| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
معهد بحوث الأمن القومي (INSS) 30/11/2025
التحالف الذي يُشكّل الشرق الأوسط والتحدي الذي تواجهه إسرائيل
بقلم: الداد شفيت ويوئيل جوزانسكي
مثّلت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن مرحلةً جديدةً في العلاقات بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. وتشمل الاتفاقيات التي تم التوصل إليها، بحسب التقارير، تعزيزًا كبيرًا للتعاون الأمني بين البلدين، وموافقة الرئيس ترامب المبدئية على بيع طائرات إف-35 للسعودية، واستثمارات سعودية في الولايات المتحدة قد تصل إلى تريليون دولار، ومحادثات متقدمة، وإن لم تكن نهائية، حول مشروع نووي مدني. وسعى البلدان خلال الزيارة إلى تحقيق أهداف استراتيجية، سيكون لتحقيقها تأثير مباشر على تشكيل المشهد في الشرق الأوسط في السنوات القادمة.
من منظور إدارة ترامب
ترسيخ المملكة العربية السعودية في المعسكر الأمريكي في عصر التنافس بين القوى العظمى – في السنوات الأخيرة، عززت المملكة العربية السعودية علاقاتها الاقتصادية والطاقوية الوثيقة مع الصين وروسيا، بدءًا من اتفاقيات النفط في إطار أوبك+ وصولًا إلى التعاون في مجال التكنولوجيا والبنية التحتية. من منظور واشنطن، تهدف الجهود المبذولة لإثبات مكانة المملكة العربية السعودية كحليف استراتيجي إلى الحد من مخاطر “تحول الرياض شرقًا” وضمان بقاء تركيزها الاستراتيجي في الولايات المتحدة.
تعميق الشراكة الاقتصادية والتكنولوجية – وعد الاجتماع باستثمارات سعودية واسعة النطاق في الولايات المتحدة، بما في ذلك في مجالات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية. وتحرص الإدارة الأمريكية على مساعدة المملكة العربية السعودية في تحقيق طموحها في ترسيخ مكانتها كـ”مركز للابتكار” في الشرق الأوسط (كجزء من رؤيا السعودية 2030)، وترسيخ ذلك باستثمارات سعودية ضخمة في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا الفائقة والصناعات المتقدمة في الولايات المتحدة. في الوقت نفسه، تتوقع واشنطن من المملكة العربية السعودية أن تتوافق مع بعض اللوائح الأمريكية المتعلقة بالتقنيات الحساسة وفي التعامل مع الصين.
تعزيز رؤيا ترامب لهيكلية إقليمية جديدة – ترى الإدارة الأمريكية أن وقف إطلاق النار في حرب قطاع غزة وإطلاق سراح رهائن حماس الأحياء خطوة أولى في خطة لتوسيع وتعميق “اتفاقيات إبراهيم”، ودمج المملكة العربية السعودية في إطار أمني واقتصادي تجاه إسرائيل، ونقل جزء كبير من عبء الاستقرار الإقليمي إلى شركائها الإقليميين أنفسهم. في ظل هذه الخلفية، ناقش الرئيس ترامب وولي العهد تعزيز عملية تطبيع واسعة النطاق بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل. وأكد الرئيس على التطبيع كرافعة لهيكلية إقليمية جديدة، قائمة على التعاون الاقتصادي والأمني. وعرض ابن سلمان المطالب السعودية لتحقيق هذا الهدف، وعلى رأسها الضمانات الأمنية الأمريكية، وحزمة أسلحة متطورة، وموافقة إسرائيل على خطة “لا رجعة فيها” لإقامة دولة فلسطينية.
من منظور المملكة العربية السعودية
شكّلت الزيارة نقطة تحول مهمة لمحمد بن سلمان في استعادة صورة المملكة في الولايات المتحدة بشكل خاص وفي الغرب بشكل عام. يرى أن نتائجها دليل على أن السعودية لاعب رئيسي في النظامين الإقليمي والدولي. فالاحتفالات الحاشدة في البيت الأبيض، بما في ذلك عشاء رسمي مخصص لرؤساء الدول، واجتماعات مطولة، واعتراف الرئيس ترامب العلني بمكانة ابن سلمان كزعيم شرعي لا جدال فيه للمملكة، كل ذلك عكس تحولاً كبيراً عن الماضي، وخاصةً عن إدارة جو بايدن، حيث كانت الصورة العامة لولي العهد في الولايات المتحدة عائقاً كبيراً أمام تحسين العلاقات.
