عيلبون تستحضر مجزرتها في الذكرى الـ78.. مسيرة وفاء للشهداء وتمسّك بالذاكرة الوطنية

المسار  نقلا عن عرب 48 : أحيا أهالي عيلبون مساء، الجمعة، الذكرى الـ78 لمجزرة عيلبون التي ارتكبتها القوات الصهيونية عام 1948، وأسفرت حينها عن استشهاد 28 شخصا من أبناء القرية وعشيرة المواسي التي كانت تقيم في المنطقة، وذلك بدعوة من اللجنة الشعبية.

وتضمن برنامج إحياء الذكرى عددا من الفعاليات، بدءا بوضع إكليل من الزهور على ضريح الشهداء في الحي الشرقي بالبلدة، تخليدا لأرواح الشهداء.

كما نظمت مسيرة انطلقت من مركز البلدة باتجاه النصب التذكاري عند مدخل المقبرة، حيث تم وضع إكليل من الزهور وفاء للشهداء وتأكيدا على التمسك بذكراهم وتضحياتهم.

وتأتي هذه الفعاليات تخليدا لأرواح الشهداء، واستحضارا لما تعرض له أهالي عيلبون وعشيرة المواسي من قتل وتهجير خلال النكبة، وتأكيدا على أهمية صون الذاكرة الجماعية ونقل أحداث تلك المرحلة إلى الأجيال القادمة.

ضريح شهداء مجزرة عيلبون (“عرب 48”)
وأكدت اللجنة الشعبية في عيلبون من خلال إحياء هذه المناسبة، التمسك بواجب الوفاء للشهداء، وصون الذاكرة التاريخية، وإبقاء المجزرة حاضرة في وجدان أهالي القرية والأجيال المتعاقبة.

وتعود أحداث المجزرة إلى يوم 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1948، حين استشهد 14 شخصا من أبناء عيلبون، أعقب ذلك تهجيرا جماعيا لأهالي القرية إلى لبنان، في إطار عمليات التهجير التي طالت الفلسطينيين خلال النكبة. وبعد نحو شهرين ونيف، سُمح للأهالي بالعودة إلى قريتهم.

ولم تتوقف فصول المجزرة عند ذلك، ففي الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر 1948، ارتُكبت مجزرة أخرى على أرض عيلبون، بعد اقتياد 15 شابا من أبناء عشيرة المواسي التي كانت تقيم في المنطقة وإعدامهم، فيما نجا شاب واحد هو سعد محمد الذيب، الذي شكّلت شهادته لاحقا دليلا على فظاعة المجزرة وما ارتُكب بحق الضحايا.

“عشت طفولتي من دون أن أعرف أبي”

وتحدث د. رياض زريق، نجل الشهيد نعيم غنطوس زريق، لـ”عرب 48″ عن الأثر العميق الذي تركته المجزرة في حياته وحياة عائلته، قائلا “إنه وُلد بعد أسبوع من تدمير البلدة وتهجير أهلها وقتل والده، الذي كان من أوائل الذين استشهدوا في عيلبون”.

واستذكر زريق معاناة العيش من دون أب، قائلا “أمضيت 78 عاما وأنا أفتقد والدي، ولم أعرف معنى أن ينادي الإنسان أباه”، مؤكدا أن “هذه التجربة لا يمكن لشخص إدراك قسوتها إلا من عاشها”.

وأضاف أن “العائلة واجهت ظروفا صعبة بعد المجزرة والتهجير، لكنها تمكنت، بفضل جهود الأم والأشقاء والأهل، من مواصلة الحياة والتعليم، حتى أصبحت طبيبا، وتحقق ذلك رغم المأساة وبفضل إصرار العائلة واجتهادها”.

وأشار زريق إلى أن “ما مرت به عيلبون كان مأساة كبيرة، بعدما كانت البلدة من أجمل القرى”، مؤكداً أن “التمسك بالأرض والبقاء في الوطن يشكلان اليوم مسؤولية جماعية”.

