قضية المدعية العسكرية الإسرائيلية تفتح جدلاً حول مصداقية تحقيقات تل أبيب أمام محكمة لاهاي

المسار : إقالة المدعية العسكرية واعتقالها يتحوّل إلى عنصر مركزي في إضعاف دفاع إسرائيل أمام المحاكم الدولية، ويؤكد تآكل قدرتها على التحقيق الذاتي في جرائم الحرب. وبرغم الهدنة والضغوط الأميركية، فإن ملفات لاهاي ضد نتنياهو وقيادات إسرائيل تواصل الاتساع بفعل التطورات.

طرحت إقالة المدعية العامة العسكرية واعتقالها تساؤلات واسعة حول أثر هذه الخطوة على ملاحقة إسرائيل في المحاكم الدولية، إذ تُؤكد التطورات الأخيرة تآكل قدرة المؤسسة العسكرية على التحقيق الذاتي في الانتهاكات وانعدام الإرادة للقيام بذلك، وهي القدرة التي تشكّل ركيزة دفاع إسرائيل أمام لاهاي.

وأفادت صحيفة “هآرتس”، اليوم الخميس، بأن هذه القضية باتت تُقرأ خارج إسرائيل كدليل إضافي على ضعف استقلال المنظومة القضائية العسكرية، ما قد يعزز المسارات القانونية ضد رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو ومسؤولين آخرين.

ووصلت إسرائيل في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 إلى “حضيض غير مسبوق” من حيث مكانتها القانونية بعد أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال بحق نتنياهو ووزير الأمن السابق، يوآف غالانت، بدعوى وجود “أساس معقول” للاشتباه بضلوعهما في جرائم حرب في غزة. كما تواصل محكمة العدل الدولية النظر في الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية.

ورغم انطباع ساد لدى شرائح من الإسرائيليين بأن وقف إطلاق النار في قطاع غزة وتوتر علاقة واشنطن بالمحاكم الدولية قد خفّفا من هذه المخاطر، يؤكد خبراء في القانون الدولي أن “الإجراءات ما تزال قائمة، ولا يبدو أنها ستتراجع قريبًا”.

وتقول البروفيسور تامار هوستوفسكي براندس، أستاذة القانون الدولي في الكلية الأكاديمية أونو، إن “ترسّخ الاعتقاد في إسرائيل بأن عهد دونالد ترامب يمنح حصانة من القانون الدولي هو اعتقاد خاطئ”، مشددة على أن “تأثير هذه القضايا قد يلاحق إسرائيل سنوات طويلة”.

وأوضح التقرير أن إحدى القضايا التي أثرت بشدة على صورة إسرائيل كانت إقالة المدعية العسكرية السابقة واعتقالها، في أعقاب فتحها تحقيقًا يتعلق بانتهاكات ارتكبها جنود بحق أسير فلسطيني في قاعدة “سديه تيمان”.

وقال البروفيسور إيلياف ليبليخ، أستاذ القانون الدولي في كلية الحقوق – جامعة تل أبيب، إن القضية تُفهم عالميًا على نحو بسيط: “المسؤولة عن التحقيق في جرائم الحرب أُقيلت واعتُقلت في أحد الملفات القليلة التي حاولت فيها فحص أفعال غير قانونية لجنود الجيش”. وأضاف أن ضغوطًا مورست على النيابة العسكرية لمنع التحقيق في مثل هذه الحوادث.

واعتبر خبراء أن هذه التطورات تضرّ بقدرة إسرائيل على الادعاء بأنها تحقق ذاتيًا في الانتهاكات، وهو معيار مركزي يحدد ما إذا كان للمحكمة الجنائية الدولية حقّ التدخل أو لا. ومع فقدان هذه الحجة، “تظهر إسرائيل كدولة لا تملك جهاز قضاء مستقلًا قادرًا على محاسبة المتورطين”، بحسب التقرير.