إن الموافقة على النية الأمريكية لبيع أسلحة متطورة، وعلى رأسها طائرات إف-35 – وهي من أكثر الطائرات تطوراً في سلاح الجو الأمريكي – في حال الوفاء بالوعد الأمريكي، يُعد تطوراً تاريخياً: ستكون السعودية أول دولة عربية تتسلم هذه الطائرات. وكما تتذكرون، تلقت الإمارات العربية المتحدة وعداً مماثلاً عشية انضمامها إلى “اتفاقيات إبراهيم”، والذي لم يتحقق في النهاية. حتى لو أجّل الكونغرس الصفقة، فإن الإعلان بحد ذاته يُعبّر عن رؤية الرياض لواشنطن كشريك أمني رئيسي، وأن ميزان القوى في الخليج والشرق الأوسط يميل لصالحها. ومن إنجازات الرياض الأخرى رفع القيود الأمريكية على تصدير الرقائق المتطورة إلى المملكة العربية السعودية، التي تسعى إلى ترسيخ مكانتها كمركز تكنولوجي عالمي، بما في ذلك أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، لاستخدامها في مشاريع طموحة مثل مدينة “نيوم”. ويُعتبر موافقة واشنطن على هذا، رغم الوجود القوي لشركات التكنولوجيا الصينية في المملكة، تعبيرًا أمريكيًا استثنائيًا عن الثقة في السعوديين – مع أن هذه الخطوة ربما كانت مصحوبة بشروط، ووافقت الرياض على زيادة الرقابة و/أو القيود على النشاط الصيني في المملكة. إضافةً إلى ذلك، منحت واشنطن المملكة العربية السعودية صفة “حليف رئيسي من خارج الناتو”، ورغم أن هذه الصفة رمزية في المقام الأول، وهي الصفة التي تتمتع بها الكويت والبحرين وقطر بالفعل، إلا أنها تُوفر مزايا في مجال المشتريات العسكرية، وتُشير إلى العالم بأن الرياض قد استُعيدت مكانتها كشريك رئيسي في الهيكل الأمني الأمريكي. إلى جانب هذه الإنجازات، لم يتحقق أهم هدفين للسعودية:
اتفاقية دفاعية ملزمة ورسمية – لم تتمكن الرياض بعد من الحصول على موافقة أمريكية على مثل هذه الاتفاقية، التي يُفترض أن تُشكل إطارًا دفاعيًا، مقابل التزام سعودي بالتنسيق السياسي والإقليمي. على مدار عامين، عمل السعوديون على تعزيز هذا الإطار بحيث يتضمن التزامًا أمريكيًا رسميًا بالدفاع عن المملكة في حال تعرضها لهجوم. (أعطت واشنطن قطر وثيقة مماثلة عقب الهجوم الإسرائيلي على الدوحة (أمرًا رئاسيًا)، لكنها لم تُعمّم هذه الصيغة على الرياض).
اتفاقية تخصيب اليورانيوم في المملكة – الهدف الثاني الذي لا يزال بعيد المنال بالنسبة للسعوديين هو “اتفاقية 123” التي ستسمح بإنشاء بنية تحتية نووية مدنية تحت إشراف أمريكي. على الرغم من التقدم المحرز في السنوات الأخيرة في المناقشات بين البلدين حول هذه القضية، يرفض الكونغرس الموافقة على اتفاقية تتضمن إمكانية التخصيب المحلي في المملكة العربية السعودية، ويبدو أن بن سلمان غير مستعد للتخلي عن طموحه في السيطرة على جميع مكونات دورة الوقود النووي. من المحتمل أن واشنطن تُبقي على مسألة اتفاقية الدفاع والتعاون في المجال النووي كوسيلة ضغط نحو خطوة مستقبلية نحو التطبيع مع إسرائيل، أي دون تغييرات جوهرية في السياسة السعودية. إذا كان الأمر كذلك، فهذه أخبار سارة لإسرائيل. فيما يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل، قد توافق الرياض في نهاية المطاف على التطبيع، لكنها تُؤكد أنها لن تفعل ذلك دون إحراز تقدم ملموس نحو تسوية إسرائيلية-فلسطينية. بالنسبة لواشنطن، فإن عدم إحراز إسرائيل تقدمًا يسمح لها بالاحتفاظ بـ”الأوراق المهمة”، أي الدفاع والسلاح النووي، إلى أن يصبح التوصل إلى اتفاق تطبيع حقيقي ممكنًا.
