متفاوتة الخطورة في ظل تدهور المنظومة الصحية بفعل الإبادة، ما يترك المصابين والجرحى في أوضاع صعبة لقلة الموارد.
ويؤكد النازحون أن استمرار تحليق “الزنّانة” على مدار الساعة يفاقم معاناتهم النفسية، ويعمّق شعورهم بالخوف وانعدام الأمان والتوتر، لا سيما بين الأطفال والنساء الذين يعيشون في حالة ترقب دائمة خشية الاستهداف. ويشتكون من أن أصوات الطائرات باتت تلازمهم داخل خيامهم ليلا ونهارا، وتحرمهم من الشعور بالطمأنينة وأخذ قسط من الراجة، في ظل الظروف الإنسانية القاسية التي يعيشونها.
وقال زارع الأسطل (75 عاما)، النازح في منطقة مواصي خانيونس جنوبي قطاع غزة، إن “الزنّانة” أصبحت جزءا من حياة النازحين اليومية، إذ لا تغادر أجواء المنطقة ليلا ولا نهارا، ما يفاقم حالة الخوف والقلق في صفوفهم.
وأضاف الأسطل: “ننام على صوتها ونستيقظ على صوتها، فأصبحت حياتنا مهددة في أي لحظة، في ظل الاستهدافات التي تطال مناطق مكتظة بالخيام والشوارع، ما يجعلنا نعيش في حالة دائمة من الخوف والترقب”.
وبيّن الأسطل أنه يعيش حالة من القلق الشديد على أبنائه وأحفاده كلما غادروا الخيام للتوجه إلى أعمالهم، أو الذهاب إلى الأسواق لشراء المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية اللازمة لحياتهم اليومية، خشية استهدافهم في ظل استمرار تحليق طائرات الاستطلاع في أجواء المنطقة.
وأعرب عن أمله في أن تنتهي الحرب التي أنهكتهم وأثقلت كواهلهم، وأن يتمكنوا من العودة إلى حياتهم الطبيعية التي كانوا يعيشونها قبل الحرب، وإعادة بناء منازلهم التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي، وأكد في حديثه أن العودة إلى منازلهم واستعادة حياتهم التي فقدوها لا تزال أملا ينتظره النازحون بعد سنوات من المعاناة والنزوح.
وقالت النازحة أم أدهم أبو شاب (60 عاما) إن طائرات “الزنّانة” لا تميّز بين رجل وامرأة وطفل، وإن الجميع يعيشون في دائرة الخطر والاستهداف، في ظل استمرار تحليقها في أجواء منطقة المواصي.
وروت أم أدهم تفاصيل لحظات الرعب التي عاشتها في أثناء عودتها من دوّار الأقصى في منطقة المواصي، بعد شرائها بعض الأغراض والمستلزمات الأساسية، حين كانت تستقل عربة تجرها مركبة، وعندما وصلت إلى شارع 5 دوّى انفجار كبير هزّ المكان، ما أدى إلى سقوطها أرضا من شدة القصف، فيما تعالت صرخات المواطنين في المنطقة.
وتابعت أنها عندما نهضت من الأرض رأت الناس يركضون باتجاه مكان الاستهداف الذي نفذته طائرات الاستطلاع، ليتبين لاحقا أن المستهدف كان خيمة، وأن القصف أسفر عن ارتقاء شهداء وإصابة عدد من المدنيين.
وقالت إن المشهد كان بالغ الصعوبة، في ظل مشاهدتها أطفالا ونساء مصابين، وسط صرخات المواطنين الذين كانوا يناشدون الإسعاف الحضور لإنقاذ المصابين، وإن ما رأته من مشاهد مؤلمة لا يزال عالقا في ذاكرتها.
وأكدت أم أدهم أن أصوات طائرات الاستطلاع تُحدِث ضجيجا كبيرا، لا سيما خلال ساعات الليل، الأمر الذي يضاعف معاناة النازحين ويُبقيهم في حالة من الخوف والقلق والترقب المستمرة، في ظل غياب الشعور بالأمان داخل خيامهم.
