المسار : تتواصل المواجهات الميدانية في اليمن وسط إعلان حكومي عن تقدم في تعز ينفيه الحوثيون، بالتوازي مع استمرار وتصاعد الهجمات على المنشآت والأراضي السعودية، تزامناً مع تصعيد سياسي أفرزته التطورات الأخيرة، وسط تقارير حقوقية توثق الكلفة الإنسانية المتزايدة للأزمة.
استهداف رأس تنورة
وفي تفاصيل هذا المشهد المتواصل، تصاعدت الهجمات العابرة للحدود بموازاة تصعيد سياسي، حيث اعتبرت جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) قرار البرلمان المصري بالموافقة على إجراءات الدفاع عن المملكة العربية السعودية بمثابة إعلان حرب عليهم، في ظل استمرار هجماتهم ضد المملكة؛ إذ أعلنت، الثلاثاء، استهداف مصفاة رأس تنورة في المنطقة الشرقية، ووزارة الدفاع في الرياض للمرة الثانية خلال أقل من أسبوع، ومطار أبها جنوبي المملكة، وطائرتين عسكريتين في مطار نجران وقاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط.
ومصفاة رأس تنورة هي أكبر مصفاة نفط سعودية، وتقع على ساحل الخليج العربي على بُعد نحو 70 كيلومترًا من مدينة الدمام.
كما تُعدّ هذه المصفاة الأكبر لتكرير النفط في منطقة الشرق الأوسط، بطاقة إنتاجية تتراوح بين 525 و550 ألف برميل يوميًا.
وأفاد المتحدث العسكري للجماعة، العميد يحيى سريع، في بيان، بأن قواتهم أطلقت صاروخًا باليستيًا على المصفاة، مؤكّدًا دقة الإصابة التي أدت إلى اندلاع حرائق ضخمة.
ونقلت وكالة بلومبرغ نيوز عن مصدر مطلع أن السعودية نجحت في إخماد حريق اندلع قرب أكبر محطة لتصدير النفط في رأس تنورة على ساحل الخليج، إثر هجوم استهدف المنطقة. وأفاد تقرير الوكالة بأن الحريق نشب في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء بالقرب من منشآت تديرها شركة أرامكو السعودية.
وأعلنت الجماعة استهداف وزارة الدفاع في الرياض بصاروخ باليستي، ومطار أبها الدولي بطائرة مسيّرة، مؤكدة دقة الإصابتين، وموضحة أن إصابة مطار أبها أدت إلى تعطل حركة الملاحة.
وسبق أن أعلنت الجماعة استهداف وزارة الدفاع الخميس الماضي.
اعتبروا التفويض المصري «إعلان حرب»
كما أعلنت استهداف طائرتي نقل عسكريتين بصاروخين باليستيين، إحداهما في مطار نجران والأخرى في قاعدة الملك خالد الجوية بخميس مشيط، وأكد المتحدث العسكري للجماعة تحقيق العمليتين أهدافهما بنجاح.
ولم يصدر تعليق فوري من السلطات السعودية إزاء ذلك.
وسبق أن أصدرت سلطات الدفاع المدني السعودية تحذيرات متعددة في مدن الرياض ونجران وأبها، وكذلك في محافظات خميس مشيط والخرج والحريق، إلى جانب المنطقة الشرقية.
كما أعلنت عن سقوط شظايا نتيجة اعتراض صاروخين باليستيين في مدينة الرياض نتج عنه أضرار مادية في مبنى ومشروع تحت الإنشاء ومركبة.
وتأتي هذه التطورات في ظل تصعيد عسكري مستمر من جماعة الحوثيين ضد المملكة بهجمات متكررة عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وأعلن المتحدث الرسمي باسم التحالف، اللواء تركي المالكي، صباح الثلاثاء، اعتراض وتدمير أربع طائرات مسيّرة أطلقتها جماعة الحوثي باتجاه المنطقة الجنوبية، بالإضافة إلى ثلاثة صواريخ باليستية صوب المنطقة الشرقية، وصاروخين باليستيين باتجاه الرياض.