من منظور إسرائيل
تُعد زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن حدثًا معقدًا، إذ تُمثل فرصة تاريخية، وفي الوقت نفسه، مخاطر كبيرة. في الواقع، لا يقتصر الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والسعودية على الأسلحة والتطبيع بين الرياض والقدس فحسب، بل يُمثل جزءًا من انتقال السعودية إلى موقع قيادي كحليف استراتيجي وجزء من المحور الأمريكي في الشرق الأوسط. لذلك، سيتعين على إسرائيل إعادة تعريف دورها كشريك مُبادر في إطار هذه البنية التي تُروج لها الإدارة الأمريكية بعزمٍ كبير.
الفرص
ترسيخ الوجود الأمريكي وبنية إقليمية جديدة – من منظور إسرائيل، تتمثل إحدى النتائج الإيجابية المُحتملة في ترسيخ الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط على المدى الطويل. اتفاقية أمنية مع المملكة العربية السعودية، مُتكاملة مع مجموعة واسعة من الدول المُؤيدة لأمريكا (مصر، الأردن، الإمارات العربية المتحدة). سيُهيئ هذا الواقع بيئةً أكثر وديةً حول إسرائيل، حتى وإن كان على المستوى الرسمي فقط، مع إمكانية توثيق التعاون الأمني والاقتصادي والتكنولوجي.
إن تحقيق عملية التطبيع مع السعودية – حتى لو كانت في البداية بخطوات محدودة ومشروطة – سيُمثل إنجازًا كبيرًا في تعزيز مكانة إسرائيل وعملية اندماجها في العالمين العربي والإسلامي، وسيُكمل أيضًا عملية بدأت بـ”اتفاقيات إبراهيم”. ومع ذلك، من الواضح أن على السعودية أن تُقدم للرأي العام ودول المنطقة تغييرًا حقيقيًا في السياق الفلسطيني: تحسن في الواقع في قطاع غزة والتزامًا بعملية سياسية.
المخاطر
تُشكل الجوانب الأمنية للصفقة – بيع أنظمة أسلحة متطورة للسعودية، والشراكة في برامج دفاعية إقليمية، وربما مشروع نووي مدني مستقبلي – مصدر قلق في إسرائيل. ويتمثل القلق الرئيسي في الإضرار بـ”الميزة النوعية” لإسرائيل، وتخفيف القيود على نقل الأسلحة المتطورة إلى الرياض مستقبلًا، وبناء نموذج يُشجع دول الخليج الأخرى على المطالبة بمشاريع نووية مماثلة. إن مجرد الموافقة الأمريكية على الحديث عن الطاقة النووية المدنية في السعودية قد يُشكل سابقةً مُقلقةً في المنطقة، لكن محاولة إحباط المشروع تمامًا قد تدفع الرياض إلى البحث عن مسارات بديلة. وبينما لا تستطيع إسرائيل منع الولايات المتحدة من إقامة علاقة أمنية وطيدة مع السعودية، إلا أنها تمتلك القدرة على التأثير في تفاصيل الاتفاق؛ فإذا حاولت منع بيع الأسلحة المتطورة تمامًا ونجحت مساعيها، يُمكن للسعودية أن تلجأ إلى الصين/فرنسا/بريطانيا، وعندها ستجد إسرائيل نفسها في موقفٍ أقل ملاءمةً، وبدون آليات رقابة أمريكية. ومن المُرجح أن يُقابل الضغط الإسرائيلي على الكونجرس لمنع بيع الأسلحة للسعودية بانتقاداتٍ من الإدارة.
تهميش إسرائيل، أم دمجها في العملية؟ – السيناريو الإشكالي من وجهة نظر إسرائيل هو وضعٌ تُحدد فيه النقاط الرئيسية للاتفاقيات بين واشنطن والرياض، مع إعطاء أولوية واضحة للمصالح السعودية والأمريكية، ولا تُستنتج آثارها على إسرائيل إلا في مرحلةٍ لاحقة – إن وُجدت أصلًا. في هذا السيناريو، قد تجد إسرائيل نفسها أمام أمر واقع في جميع المسائل المتعلقة بالاتفاقيات الأمنية والنووية والاقتصادية، وتُضطر إلى التكيف معها بأثر رجعي. أما السيناريو الأكثر إيجابية فهو انخراط إسرائيل بفعالية في العملية: المشاركة في مناقشات أنظمة الدفاع، وتنسيق الخطوات ضد إيران ووكلائها، وتعزيز المشاريع الاقتصادية مع المملكة العربية السعودية التي تعود بالنفع على “رؤيا 2030” السعودية والاقتصاد الإسرائيلي.
