“وسادتها”.. يامن يعثر بعد بحث طويل بين أنقاض منزلهم على آخر أثر لوالدته

هنا في غزة، لا تُقاس المساحات بالمتر، ولا يُحسب الوقت بالساعات، كل شيء صار أرقامًا على صفحة الواقع القاسي، أشياء لم تعد موجودة، صور اختفت، ووجوه صار يراها الطفل في الذاكرة وحدها، على ركام ما كان يومًا بيتًا، يجلس فتى لم يتجاوز الرابعة عشر، بعينين تحملان أكثر مما يجب أن يتحمل أي طفل، عالمه كله محصور في مكان واحد الركام الذي احتوى على حياته السابقة، وعلى آخر أثر لأمه وشقيقه الأصغر.

وفي أحد أيام البحث، بعد ساعات طويلة عثر على الوسادة التي كانت تنام عليها والدته، ارتجف قلبه وهو يضمها إلى صدره، كأنها تحمل أنفاسها، وضع رأسه عليها، مستشعرًا كل جزء منها كما لو كانت تمدّه بالحياة من جديد، كأن قلبه الصغير وجد فيها جزءًا من والدته لم يرحل”.

يامن قنيطة، البالغ من العمر 14 عامًا، فقد 6 من أفراد عائلته، بينهم والدته وشقيقه الأصغر، إثر قصف منزلهم المكوّن من خمسة طوابق في منطقة النفق شرق مدينة غزة بصاروخين من قبل الاحتلال الإسرائيلي في 8 أيلول الماضي.

“الشهادة أحب إليّ من النزوح”..

يقول يامن بصوت متهدج، وعيناه تلمعان بالغبار والدموع: “كانت أمي دائمًا قلقة عليّ، وقلبها يغلي من خوفها، لكن عندما اشتد القصف على منطقة النفق، نزحنا ليومين إلى مركز الإيواء في الشيخ رضوان، عند دار سيدي، إلا أنني لم أستطع ترك البيت، قلت لنفسي: هذا بيتي، هذا كل ما تبقى لي، الشهادة أحب إليّ من النزوح، لكن كان قلبي مشدودًا إلى أمي بشكل غير مفسر”.

ويضيف يامن وهو يحرك يديه فوق الركام وكأنه يلمس ذكرى أمه: “في اليوم التالي، عدنا إلى منزلنا رغم الخطر، وكأن البيت بدوننا لا يقوى على البقاء، لم يمض وقت طويل حتى استهدف بصاروخين المنزل، كنت تحت الركام، أصرخ، وأنادي بأعلى صوت: بابا أنا هنا! وكل ما كنت أسمعه كان صوت أبي، يثبتني بآيات القرآن، ويطمئن أختي على الجانب الآخر قائلًا: لا تخافي، مش مطولين تحت الأحجار.”

يأخذ نفسًا عميقًا، ويواصل بصوت منخفض وثقيل: “أما صوت أمي وشقيقي محمد، فقد غاب عن المشهد، شعرت بأنهما رحلا، بعد ست ساعات من المكوث تحت الركام، خرجنا، وأخذت عشر غرزات في رأسي وقدمي، ولم أستطع المشي، لكن حزني كان أعظم، أعظم من كل الألم الجسدي، أعظم من كل شيء.”

ويزيد في حديثه، بعد توقف الحرب ذهبت بشكل جنوني إلى منطقة بيتنا في شارع النفق، وتفاجئت بحجم الدمار الكبير في المنطقة، زلزال ووقع كله على عمارتنا وأصبح الأمل بإخراج أمي وشقيقي مقطوعًا، حاولت كل يوم التنبيش بالأحجار، لعلّني أصل إليهم، أو لأي شي يخصهم.

بعد أيام وساعات من الحفر والبحث بين الحجارة والغبار، استطاع أخيرًا أن يصل إلى الوسادة التي كانت تحت رأس أمه، يقول يامن وهو يمد يديه الصغيرة عليها: “لم أستطع تصديق أني وجدت شيئًا من أمي، كل شيء حولي كان محطمًا، لكن هذه الوسادة كانت هنا، ثابتة، كأنها تنتظرني، وضعت يدي عليها ببطء، شعرت بالحرارة الخافتة التي تركتها بين ثناياها، وحسست بروحها كما لو كانت تقول لي: أنا هنا، لا تنساني”.

يتوقف يامن للحظة، ثم يقول بصوت خافت: “أتذكر قبل الحرب، كانت أمي تجلس معي كل مساء، تحضنني وتقول لي: يا يامن، أنت شجاع، وأفتخر بك جدًا، كنت أجلس قربها على الأرض، وأستمع لكل كلمة تقولها، أحس بالدفء في صدري، وأعرف أن كل شيء سيكون بخير طالما هي معي، كنت أساعدها في ترتيب البيت، ونخرج معًا إلى السوق القريب، وكانت تبتسم لي كل مرة أنجز شيئًا لوحدي، كانت فخورة بي، حتى في أبسط الأمور.”

يتنهد، وعيناه تمتلئان بالدموع: “أتذكر كيف كانت تعلمنا الصلاة وحفظ القرآن، تصلي معي وأختي، وتقرأ لنا القرآن بصوت هادئ، وكانت تضحك إذا أخطأت في كلمة أو نسيت جزءًا منه، كنت أشعر حينها أن أمي هي العالم كله، وأنه لا شيء يمكن أن ينهار ما دام صوتها يملأ المكان، حتى اللحظات الصغيرة، مثل أن تضع رأسها على وسادتي بعد أن أستلقي، كانت تملأ قلبي بالأمان.”

يأخذ نفسًا عميقًا، ويضيف: “كل ما أفكر به الآن، كل حركة أصنعها تحت الركام، كل حجر أحركه، أتذكر كلماتها: كن قويًا، يا يامن، لا تخف من أي شيء، كانت تعلم أن العالم قد يكون قاسيًا، لكنها كانت تمنحني القوة، وتجعلني أشعر أني قادر على مواجهة كل شيء، أحيانًا أحاول أن أستعيد تلك اللحظات، أحس بيدي في يدها، أسمع ضحكتها، فقط لأبقى على قيد الأمل، حتى لو اختفى كل شيء حولي”.

Share This Article