وشدد على أهمية وحدة الأهالي والتكاتف والتمسك بالأرض، معتبرا أن أبناء الشهداء يحملون تجربة خاصة وقاسية، إذ أن بعضهم لم يعرفوا آباءهم، لكنهم يحرصون على تعريف أبنائهم وأحفادهم بتاريخ أجدادهم وما تعرضوا له.

مسؤولية نقل الذاكرة إلى الأجيال الجديدة

وقال رئيس مجلس محلي عيلبون سمير أبو زيد، إن “وضع إكليل الزهور على ضريح شهداء عشيرة المواسي الذين قُتلوا عام 1948، بات تقليدا سنويا وأمانة تحملها الأجيال الحالية تجاه الأجيال القادمة”.

وأضاف أن “مشاركة مجموعة من الشبان في إحياء الذكرى تهدف إلى تعريفهم بما جرى، وتعزيز وعيهم بتاريخ البلدة ومسؤوليتهم في الحفاظ على رسالة الشهداء وكرامتهم”.

“سنواصل تخليد أسماء الشهداء”

واستعاد عامر بركات سليمان، أحد أبناء عائلات الشهداء، ذكريات عائلته مع المجزرة، مشيرا في حديث لـ”عرب 48″ إلى أن “عمي فرج قُتل عام 1936، فيما استشهد عمي ميلاد خلال مجزرة عيلبون عام 1948”.

وقال إن عمه ميلاد قُتل ودُفن مع بقية الشهداء في مقبرة البلدة، مؤكدا أن أسماء الشهداء لا تزال حاضرة في ذاكرة العائلة وأبنائها. وأشار سليمان إلى أن “العائلة حرصت على تخليد أسماء الشهداء من خلال تسمية الأبناء بأسمائهم، ومن بينهم ميلاد وفرج”، مؤكدا أن “هذه الأسماء ستظل حاضرة في العائلة والأجيال القادمة”.

وأضاف “الحياة استمرت رغم المأساة، لكن الألم يتجدد مع كل ذكرى سنوية”، مشدداً على أن “أبناء عيلبون سيواصلون الحفاظ على أرضهم وأشجار الزيتون وبيوتهم، والتمسك بالأمل والثقة بالمستقبل”.

“إحياء الذكرى رفض للصمت أمام المجازر”

وقال عضو المجلس المحلي في عيلبون ولاء حايك، لـ”عرب 48″، إن “المسيرة السنوية تهدف إلى إحياء ذكرى ضحايا مجزرة عيلبون وشهداء عشيرة المواسي الذين قُتلوا عام 1948، والوفاء لهم ولتضحياتهم”.

وأوضح أن “الرواية المتداولة في البلدة تشير إلى أن المجزرة وما تبعها من تحركات واتصالات مع الأمم المتحدة، بمبادرة من وجهاء عيلبون وأهلها الموجودين في لبنان، أدت إلى وصول وفود أممية للاطلاع على ما جرى، وهو ما ساهم في إصدار قرار بعودة الأهالي إلى قريتهم”.

وأكد حايك أن “عيلبون تُعد من القرى الفلسطينية التي تمكن أهلها من العودة إليها بعد النكبة”، مشددا على أن “هذه العودة ترتبط ارتباطا وثيقا بتضحيات الشهداء وصمود الأهالي”.

وأضاف أن “إحياء الذكرى لا يقتصر على الوفاء للضحايا، بل يحمل أيضا رسالة رفض للمجازر والقتل أينما وقع في العالم. إن الصمت تجاه الجرائم قد يُفهم على أنه قبول بها”.

وختم حايك بالتأكيد على أن “رفع الصوت وإحياء الذكرى وتنظيم المسيرات تشكل وسائل للتعبير عن رفض المجازر، والتأكيد على ضرورة عدم تكرار المآسي التي عاشتها عيلبون وأهلها”.