توصيات سياسية
على إسرائيل أن تتصرف كشريك لا متفرج – فالواقع الناشئ في الشرق الأوسط ليس تحت سيطرة إسرائيل بالكامل، ولكنها قادرة على التأثير فيه. ينبغي على إسرائيل تعميق حوارها المباشر مع واشنطن والرياض، ليس فقط عبر القنوات الرسمية، بل أيضًا عبر قنوات التنسيق غير الرسمية والعلاقات التجارية، لتضع نفسها كشريك طبيعي في الهيكل الجديد، لا كطرف فاعل يستجيب بأثر رجعي للاتفاق الأمريكي السعودي.
يجب تحديد “الخطوط الحمراء” ومساحة المرونة – على إسرائيل أن تحدد لنفسها وللولايات المتحدة النقاط المحظورة عليها: ما نوع الأسلحة المتطورة التي لن تُباع للسعودية دون تعويض أمني كبير؟ ما هي القواعد الدنيا للاستخدام التي تمنع الاستخدام المزدوج للأسلحة النووية المدنية؟ التزام أمريكي يضمن ألا تُهدد القدرات المنقولة إلى السعودية أمن إسرائيل بشكل مباشر، بدءًا من مستوى الوسائل التي سيتم نقلها، مرورًا بآليات مراقبة الأسلحة النووية المدنية، ووصولًا إلى دمج إسرائيل في أنظمة الدفاع الجوي والفضائي التي من شأنها تقليل المخاطر عليها. ولأن إسرائيل تزداد اعتمادًا على المظلة الأمريكية، عليها تحديد خطوط حمراء واضحة، خشية أن تنجرّ إلى وضعية دولة محمية، حين لا تجد خيارًا سوى إعادة النظر فيما تقرر بأثر رجعي متجاوزةً إياه.
من الأفضل لإسرائيل أن تستعد لتحديد الثمن الذي ستدفعه لنفسها في السياق الفلسطيني، وأن تحاول صياغته – فمن المرجح أن يتضمن أي مخطط مقترح للتطبيع بين إسرائيل والسعودية مكونًا فلسطينيًا. مبدئيًا، يمكن لإسرائيل الاختيار بين المعارضة التلقائية، التي ستضعها في موقف “عرقلة” العملية، ومحاولة البدء في صياغة الثمن وتشكيله ليكون أكثر منطقية من وجهة نظرها. قد يكون خيار إسرائيل بين سعر معقول ومتدرج بمبادرة ذاتية، وسعر يُملى من الخارج كشرط أساسي للتطبيع.
ينبغي النظر إلى التقارب الأمريكي السعودي كجزء من صراع استراتيجي أوسع نطاقًا – فزيارة ولي العهد لواشنطن ليست مجرد “حدث سعودي”، بل هي جزء من جهد أوسع تبذله إدارة ترامب لإعادة تشكيل الشرق الأوسط في عصر تنشغل فيه الولايات المتحدة أيضًا بساحات أخرى – المنافسة مع الصين، والحرب بين روسيا وأوكرانيا، وتحديات الهجرة إلى أراضيها، والتحديات المتعلقة بالتكنولوجيا المتقدمة. بالنسبة لإسرائيل، لا يقتصر السؤال على نتائج الزيارة فحسب، بل أيضًا على قدرتها على التكيف مع النمط الجديد للسياسة الأمريكية في المنطقة. هذا في ضوء توقعات واشنطن من حلفائها بزيادة حصتهم في تحمل العبء الأمني. لذلك، من المهم أن تتمكن إسرائيل من تبني مفهوم “شراكة مبادرة”، وإلا فقد تجد نفسها في بيئة استراتيجية شُكِّلت بدونها، لكنها تتطلب منها إجراء تعديلات على سياستها الأمنية.
——————————————-
هآرتس 30/11/2025
بالنسبة لسكان غزة فان عدد القتلى الذي بلغ 70 ألف لا يصف الانهيار
بقلم: جاكي خوري
عدد القتلى في القطاع ارتفع الى 70 الف شخص، هذا ما نشرته أمس وزارة الصحة في غزة. ومثل الانتقال من 50 ألف الى 60 الف قتيل، أيضا هذه القفزة تمر تقريبا بدون دوي كبير. هذا ليس نظرا لان الحياة فقدت قيمتها، بل لانه بالنسبة لسكان قطاع غزة الأرقام تحولت منذ فترة طويلة الى لغة لا تشرح الواقع. وراء كل رقم يوجد اسم، عائلة، حياة كاملة – لكن على الأرض لم يحدث أي تغيير جوهري حتى عندما واصلت الأرقام الارتفاع.