منذ يوليو/تموز 2026، صعّد الحوثيون هجماتهم على السعودية، وتزايدت وتيرتها خلال أكتوبر/تشرين الأول الجاري، حيث أطلقوا صواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت مطارات مدنية ومنشآت نفطية ومواقع عسكرية داخل المملكة، في سياق ما يعتبرونه «فرض معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد».
ميدانيًا وفي الداخل اليمني، لم تكن الجبهات بمعزل عن هذا التصعيد، حيث استمرت الاشتباكات العنيفة حول مدينة تعز (جنوب غرب)، لا سيما في الجبهة الغربية، حيث شهد محيط المطار القديم مواجهات عنيفة بين ليل الإثنين وصباح الثلاثاء. إذ حاولت القوات الحكومية التقدم، لكنها اصطدمت بكثافة نارية كبيرة وأسلحة ثقيلة. وفي جبهة نقطة الهنجر والجبل الأسود ومحيطهما، أعلن الجيش تقدمه نحو مواقع استراتيجية تطل على خط الضباب ونقطة الهنجر، مع تمشيط المنطقة وتثبيت المواقع التي تم السيطرة عليها. في المقابل، لم يسجل أي تقدم في جبهتي الشقف والأقروض جنوب تعز، رغم اندلاع مواجهات عنيفة هناك.
فيما نفت جماعة الحوثيين تقدم القوات الحكومية على الجبل الأسود وتبة الميدان، حيث أكد عضو المكتب السياسي للجماعة، حزام الأسد، أن «تبّاب الدِّمَن والعِقام والميدان، وسلسلة الجبل الأسود المطلة على جامعة تعز وعَقَاقَة وحدائق الصالح، كلها تحت سيطرة» قوات أنصار الله. وعلى صعيد جبهات محيط المدينة الأخرى، شهدت قصفًا عنيفًا واشتباكات متقطعة، خاصة في جبهتي شمال وشمال غرب تعز، مع دعم مكثف من الطيران الحربي. إذ نفّذ الطيران الحربي والمسيّر غارات على مواقع وتجمعات وتعزيزات للجماعة، مدمرًا آليات وعتادًا في عشرات المواقع بمحيط المدينة والريف الجنوبي والغربي، إضافة إلى مناطق المخا والوازعية وفق القوات الحكومية. وفي جبهة الوازعية، أفادت مصادر بتجدد الاشتباكات بين الطرفين وسط غارات جوية مكثفة.
كذلك، في جبهة المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج (جنوب)، استمرت المواجهات دون تغيير في السيطرة الميدانية، وسط غارات جوية مكثفة. وعلى ذات المنوال، شهدت جبهتا باب المندب وكهبوب ثباتًا، حيث أعلنت قوات العمالقة الجنوبية استمرار سيطرتها على مطار ذوباب وجبال كهبوب. إلى ذلك، أفاد المتحدث العسكري لجماعة «أنصار الله» بأن قواتهم صدّت محاولة تقدم لتحشيدات الطرف الآخر من الاتجاه الجنوبي نحو باب المندب، مشيرًا إلى استهداف تلك التحشيدات بصواريخ باليستية وأسلحة ثقيلة، ما أسفر عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى.
وفي محافظتي مأرب (وسط) والجوف (شمال شرق)، تتجدد المواجهات بين الحين والآخر في جبهات جنوب مأرب، خصوصًا حول معسكر أم ريش ومدينة الجوبة، وكذلك في الجوف عند محيط معسكر اللبنات ومدينة الحزم، دون تحقيق أي تقدم يُذكر.
فيما يتعلق بالغارات الجوية، أفادت وسائل إعلام تابعة لجماعة الحوثيين بأن «الطيران السعودي» نفذ سلسلة غارات على ميناء المخا ومناطق متفرقة في المديرية، بالإضافة إلى عدة غارات استهدفت مديرية ذوباب، وثلاث غارات استهدفت جزيرة ميون في باب المندب بمحافظة تعز، ومديرية حرض بمحافظة حجة، ومعاودة استهداف مصنع الإسمنت في مديرية همدان بمحافظة صنعاء. وأشارت وكالة أنباء «سبأ» التابعة للجماعة إلى استهداف سابق للطيران نفسه للمصنع يوم السبت، وتسبب بمقتل وإصابة 23 شخصًا من العمال.
