سبسطية تحت الاحتلال: سرقة التاريخ الفلسطيني وتحويله إلى مشروع استيطاني

المسار : تستمر سلطات الاحتلال الإسرائيلي في محاولاتها المستمرة لتغيير معالم التاريخ الفلسطيني وتهويد المواقع الأثرية في الأراضي الفلسطينية، وخاصة في منطقة سبسطية شمال نابلس، التي تعتبر واحدة من أهم المواقع التاريخية والثقافية في فلسطين.

بلدة سبسطية، التي تحتفظ في باطنها بآثار تعود إلى العصر البرونزي وما قبله، شهدت محاولات متواصلة من الاحتلال لتغيير وجهها الثقافي والتاريخي عبر مصادرة الأراضي وتحويلها إلى مشاريع استيطانية وسياحية تحت غطاء “الحدائق القومية” و”التراث اليهودي”.

سبسطية، التي تعود آثارها إلى العصر البرونزي (3200 قبل الميلاد)، تضم العديد من المعالم التاريخية المميزة مثل شجرة الزيتون الرومية، وأعمدة الرخام القديمة، والمدرجات النابتة، بالإضافة إلى قصر العاج وقلعة هيلانة وكنيسة النبي يحيى.

لكن هذه المعالم، التي تشهد على تاريخ طويل من الحضارات المختلفة مثل الآشوريين والفارسيين والرومان، أصبحت في صراع مستمر مع الروايات الإسرائيلية التي تحاول تزييف التاريخ وفرض “التراث اليهودي” على المنطقة.

منذ بداية الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، كان الاحتلال يهدف إلى السيطرة على هذه المنطقة ذات الأهمية التاريخية، بل وتحويل إرثها الثقافي والتاريخي إلى جزء من الرواية الإسرائيلية.

هذا الهدف تجسد مؤخرًا في القرار الإسرائيلي الصادر في أغسطس/ آب 2025، الذي يقضي بتحويل 1800 دونم من الأراضي الفلسطينية في سبسطية إلى “منتزه السامرة القومي”، وهو ما يعادل ثلث مساحة البلدة.

هذه الخطوة، التي تندرج ضمن سياسة الضم الناعم، تهدف إلى مصادرة الأراضي وتدمير الهوية الثقافية الفلسطينية في المنطقة.

آثار الحفريات والتهويد..

وفي حديث أجراه مراسل مع مدير دائرة آثار نابلس والخبير في الآثار الفلسطينية، ضرغام الفارس أكد أن هذه السياسات الإسرائيلية تشكل تهديدًا مباشرًا للتراث الفلسطيني.

وقال الفارس إنّ “ما يحدث في سبسطية هو جزء من سياسة إسرائيلية ممنهجة لسرقة التاريخ الفلسطيني”، موضحًا أنّ الاحتلال لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى لتغيير تاريخها من خلال توظيف الحفريات الأثرية لتدعيم رواياته الدينية المزيفة. فهذه الحفريات لم تكن لحماية التراث، بل لتهويد المواقع الأثرية”.

وأضاف أن الحفريات التي تشرف عليها سلطات الاحتلال في سبسطية تستهدف تثبيت رواية توراتية زائفة، لا تتوافق مع الأدلة العلمية والتاريخية، مشيرًا إلى أنّ “إسرائيل تحاول خلق سردية تاريخية مفصلة تناسب مصالحها السياسية، رغم أن الشواهد الأثرية تثبت الطابع الفلسطيني للمنطقة”.

التأثير الاقتصادي والاجتماعي..

ولا تقتصر السياسات الاستيطانية في سبسطية على محاولات تهويد المواقع الأثرية، بل تتعدى ذلك إلى التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية على السكان المحليين.

العديد من العائلات الفلسطينية في سبسطية تعتمد على الزراعة، خاصة زراعة الزيتون، ومع زيادة مصادرة الأراضي وتحويلها إلى مشاريع استيطانية، يجد هؤلاء المزارعون أنفسهم في مواجهة معانات متزايدة بسبب فقدان مصادر رزقهم.

رئيس بلدية سبسطية، محمد العازم أكد أن القرار الإسرائيلي الأخير بالاستيلاء على 1800 دونم يهدد بشكل مباشر استقرار الحياة الاقتصادية في البلدة.

وتابع أنّ “هذه الأراضي كانت مصدر دخل أساسي للعديد من العائلات التي تعتمد على الزراعة والسياحة. القرار الإسرائيلي يقوض حياتنا ويزيد من معاناتنا اليومية”.

محاولات التزييف عبر الخطاب الديني والتاريخي

يحاول الاحتلال استخدام الخطاب الديني والسياسي لتبرير محاولاته المستمرة لتغيير معالم تاريخ فلسطين، فما يروج له الاحتلال حول وجود “تراث يهودي” في سبسطية خلال العصر الحديدي ليس سوى محض خرافات، حيث لا يوجد أي دليل أثري أو علمي يثبت ذلك.

بل إن المحاولات الإسرائيلية لا تتوقف عند سرقة الأرض فحسب، بل تمتد إلى سرقة التاريخ الفلسطيني نفسه، عبر تزييف الوقائع والادعاء بأحقية تاريخية مزعومة.

ويشير الفارس إلى أن ما يحدث في سبسطية هو محاولة إسرائيلية لاستخدام الآثار كأداة لتكريس الاحتلال وإعطائه نوعًا من الشرعية الدينية والتاريخية.

وقال: “منذ القرن التاسع عشر، بدأت الحفريات الأثرية تحت إشراف إسرائيلي لتفسير الاكتشافات بما يتماشى مع النصوص التوراتية، ولكن في السنوات الأخيرة، لاحظنا تسارعًا في هذه الإجراءات التي تهدف إلى تهويد المواقع الأثرية ودمجها في المشروع الاستيطاني الإسرائيلي”.

وفي سياق حديثه عن الأبعاد المستقبلية لهذه السياسات، شدد على أن الحفريات لا تمثل مجرد عمل أكاديمي، بل هي جزء من خطة تهويد واسعة النطاق.

وزاد: “ما يحدث في سبسطية ليس مجرد عملية تنقيب أثرية، بل هو جزء من مخطط أكبر يهدف إلى تدمير الهوية الثقافية الفلسطينية. التحولات في وجه المنطقة تهدف إلى فرض الواقع الاستيطاني الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية، وإلغاء الوجود الفلسطيني التاريخي في المنطقة”.

الحاجة إلى تحرك دولي..

تستمر محاولات الاحتلال لفرض سيطرته على المواقع التاريخية والثقافية الفلسطينية، ولكن وفقًا لضرغام الفارس، هناك حاجة ملحة لتحرك دولي جاد لوقف هذه الممارسات.

ولفت إلى ضرورة “أن يدرك المجتمع الدولي أن الاحتلال لا يقتصر على سرقة الأراضي، بل هو سرقة للتاريخ الفلسطيني بأسره.. يجب أن يتخذ المجتمع الدولي إجراءات قانونية لوقف هذه الانتهاكات، لأن ما يحدث في سبسطية وفي كافة المناطق

الفلسطينية هو جريمة ضد الإنسانية وضد التراث الثقافي”.

Share This Article