منذ وقف اطلاق النار في 10 تشرين الأول الماضي قتل اكثر من 354 شخص، من بينهم 67 طفل وفتى. حتى في أيام “التهدئة” فان المأساة استمرت بوتيرة شبه تلقائية. صباح أمس قتل في شرق خانيونس فادي وجمعة أبو عاصي، أبناء 10 و12 سنة. حسب أبناء عائلتهما فقد خرجا لجمع الحطب للتدفئة من اجل والدهما المقعد واطلقت النار عليهما بواسطة مسيرة. في مستشفى ناصر لا يوجد ما يمكن إنقاذه. هذه قصة من بين قصص كثيرة، وساحة واحدة من بين عشرات الساحات في مناطق الاحتكاك الجديدة في القطاع التي فيها تمت مشاهدة احداث مشابهة.
قطاع غزة نفسه مقسم الآن الى منطقتي سيطرة: الشرق تحت سيطرة إسرائيل والغرب تحت سيطرة حماس، الضعيفة وغير المنظمة وغير القادرة على الحكم حقا. “الخط الأصفر” الذي يفصل بين الطرفين لا يعتبر فقط خط على الخارطة، بل هو تحول الى منطقة حرام، وهي المنطقة التي تحدث فيها معظم الاحداث حتى بعد الإعلان عن اتفاق وقف اطلاق النار.
في داخل هذا الواقع فان جهاز الصحة الذي انهار من فترة طويلة، يواصل العمل كما كتب في “هآرتس” نير حسون في الأسبوع الماضي. الأطباء يعملون مع معدات ناقصة، ادوية انتهت صلاحيتها، عبء لا يمكن تخيله للمصابين في الحرب والمصابين بامراض مهملة، وعلى الاغلب هم لا يمكنهم فعل أي شيء. حسب اليونسيف فان 4 آلاف طفل ينتظرون الاخلاء الطبي المستعجل الى خارج القطاع من اجل الحصول على علاج ينقذ حياتهم. عمليا، تقريبا لا أحد منهم يخرج.
الى جانب كل ذلك فان عملية إعادة الاعمار التي كان من المفروض ان تبدأ، لم تقترب حتى من نقطة البداية. لا احد من اللاعبين الخارجيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، يعرف اذا كانت قوة دولية ستدخل الى القطاع أو متى ستدخل اليه، هذا اذا دخلت أصلا. في واشنطن، لا يستخدم الرئيس دونالد ترامب ضغط كبير، وفي القاهرة لا تتقدم المحادثات حول “المرحلة الثانية”، كما كتب في “هآرتس”.
نفس الأسئلة التي تحلق فوق غزة منذ اشهر تواصل البقاء بدون إجابات: هل إسرائيل تنوي الانسحاب ومتى؛ هل حماس سيتعين عليها تسليم سلاحها والى من وبأي طريقة؛ من سيحكم غزة بالفعل في اليوم التالي؛ ماذا سيكون التفويض المعطى للقوة الدولية، هذا اذا دخلت هذه القوة؛ وحتى ذلك الحين من الذي يتعين عليه الاهتمام بتوفير الخيام لآلاف العائلات والمباني البديلة وترتيب الحياة اليومية؟ من سيدخل المعدات الثقيلة من اجل البدء في اخلاء الأنقاض والعثور على آلاف الجثث تحت الأنقاض؟.
الواقع على الأرض هو ان الأرقام نفسها فقدت كل إمكانية لوصف حجم الانهيار. منذ يوم الجمعة الماضي اضيف 299 اسم الى القائمة، ليس ضحايا جدد بل أسماء سمحت البيروقراطية الان فقط باستكمال جمع المعلومات عنها. من المتوقع انه في كل يوم ستضاف أسماء كهذه الى قائمة القتلى، لكن الرقم المتزايد هذا لا يحرك أي عملية سياسية ولا يسرع اتخاذ القرارات ولا يدفع قدما بالتفاهمات. هو ببساطة سيتم تسجيله، ومعروف انه سيتم تحديثه مرة تلو الأخرى.
يبدو انه عندما تم ترك المنطقة بدون حكم مستقر، وبدون افق لاعادة الاعمار، وبدون خطة سياسية حقيقية، فانه ليس من الغريب ان يتحول الموت الى رقم فقط. 71 ألف، 72 ألف وربما 80 ألف. وطالما انه لا احد من هذه الأسئلة الكبيرة حول مستقبل القطاع لا يجد أي جواب، فان الأرقام ستواصل الارتفاع وهي لن تنجح في هز الواقع أو تغيير أي شيء بالنسبة للذين ما زالوا يحاولون البقاء على قيد الحياة، بين الخط الأصفر وبين الحياة التي بقيت لهم.