وفي حادثة أخرى، قال الشاب أحمد فؤاد حمد (23 عاما)، من سكان مدينة رفح والنازح حاليا في مواصي خانيونس، إنه نجا من الموت خلال استهداف المركبة التي كان يستقلها في طريقه من خانيونس إلى مدينة النصيرات وسط قطاع غزة، عندما كان متوجها لشراء بعض المستلزمات الخاصة بدراسته الجامعية في تخصص الوسائط المتعددة، وهو في سنته الدراسية الرابعة.
وأوضح حمد أنه كان يجلس في الجزء الخلفي من المركبة التي كانت مكتظة بالركاب، عندما استهدفت طائرات الاستطلاع العربة الخلفية منها، وقال: “فجأة شعرت بضغط شديد، فوجدت نفسي أطير في الهواء لمسافة نحو خمسة أمتار”، قبل أن يجد نفسه على متن (مركبة توك توك) كانت تنقل عددا من المصابين والشهداء إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح وسط القطاع.
وتابع أنه عند وصوله إلى المستشفى، اكتشف أن الدماء تغطي جسده من رأسه حتى قدميه، وشعر بضيق في التنفس نتيجة إصابته بشظايا في رأسه وأجزاء مختلفة من جسمه.
وأشار حمد إلى أن صعوبة الحالات التي وصلت إلى المستشفى في ذلك الوقت أدت إلى تأخر فحصه الطبي، في ظل الضغط الكبير على الطواقم الطبية وخطورة الإصابات، ليتسنى للأطباء فحصه وإجراء التصوير بالأشعة اللازمة بعد أكثر من ثلاث ساعات، قبل إدخاله إلى المستشفى لتلقي العلاج.
وأضاف حمد أنه لا يزال يعاني حتى الآن صداعا مستمرا نتيجة وجود شظايا في رأسه، ما يذكّره بتفاصيل اللحظات الصعبة التي عاشها خلال الاستهداف.
وبيّن حمد أن تجربة الاستهداف تركت أثرا نفسيا لديه، إذ بات يشعر بالقلق والخوف كلما استقل عربة تجرها مركبة، خشية تعرض المركبة التي يستقلها للاستهداف مجددا.
وختم حديثه بالإشارة إلى أن هاجس سماع أصوات طائرات الاستطلاع “الزنّانة” يرافقه أينما توجّه، في ظل استمرار تحليقها في أجواء المنطقة، الأمر الذي يضاعف مخاوفه ويحرمه من الشعور بالأمان خلال تنقلاته اليومية.
وفي ما يتعلق بالآثار النفسية للزنّانة، قال المختص في مؤسسة “أطفالنا” للصم في مواصي خانيونس نضال الأسطل لـ”وفا”، إن أصوات طائرات الاستطلاع والاستهدافات المتكررة تؤثر سلبا في حالة الأطفال النفسية، ولا سيما الأطفال ذوي الإعاقة الحركية، إذ تتزايد مشاعر الخوف لديهم عند سماع أصوات الطائرات والقصف، في ظل عدم قدرتهم على الحركة أو الهروب بسرعة في حال تعرض المكان الذي يوجدون فيه للقصف.
وأضاف الأسطل أنه يستقبل يوميا العديد من الرجال والنساء والأطفال الذين هم بحاجة ماسة إلى الدعم النفسي، إذ يعمل على مساعدتهم على التعامل مع المشاعر التي تنتابهم مثل الخوف والقلق والتوتر، وتوجيههم إلى أساليب تساعدهم على تخفيف حدتها.
وأوضح أنه يحرص على تنظيم أنشطة ترفيهية يومية للأطفال لتخفيف حدة التوتر والقلق لديهم، إلى جانب تدريبهم على ممارسة تمارين الاسترخاء عند التعرض لأحداث صادمة ومؤلمة. وأشار إلى أنه يعمل، من خلال المساحة الآمنة، قدر الإمكان على توفير أجواء يشعر فيها الأطفال بالأمن والطمأنينة، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم.
وتابع الأسطل أن الجلسات النفسية اليومية تسهم في تعزيز التوازن والتوافق النفسي والانفعالي والسلوكي لدى النازحين، ولا سيما الأطفال، بما يساعدهم على التفاعل الإيجابي مع ذواتهم ومحيطهم، والتكيف مع الظروف الصعبة التي يعيشونها.