كلفة حقوقية باهظة
وعلى التوازي مع التصعيد العسكري، عكست التقارير الحقوقية والإنسانية كلفة باهظة للنزاع على مستوى المدنيين، إذ أعلنت وسائل الإعلام التابعة للجماعة عن إصابة مواطنين اثنين جراء قصف صاروخي سعودي، حيث وقعت إحدى الإصابات في مديرية الظاهر، والأخرى في مديرية شدا بمحافظة صعدة الحدودية. كما أفادت المصادر نفسها بمقتل مواطن وإصابة ثلاثة آخرين بجروح متفاوتة نتيجة استهداف الطيران السعودي لمنزل في حارة الحالي بمدينة المخا الساحلية بمحافظة تعز، فضلاً عن قصف مدرسة الروضة في منطقة قور بمديرية المقاطرة بمحافظة لحج.
فيما أعلنت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية توثيق مقتل 107 من النساء والأطفال في محافظة تعز، بينهم 23 امرأة و84 طفلاً، جراء ما اعتبرتها انتهاكات جماعة الحوثي خلال الفترة من 1 أغسطس/آب إلى 15 أكتوبر 2026م. وأفاد تقرير المؤسسة بتسجيل 1,321 حالة اقتحام للمنازل وتهجير 4,860 شخصًا، منهم 1,650 امرأة و3,210 أطفال، بالإضافة إلى نزوح 221,630 فردًا، غالبيتهم من النساء والأطفال. كما وثّق التقرير تجنيد 32 طفلاً قسرًا و1,056 جريمة وانتهاكًا في مجال الخدمات الصحية، إلى جانب وجود 246,110 أطفال خارج نظام التعليم.
وأدان مركز عين الإنسانية للحقوق والتنمية، في بيان له، الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها ما وصفه بالعدوان السعودي، يوم الإثنين، ضد المدنيين والأعيان المدنية في عدة محافظات، والتي أسفرت عن مقتل ثمانية أشخاص وجرح تسعة عشر آخرين من بينهم نساء وأطفال. كما تسبب في أضرار جسيمة بالمنشآت الصحية والتعليمية والخدمية وممتلكات المواطنين. وأكد المركز أن استهداف المدنيين والمنشآت الطبية والتعليمية، إضافة إلى مرافق المياه والاتصالات والأعيان المدنية، يثير مخاوف جدية بشأن انتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني، خصوصًا مبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات الواجب اتخاذها لحماية المدنيين.
وفي تقرير بعنوان «تصعيد العنف على الساحل الغربي لليمن: أنماط الضرر ومخاوف القانون الدولي الإنساني»، أوضحت «سكيويرتي إنسايتس» أن تصاعد الأعمال العدائية على امتداد الساحل الغربي لليمن يزيد من الضغوط على الخدمات المدنية والجهود الإنسانية. وأشارت إلى أن الهجمات والاضطرابات التي تؤثر على القطاعات الصحية والتعليمية والغذائية والمائية تتزامن مع تصاعد موجات النزوح، وتضرر شبكات النقل، وتراجع وصول المساعدات الإنسانية. وتتداخل هذه الآثار، إذ يؤدي تضرر البنية التحتية المدنية إلى تفاقم الاحتياجات الإنسانية، بينما يعوق انعدام الأمن والنهب والقيود المفروضة قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة الفعّالة.
وسلّط التقرير الضوء على أنماط الضرر التي لحقت بالساحل الغربي، مؤكداً ضرورة تعزيز حماية الخدمات المدنية والعمليات الإنسانية لضمان وصول السكان المدنيين إلى السلع الأساسية والمساعدات. كما شدد على أهمية تحسين رصد الآثار التراكمية للأعمال العدائية على المدنيين والبنى التحتية الحيوية. وأشار التقرير إلى تسجيل ما لا يقل عن 11 حادثة أثرت على المستشفيات والعيادات والكوادر الطبية، شملت غارات متكررة على المجمع الطبي نفسه وعرقلة حركة سيارات الإسعاف، مما أدى إلى ضغوط كبيرة على خدمات الطوارئ والإحالة. وفي أغسطس وحده، تسبب 24 حادثة على الأقل بأضرار للمزارع ومجتمعات الصيد والماشية وطرق الإمداد الغذائي، ما أضعف الإنتاج والتوزيع الغذائي المحلي.