——————————————
هآرتس 30/11/2025
الحكومة تنفذ “خطة الحسم” لسموتريتش هذا خطر على وجود دولة اسرائيل
بقلم: أوري درومي
اعمال الشغب التي يثيرها “شبيبة التلال” في الضفة الغربية يجب ان تثير الشعور بالخجل في قلب كل إسرائيلي نزيه، وسيستغرق اصلاح الضرر الذي يلحقونه بصورة إسرائيل في العالم المتنور وقتا طويلا. ولكن وراء اعمال الشغب هذه تكمن حكومتنا، اما بالفعل أو بغض النظر، وهذا ليس مجرد تشويه لصورة إسرائيل، بل عملية قد تهدد الشرعية التي ما زالت قائمة لوجود إسرائيل كدولة للشعب اليهودي في ارضه.
في العام 2001 عقدت الأمم المتحدة في دربن في جنوب افريقيا مؤتمر ضد العنصرية. وفي موازاة ذلك اجتمعت هناك منظمات غير حكومية مناوئة لإسرائيل، التي قررت بان إسرائيل ليست سوى نتاج مشروع كولونيالي صهيوني. وهكذا فقد أحيت هذه المنظمات قرار الأمم المتحدة المشين الذي نص على أن “الصهيونية هي عنصرية”، الذي تم اعتماده في 1975 والغي في 1991. ولم تكتف بالتصريحات، بل اطلقت عمليتين اصبحتا منذ ذلك الحين مشكلة خطيرة بالنسبة لإسرائيل: حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (بي.بي.اس)، ومقاضاة الإسرائيليين بتهمة ارتكاب جرائم حرب. في نفس الوقت بذلت المنظمات جهود جبارة، لا سيما في الجامعات الامريكية، لترسيخ خطاب يدعي انتقاد سياسة حكومات إسرائيل، لكنه في الواقع يقوض حقها في الوجود.
لقد كانت لدى إسرائيل الأدوات لمواجهة هذه الهجمات. امام الاتهامات بشان جرائم الحرب كان يمكن وضع منظومة القضاء الإسرائيلية، التي حظيت بتقدير كبير في العالم بسبب استقلاليتها، الى أن هب بنيامين نتنياهو وياريف لفين من اجل تدميرها. ويمكن الرد على الخطاب الذي يسعى الى تقويض وجود إسرائيل نفسه باقتباس من وثيقة الاستقلال، الذي يؤكد على تمسك الشعب اليهودي بارض إسرائيل والادعاء بحق انه منذ وعد بلفور، فان حق الشعب اليهودي في تقرير المصير في بلاده تم الاعتراف به من قبل الأمم المتحدة ومعظم دول العالم. ولكن يصعب تحقيق ذلك في ظل تصميم حكومة نتنياهو على تحويل إسرائيل الى دولة منبوذة.
أيضا الادعاء بان المشروع الصهيوني هو احد اشكال الكولونيالية كان يمكن دحضه، كما فعل البروفيسور ايلان تروان، الذي اكد في كتاباته على انه خلافا للدول العظمى الكولونيالية التي غزت بلاد ليست لها من اجل استغلال سكانها وسرقة ثرواتها، فان الشعب اليهودي عاد الى وطنه القديم بعد غياب طويل. إضافة الى ذلك اليهود عاشوا في البلاد منذ الازل، وفي بداية عودة صهيون كان في القدس جمهور يهودي كبير. وخلافا للعرب فان اليهود عبروا اكثر من مرة عن موافقتهم على تقسيم البلاد بين الشعبين.
الموضوع تعقد عند ظهور مفهوم “الكولونيالية الاستيطانية”، الذي صكه في 1984 عالم علم الانسان الأسترالي باتريك وولف. فقد قال ان سلوك المستوطنين الأوروبيين في استراليا تجاه السكان الأصليين استهدف تدمير بنيتهم الاجتماعية، وحتى تدميرهم ماديا بهدف السيطرة على أراضيهم. بعد ذلك طبق وولف هذا المفهوم على المعاملة القاسية التي عامل بها المستوطنون الامريكيون الأوائل الهنود الحمر، ولم يتوقف حتى عرف المشروع الصهيوني أيضا بانه استعمار استيطاني. ومن اجل اثبات ادعائه استشهد، ضمن أمور أخرى، بنكبة 1948.