تصريحات مسؤولين: مادة قضائية تستغلها لاهاي

واستعرض التقرير تصريحات مسؤولين إسرائيليين استشهدت بها المحكمة في قراراتها الأولية، مشيرة إلى أنها قد تشكّل “مؤشرات على نية” ارتكاب إبادة جماعية. كما يشير التقرير إلى قرار المستشارة القضائية للحكومة، غالي بهاراف ميارا، بعدم التحقيق مع سياسيين كبار بشبهة التحريض، وهو ما “لم يساعد إسرائيل في دفع الادعاءات عنها”.

وأبرز التقرير تصريحات وزير الأمن، يسرائيل كاتس، الذي دافع عن تعيين المدعي العسكري الجديد بالقول إنه “رجل متدين قومي ومن سكان المستوطنات… وسيعيد النظام إلى المنظومة ويدعم الجنود، لا حقوق مخربي النخبة”، مشددا على أنه لن يحقق بمزاعم حول ارتكاب جنوده جرائم حرب.

وترى هوستوفسكي براندس أن هذه الكلمات “تعكس ازدراءً لسيادة القانون”، مضيفة أنها ترسل رسالة خطيرة بأن الجيش “لن يحقق بعد الآن في شبهات جرائم حرب”. ويقول ليبليخ: “تصريحات كهذه تُظهر المدعي العسكري الجديد كمنحاز سياسيًا، لا كجهة مستقلة، وهذا يعرّض الجنود أكثر للإجراءات الدولية”.

وقف إطلاق النار لا يعفي من المساءلة

أما بخصوص تأثير اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى على دعوى الإبادة الجماعية، فيرى الخبراء أن المسألة “ليست بهذه البساطة”. إذ قد تدّعي إسرائيل أن الاتفاق ينفي نية الإبادة، لكن جنوب أفريقيا سترد بأن الموافقة جاءت “تحت ضغط أميركي”، وبالتالي لا تغيّر من طبيعة الادعاء.

أما بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية، فيوضح التقرير أن أوامر الاعتقال الصادرة بحق نتنياهو ووزير الأمن السابق، يوآف غالانت، “مرتبطة بأفعال يُدعى أنها حدثت بالفعل”، وبالتالي “لا يلغيها وقف القتال”.

ويتناول التقرير حملة الضغط التي قادها الرئيس الأميركي ضد المحكمة بعد عودته للبيت الأبيض، وتشمل فرض عقوبات على المدعي العام كريم خان، وتجميد أموال قضاة ومدعين شاركوا في قرارات تخص إسرائيل أو الولايات المتحدة.

ووفق وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، فإن القضاة “شاركوا في إجراءات غير شرعية ضد الولايات المتحدة أو حليفتها إسرائيل”. ويقول ليبليخ إن هذه العقوبات “أضرت بالمحكمة لكنها لم تشلها”، مضيفًا أن “عدم وجود مدة تقادم يعني أن القضايا ستبقى قائمة حتى لو تغيّرت الظروف السياسية”.

وتعرض الصحيفة لفتح تحقيق أممي بحق المدعي العام كريم خان حول مزاعم اعتداءات جنسية، مشيرة، على لسان د. تامار ماغيدو المحاضرة في القانون الدولي في الجامعة العبرية في القدس، أن هذه الاتهامات “تلطخ صورته الشخصية لكنها لا تمس بصلاحية المحكمة”، وأن استمرار عمل المحكمة يعتمد على التزام الدول الأعضاء.

قيود السفر تلاحق نتنياهو وغالانت… وأوامر اعتقال سرّية محتملة

ويشدد الخبراء على أن أوامر الاعتقال ضد نتنياهو وغلانت “ما تزال سارية”، وأنهما “ممنوعان من زيارة الدول الأعضاء في المحكمة”. وتشير الصحيفة إلى احتمال أن تكون دول أخرى أصدرت “أوامر اعتقال سرية” ضد مسؤولين إسرائيليين من دون علم تل أبيب.

وذكر التقرير أن تركيا أصدرت مؤخرًا أوامر اعتقال بحق 37 مسؤولًا إسرائيليًا، بينهم نتنياهو وإيتمار بن غفير ويسرائيل كاتس، مستندة إلى الولاية القضائية العالمية التي تمنح الدول حق مقاضاة مرتكبي الجرائم الدولية الخطيرة.

Share This Article