كتب فراس ياغي: المأزق الإستراتيجي الإسرائيلي هو في جوهر مشروعها الصهيوني

المسار: منذ أن تأسس الكيان الصهيوني وأقام دولة “إسرائيل” على أنقاض “النكبة” عام 1948 وأعلن وثيقة الإستقلال، ثم توسع لاحقا بإحتلال أراضي عام 1967، ودولة الكيان الصهيوني تعيش أزمات متعددة، إن كانت داخلية نتيجة طبيعة المجتمع المنقسم إثنيا ودينيا ولاحقا المنقسم من حيث طبيعة المشروع من جهة والمتفق من جهة أخرى على النظرة تجاه الشعب الفلسطيني وبغض النظر عن طريقة أو أسلوب التعامل معه لان الهدف لدى الكل هو إقتلاعه من جذوره ودفن روايته الوطنية وحلمه في العودة وتقرير المصير

لذلك فإن المأزق الإستراتيجي للمشروع الصهيوني مع الشعب الفلسطيني لا حلول له، لا عبر فك الإرتباط ولا وفق مفهوم الإنفصال أحادي الجانب، ولا من خلال تقليص الصراع أو إدارته ولا عبر مشاريع سلام منقوصة كما “إتفاق أوسلو”، والسبب في ذلك طبيعة المشروع الصهيوني الذي هو مزيج إستعماري إحلالي ديني توراتي، ويرفع شعار “أرض بلا شعب إلى شعب بلا أرض”…هذا الشعار يعني تهجير الشعب الفلسطيني ككل من أرضه، لأن الأرض التي إستوطنونها ظهر فوقها شعب، وهذا لا يستقيم لا مع جوهر الشعار ولا مع طبيعة المشروع

كما أن مفهوم الدولتين يتناقض جذريا مع الشعار والمشروع أعلاه، فوجود دولة فلسطينية ينفي كل المشروع الصهيوني السياسي والديني التوراتي، فَ أرض ما بين البحر والنهر أساس لإنطلاق المشروع الصهيوني الأكبر ككل في المنطقة وهو المرحلة الأولى لتأسيس “إسرائيل الكبرى”، وأي إنتقاص منها وإقتطاع جزءا منها للدولة الفلسطينية يعني إنتفاء صحة وشرعية المشروع الصهيوني الديني ليس لدى اليهود فحسب وإنما لدى من ينتظرون من “المسيانيين- الإنجيليين” نزول السيد “المسيح” وفقا لِ “نبوءآت آخر الزمان”، فمن “زكريا إصحاح 12-14″، إلى “متى 24″، إلى “سفر الرؤيا إصحاح 16-19″، كل ذلك مرتبط بتعاظم قوة إسرائيل ثم تعرضها للخطر، وينزل المسيح لأجل الخلاص وإقامة الحكومة العالمية التي ستحكم العالم من عاصمته “اورشليم”

إذا طبيعة المأزق الإستراتيجي لدى نُخب دولة الكيان الصهيوني هو خليط غير متجانس بين السياسي الصهيوني العلماني وبين الصهيوني الديني “يهودي كان أو مسياني”، مما يعني أن تحقيق المشروع والخروج من المأزق لدى الصهيوني العلماني يكمن في نموذج الولايات المتحدة وكندا “التطهير العرقي”، وهذا له عواقب كبيرة تحدث عنها “نتنياهو” دون ذكرها وأشار إلى أن دولة الكيان الصهيوني سوف تتعرض إلى عقوبات إقتصادية وأنه طلب وضع خطة في كيفية تجاوز هذه العقوبات عبر “العملات الرقمية”، وهذا وحده يُشير للمخطط القادم تجاه الشعب الفلسطيني، في حين لدى الصهيوني الديني بشقيه “الكاهاني الديني القومي” او “الحردلي الصهيوني”، لا مشكلة لديهم في كيفية التخلص من الفلسطيني لأن الحل موجود في التوراة، “قتل، طرد، او خادم للسيد”، فالكل “غوييم” ما عدا اليهودي النقي الذي جاء من إم يهودية، أي أن لديهم قانون “إلهي” ينطبق عليهم وملزمين بتطبيقه، وهذا اعلى من أي قانون وضعي مهما كان مسماه “إنساني دولي، أخلاقي، قانون اساس إسرائيلي…الخ”