أيضا هنا كان يمكن الادعاء بادعاءات قاطعة مثل ان الفلسطينيين برفضهم قبول تقسيم البلاد وشنوا حرب وهزموا فيها، فانهم انزلوا هذه الكارثة على انفسهم، وان الإسرائيليين حتى اعتقدوا ان حل الدولتين ما زال اقل الاضرار. ولكن في هذه الاثناء لا يمكن تطبيقه بسبب غياب شريك فلسطيني.
ولكن في 2017 حدث شيء ما من شانه ان يسحب البساط من تحت هذه الادعاءات: بتسلئيل سموتريتش نشر في مجلة “هشيلوح” خطة “الحسم” خاصته، التي تطالب بالتوقف عن الاعتذار وتجسيد حقنا التاريخي على البلاد بواسطة ضم المناطق، والاستيطان الكثيف وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم، وتشجيع هجرتهم (“طواعية أو قسرا”)، وحسم عسكري (“قتل من يجب قتله”). وولف لم يكن بامكانه ان يتخيل الحصول على دليل دامغ اكثر وضوحا على ادعاءاته ضد إسرائيل.
هناك امثلة تاريخية على الفكرة التي يطرحها أصحابها خطيا، وعند وصوله الى مكان القيادة هو أيضا ينفذها. سموتريتش يوجد الان في مكان مثالي لتطبيق خطته. فكوزير للمالية هو يحول الى وزيرة الاستيطان اوريت ستروك مبالغ ضخمة من اجل ان يكون الوضع في يهودا والسامرة غير قابل للتراجع عنه. وكوزير في وزارة الدفاع فانه هو المسؤول بالفعل عما يحدث هناك، بما في ذلك اعمال الشغب التي يقوم بها “شبيبة التلال”، وباعتباره يحتجز نتنياهو كرهينة فهو يعرف ان نجاح خطته مضمون.
حكومة نتنياهو اذا، ليس فقط هي التي انزلت علينا الكارثة الفظيعة في 7 أكتوبر، بل هي حتى تلحق بنا ضرر اكبر من تطبيق خطة الحسم – بالفعل أو بالتقصير. وبذلك فانها تمنح دعمها لاعداء إسرائيل وتعرض كل المشروع الصهيوني للخطر. كلما رحل هذا النظام اسرع كان ذلك افضل.
——————————————
هآرتس 30/11/2025
خطوات مهمة في الطريق الطويلة الى المساواة بين اليهود والعرب
بقلم: جدعون ليفي
الساعة هي في الصباح في خط 25 الذي يجتاز تل ابيب على طولها. مسنون في طريقهم لتسليم بول للفحص في “مغدال 100″، وكان هناك شباب في طريقهم الى العمل. كانت هناك مفاجأة على مقود الحافلة: فتاة شابة محجبة، تقود بثقة واضحة، تنتظر أن يجلس المسنون في أماكنهم قبل أن تنطلق من كل محطة. صورة وكأنها شبه طبيعية: فلسطينية إسرائيلية مقنعة ترتدي ما يشبه الخوذة. مسؤولة عن سلامة عشرات اليهود، هي تستقبلهم بالترحاب وتنقلهم الى غاياتهم وهم يضعون ثقتهم فيها.
لكن هناك شيء غير طبيعي في هذه الصورة. من غير الصعب تخيل ماذا كان سيحدث في وضع مشابه في القدس: إمكانية حدوث عملية فتك. ولكن هنا قلائل لاحظوا الصورة، التي في الواقع الإسرائيلي تمثل كل شيء ما عدا ان تكون طبيعية. سائقة فلسطينية محجبة في شوارع المدينة الكبرى لدولة اليهود. صحيح ان الفلسطينيين قاموا ببنائها، وان الافريقيين يكنسونها، وانه في المستشفيات يوجد أطباء كبار يتحدثون العربية، وفي الصيدليات يصعب ان تجد صيدلاني يهودي. مع ذلك، هذه الصورة تلمع مثل البرق. سائقتنا ودودة وهي ترتدي الحجاب.
الحافلة تنطلق نحو الجنوب ومعها الخيالات. اذا كان هناك سائقة حافلة محجبة فلماذا لا يكون رئيس حكومة أو على الأقل رئيس بلدية؟ لماذا في لندن وفي نيويورك يمكن ولكن في تل ابيب – يافا هذا لا يخطر بالبال؟ واذا كان هناك سائقة حافلة فلماذا لا تكون طيارة في “ال عال”؟. ما هو الفرق بالتحديد؟ ومقدمة اخبار في قناة 12؟ في الـ سي.ان.ان وفي سكاي هناك مقدمات اخبار محجبات فلماذا لا يوجد هنا؟ الأفكار تواصل التدفق. نحن نعيش منذ سنوات في دولة واحدة، نصفها يهودي ونصفها فلسطيني. نسفك الدماء ونكره بعضنا البعض. أحد القسمين هو متفوق ومتعالي على الآخر ويقوم باهانته، مع ذلك، توجد هنا جزر للحياة معا – حياة لم تكن موجودة في شمال ايرلندا وجنوب افريقيا. أيضا القومية المتطرفة في بلغراد الصربية ربما لم تكن لتسمح بوجود سائقة حافلة محجبة.