مواقف وتداعيات
وفي أعقاب هذه التطورات الميدانية والتحركات الإقليمية، جاءت الردود والمواقف السياسية لتزيد من حدة التوتر، حيث أدان مجلس الوزراء السعودي الاعتداءات الإجرامية بوصفها اعتداءً خطيرًا على سيادة المملكة وحرمة المقدسات الإسلامية، وانتهاكًا صارخًا لمشاعر المسلمين في أنحاء العالم. وأكد المجلس حق المملكة المشروع في الدفاع بحزم عن أمن الحرمين الشريفين وزائريهما، إضافة إلى حماية مواطنيها والمقيمين على أراضيها. كما شدد على الدور المركزي لدول اتفاقية مكة في تعزيز أمن المنطقة واستقرارها، ودعم جهود الوساطة التي تقوم بها قطر وباكستان لخفض التصعيد، إلى جانب تأييد كافة المبادرات الرامية إلى تحقيق السلام.
فيما قالت وزارة الخارجية في حكومة الحوثيين، إنه كلما طالت الفترة الزمنية لما وصفته بالعدوان السعودي على اليمن، «ارتفعت عليه كلفة جبر الضرر وقائمة التعويضات». وأضافت أن إصرار السعودية على استمرار ما وصفته بعدوانها على اليمن يراكم خسائرها ويدفع بها نحو المجهول، على حد تعبير البيان.
وتعقيبًا على موافقة البرلمان المصري على تفويض الرئيس باتخاذ إجراءات للدفاع عن السعودية إذا طلبت ذلك، أكد رئيس لجنة شؤون الأسرى في حكومة الجماعة، عبدالقادر المرتضى، أن «أي مشاركة من أي دولة في هذا العدوان لن تثنينا عن الاستمرار في التصدي له، بل تزيد من إصرارنا على المواجهة والصمود لردعه مهما كانت التضحيات». وأضاف: «وفي حال تطور التدخل المصري من الدفاع إلى الهجوم، وأقحمت جيشها في حرب برية، فسينعكس ذلك سلبًا عليها».
أما القيادي في الجماعة، محمد علي الحوثي، فاعتبر تأييد برلمان مصر لقرار الدفاع عن السعودية إعلانًا للحرب، وقال إنّ ما يثير الانتباه حقًا هو أن مصر وبرلمانها، حينما يذهب هؤلاء كما يزعمون لتحقيق السلام في المنطقة، تعلن تأييدها لما يُسمى بالدفاع عن المملكة العربية السعودية. وبذلك، فهي تُعلن الحرب على الجمهورية اليمنية، كما تقدم خدمة كبيرة لإسرائيل، ذلك الكيان الغاصب المحتل الذي يترقّب الفرصة للانقضاض على سيناء والسيطرة على أجزاء واسعة من مصر. وأكد أنهم لا يعارضون السلام، بل يعترضون على ما وصفه باستمرار الاحتلال والعدوان على بلادهم ومنطقتهم، وارتكاب الجرائم بحق أبناء شعبهم. وأضاف: «الذي يجب أن يفهمه الجميع أننا لسنا دعاة حرب وإنما دعاة حرية واستقلال ودعاة سلام حقيقي وسلام يحقق مصالح وطننا وشعبنا وأمتنا».
من جانب الحكومة المعترف بها دوليًا، دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، دول الاتحاد الأوروبي إلى تبني عاجل لقرار البرلمان الأوروبي الداعي إلى إدراج الحوثيين على قائمة الاتحاد للمنظمات الإرهابية. جاء ذلك خلال اتصال هاتفي مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، اليوم الثلاثاء، وفق وكالة أنباء «سبأ» التابعة للحكومة.

