المسار :في أقصى شمال الضفة الغربية، حيث الخضرة والمياه والثروات الطبيعية، تتبدّل ملامح الأرض الفلسطينية بصمتٍ، بينما تواصل قوات الاحتلال إعادة رسم خريطة المنطقة بما يخدم مشاريعها الاستيطانية.
وتتحول المساحات الزراعية والمراعي في أغلب المناطق الغورية إلى بؤر استيطانية ومعسكرات تدريب، وتغدو حياة السكان الفلسطينيين محاصرةً بين أوامر الهدم والمنع والتهجير، في مشهد يومي يعكس عملية “هندسة ميدانية” ممنهجة تهدف إلى تكريس السيطرة “الإسرائيلية” على المنطقة الأكثر غنىً وامتدادًا في الضفة، وتحويلها إلى شريط أمني–استيطاني يقطع أوصال الأرض ويُفرغها من أصحابها الأصليين.
من جانبه، يصف الناشط والحقوقي في مجال مقاومة الاستيطان فارس فقها ما تشهده منطقة الأغوار الشمالية بأنه “بالغ الصعوبة، حيث تتعرّض المنطقة إلى عملية ضم وسيطرة وتوسع بشكل صامت”.
ولفت فقها إلى أنّ “قوات الاحتلال والمجموعات الاستيطانية قامت بوضع يدها على آلاف الدونمات وتسييجها”.
وتابع: “إن كنا نرى ممارسات استيطانية في سهول الأغوار، فإن المناطق الجبلية تتعرض لعمليات مصادرة مضاعفة، بل وتسييجًا من قبل المجموعات الاستيطانية وتحت حماية جنود الاحتلال”.
وكشف فقها أن “ممارسات الاحتلال والمستوطنين تلك أجبرت تجمعاتٍ بدوية وسكنيةً كاملةً على ترك أماكن سكنها بحثًا عن الأمن والاستقرار ومصدر العيش، ومراعي أغنامهم التي أضحت لا تجد مكانًا تتحرك فيه”.
ولفت فقها إلى أنّ ما تبقّى من تجمعات بدوية وسكانية في منطقة الأغوار “تحتضر وتصارع من أجل البقاء”.
وأضاف: “لنكن واقعيين، حتى بعض ما تبقّى من تجمعات هو شكلي؛ وقد نشاهد خيامًا ومنشآت قائمةً بدون سكان وماشية، وذلك بعد أن قام السكان بإبعاد عائلاتهم ومواشيهم خشية اعتداءات المستوطنين وسرقة مواشيهم، وينتظرون العودة بعد هدوء العاصفة التي لم تهدأ، بل تزداد وتيرتها يومًا بعد يوم”.
وانتقد الصمت الرسمي والإعلامي تجاه ما يجري بحق الأرض والإنسان والشجر والحجر، مؤكّدًا أنّ “هذا الصمت، بالتوازي مع غياب أي دور قانوني أو حقوقي محلي أو دولي، يحفز الاحتلال بكافة مكوناته على تصعيد ممارساته وضم ما تبقّى من أراضي”.
بدوره، يقول الناشط معن صوافطة إنّ “ما تتعرض له منطقة الأغوار هو تنفيذ حرفيّ للضم، الذي يعتقد البعض أنه تهديدات فقط”.
وتابع: “مسلسل المصادرة لم ينقطع، وفي كل يوم يتم إبلاغ الفلسطيني بوضع اليد على أرضه، ويتعرض آخرون للطرد المباشر، فيما يخضع آخرون لظروف وتهديدات تجبرهم على ترك أراضيهم”.
وذكر صوافطة أنّ “الأسبوع الأخير شهد إصدار حكومة الاحتلال أربعة أوامر عسكرية لمصادرة أراضٍ مملوكة في الأغوار الشمالية بمحافظة طوباس؛ والأراضي موزّعة على مدينة طوباس وبلدةٍ (اسمٌ محلّي — يُرجى التحقق منه) ومنطقتي بردلة والمالح، حيث تُقدّر مساحة الأراضي المشمولة بالأوامر العسكرية بـ764 دونمًا”.
ونقلًا عن تقارير منظماتٍ رسمية وحقوقية، فإنّ “ممارسات الاحتلال أدّت إلى تهجير أكثر من 33 تجمعًا فلسطينيًا بدويًا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تتوزع هذه التجمعات على 66 موقعًا في الضفة، وأدّى ذلك إلى ترحيل ألفين و373 فلسطينيا من هذه التجمعات”.
وعلى صعيد إعلانات “أراضي الدولة”، فقد أقدمت سلطات الاحتلال مع نهاية عام 2023 على إعلان 501 دونمٍ كأراضٍ للدولة، فيما شهد عام 2024 إعلان أكثر من 24 ألف دونم بذات المسمّى، وفي النصف الأول من عام 2025 قامت بالسيطرة على 744 دونمًا إضافيًا جرى تسجيلها رسميًا ضمن هذه الفئة.