“الشهداء هم صلتنا بتاريخ عيلبون وأرضها”

وقال مدير عام المركز العربي للتخطيط البديل ورئيس مجلس عيلبون سابقا، حنا سويد، لـ”عرب 48″، إن “المسيرة شكلت مشهدا مهيبا اجتمعت فيه أنوار المشاعل ودموع الحاضرين، بمشاركة أبناء الشهداء وعائلاتهم وأهالي البلدة”.

وأكد أن الشهداء لم يكن لهم ذنب سوى أنهم أبناء عيلبون، مشيرا إلى أن “تخليد ذكراهم يمثل صلة حية بين أهالي البلدة وماضيها وتراثها وتاريخها. وأن الوفاء للشهداء والبلدة يتطلب من كل من ينتمي إلى عيلبون أن يحافظ على هذه الذاكرة، وأن يدرك ارتباطه بالأرض التي تحتضن رفات الآباء والأجداد”.

وأشار د. سويد إلى أن الحزن على جميع شهداء عيلبون يجمع مختلف عائلات البلدة ومكوناتها. وشدد على أن “محبة البلدة والارتباط بها لا يقتصران على الانتماء بالاسم، بل يتجسدان في الحفاظ على الأرض والذاكرة والتراث”.

“المسيرة تضمن انتقال الذاكرة من جيل إلى جيل”

من جانبه، قال عيسى حايك لـ”عرب 48″، إن “إحياء ذكرى مجزرة عيلبون يحمل أهمية خاصة، لا سيما في ظل استمرار تأثر أبناء الشهداء وعائلاتهم”، مشيراً إلى أن “الدموع لا تزال حاضرة على وجوه الأهالي رغم مرور عشرات السنوات”.

واعتبر أن “دماء الشهداء كانت عاملا أساسيا في عودة أهالي عيلبون إلى قريتهم وبيوتهم بعد النكبة، بدلا من البقاء في مخيمات اللجوء في لبنان”. وأشار إلى أن “عيلبون حققت عودة أهلها إلى قريتهم، وأن أبناءها عادوا إلى بيوتهم واستقروا فيها منذ 78 عاما”، مؤكداً أنهم سيواصلون التمسك بأرضهم والبقاء فيها.

وأوضح حايك، أن “المشهد بحد ذاته يشكل وسيلة لنقل الذاكرة، إذ يشاهد الأطفال المسيرة ويسألون أهاليهم عن سببها، فيتعرفون إلى المجزرة وما حدث في البلدة عام 1948، لتبدأ لديهم رحلة معرفة تاريخ قريتهم. الهدف الأساسي من المسيرة هو إبقاء الذكرى حية، وضمان انتقالها من جيل إلى جيل، حتى لا تُنسى أحداث المجزرة والشهداء”.

وقال عضو اللجنة الشعبية في عيلبون رياض خوري، لـ”عرب 48″، إن إحياء الذكرى يأتي في إطار الوفاء للشهداء والحفاظ على مكانتهم، مؤكدا أن عودة أهالي عيلبون إلى قريتهم جاءت نتيجة إصرارهم ونضالهم وتمسكهم بحق العودة.

وأشار إلى أن “عيلبون تمكنت من استعادة أهلها لقريتهم، وأن تجربة العودة شكلت محطة مهمة في تاريخ البلدة. وأن المشاركة في المسيرة، رغم أنها قد لا تكون كبيرة من حيث العدد، تعكس استمرار الوفاء للشهداء وعدم نسيان المجزرة، مشددا على ضرورة تعريف الأجيال الشابة والصبايا بتاريخ البلدة وما تعرض له أهلها.

وقال نايف سويد لـ”عرب 48″، إن “إحياء ذكرى مجزرة عيلبون يشكل واجبا وطنيا وتاريخيا للحفاظ على ذاكرة الشهداء ونقلها إلى الأجيال القادمة”، مؤكدا أن “الذكرى تجمع أبناء البلدة من المسلمين والمسيحيين حول تاريخ وقضية مشتركة، وأن جرح المجزرة لا يزال حاضرا رغم مرور السنوات”.

Share This Article