ما بعد السابع من تشرين/أكتوبر عام 2023 تعمقت أزمة المشروع الصهيوني، لأن “الجدار الحديدي” إنهار، وسقطت كل المقولات التي تتحدث عن “الردع” وعن “الإخضاع” وفرض السلام بالقوة وفق رؤية “القوة ومزيدا من القوة”

السابع من تشرين/أكتوبر دفع بقوة نحو تطبيق الحل دفعة واحدة وليس بشكل تدريجي، لأن الخطر الوجودي على الكيان الصهيوني ليس في ظهور قنبلة “نووية” إيرانية، إنما في القنبلة النووية المتمثلة في وجود الشعب الفلسطيني في جغرافيا ما بين البحر والنهر، وهذا الوجود هو من يشكل المأزق الإستراتيجي للمشروع الصهيوني، لذلك يجب التخلص منه بالإبادة والتطهير العرقي، وهنا ظهرت مشاريع التهجير التي لا تزال على طاولة صناع القرار وعلى رأسهم “نتنياهو”، وقامت دولة الكيان الصهيوني ب عملية “جينوسايد” شاملة في قطاع غزة لا زالت مستمرة، رافقها صمت دولي وعربي وإسلامي رسمي، غطته حكومات الولايات المتحدة الأمريكية الديمقراطية “الرئيس بايدن” ولاحقا الجمهورية “الرئيس ترامب”، في نفس الوقت بدأت عملية تطهير عرقي “ethnic cleansing” في الضفة الغربية التي لا تزال مستمرة وراس حربتها المستوطنين المتطرفين الإرهابيين وبدعم كامل من حكومة اليمين المتطرف التي يقودها “نتنياهو”

كل هذا وضع دولة الكيان الصهيوني في مأزق إستراتيجي لا خلاص منه بالعودة للمشاريع القديمة، فإما أن تستمر في مشروعها الذي بدأته بعد السابع من تشرين/اكتوبر، مشروع التهجير والتطهير العرقي وتحمل العواقب التي قد تؤدي إلى حصار وعقوبات إقتصادي من المجتمع الدولي وحتى من الولايات المتحدة الأمريكية، نتيجة للإنقلاب غير المسبوق في الرأي العام العالمي المناهض إلى دولة الكيان والمطالب بمعاقبتها بل وصل في جزء من الرأي العام للمطالبة بإنهاء دولة الكيان الصهيوني ككل، أو الذهاب نحو حل يِعطي الشعب الفلسطيني الحد الأدنى من حقوقه، وهذا يتناقض مع المشروع الصهيوني

ما بين الذهاب نحو مشروع تهجير الشعب الفلسطيني، او الذهاب نحو الموافقة على قيام دولة فلسطينية، فإن المشروع الصهيوني وصل إلى نهايته، لأن صفة الأمن والسلام والإزدهار إنتهت، فالمأزق الإستراتيجي لا حلول له سوى بتفكيك أسسه التي قامت عليه، وبناء أساس جديد ينفي القديم ويؤسس لمفهوم الدولة الواحدة، دولة المواطنين، وليس دولة اليهود، الدولة العلمانية الديمقراطية التي تساوي بين جميع مواطنيها وبغض النظر عن دينهم وإثنيتهم وعرقهم، وغير ذلك هي وصفة الى بقاء سفك الدماء تحت يافطة تحقيق “النبوءات” دينية كانت، أم مشاريع إستعمارية سياسية.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار الإخباري

Share This Article