لا تستخفوا بسائقي الحافلات، حتى لو لم يتحلوا بهالة قائد طائرة متغطرس ومغرور، فهم يتحملون مسؤولية كبيرة. عندما كنت طفلا كنت اقلب الدراجة ثلاثية العجلات والعب دور سائق الحافلة مع اخي الصغير، الذي كان يقف ورائي وهو يقوم بدور المحصل. كنت أتمنى ان اصبح سائق حافلة أو رئيس وزراء، أيهما اسبق. ولكن لم يتحقق أي حلم من هذين الحلمين.
بين نهر الأردن والبحر المتوسط، في دولة واحدة، التي حكومتها وجيشها يديرون مصير كل الناس، عاش اليهود والفلسطينيون معا مدة ستين سنة تقريبا: ينقصهم شيء واحد فقط وهو المساواة. في اليوم الذي ستتحقق فيه سيتم حل كل المشكلات الأخرى بسهولة اكبر مما نتصور. ان سائقة حافلة محجبة هي خطوة صغيرة للفرد والدولة على طريق المساواة الطويلة.
بعد بضعة أيام من رحلة الحافلة، مجمع “تسين اوربان” في الناصرة العليا: معرض عيد الميلاد زاخر بالألوان، وحشد من الناس، يهود وروس وعرب. وعلى بعد دقائق سفر بالسيارة في الناصرة تجدون مطعم “بسترولونا” الرائع الذي يعج بالزبائن اليهود والعرب. معظم النادلين هم عرب، لكن أحيانا يكون هناك يهود أيضا. يهود يخدمون العرب – هذه خطوة صغيرة أخرى على طريق المساواة.
في شقة صغيرة في الشارع الذي يحمل اسم غزة في يافا اجتمعت مجموعة صغيرة من الإسرائيليين في عطلة نهاية الأسبوع لمشاهدة الفيلم الجميل لمايكل كمنير، احد أعضاء كيبوتس تسرعا حول قرية صرعة الفلسطينية المفقودة، وانفصال مؤسسي الكيبوتس عن ماضي المكان الذي استولوا عليه. والان نحن في نهاية شهر تشرين الثاني، ومؤرخ النكبة ايلان بابيه يلقي قبل يومين من 29 تشرين الثاني محاضرة عن خطة التقسيم في الذكرى السنوية لها الـ 78. ويقول انه لم تكن لها فرصة حتى لو وافق الفلسطينيون عليها. ولم تكن إسرائيل تنوي تنفيذها حتى عندما قالت نعم. الحقيقة هي انه قبل سنوات قبل 1967 كانت هناك خطط بالفعل لاحتلال الضفة الغربية. ويقول بابيه ان فكرة التقسيم كانت مؤامرة استعمارية ودائما هذا ينتهي بشكل سيء. في الهند وفي ايرلندا – وفي فلسطين. وانا أتطلع بالفعل الى رحلتي القادمة مع السائقة المحجبة.
——————————————-
يديعوت احرونوت 30/11/2025
المعضلة السورية
بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين
منذ 7 أكتوبر والجبهة السورية كانت الأقل تعقيدا من ناحية إسرائيل. بخلاف المعارك القاسية في غزة وفي لبنان وضد ايران والحوثيين، فان الجهد في سوريا لم يجبي اثمانا ذات مغزى. فسقوط نظام الأسد – العدو القديم والحليف المركزي لطهران – أتاح لإسرائيل قبل نحو سنة اتخاذ خطوات دراماتيكية دون أن تصطدم بتحديات ذات مغزى: فقد سيطرت على ارض بجوار الحدود وفيها سكان لغرض الدفاع ضد محافل معادية (درس من احداث 7 أكتوبر)، دمرت البنى التحتية للجيش السوري خوفا من أن تقع في ايدي منظمات إرهاب، ومنذئذ وهي تحافظ على حرية عمل شبه تامة في سوريا.
تخلق الأجواء المريحة مشاهد مشابهة لتلك التي بدت في المناطق التي احتلت في 1967: إسرائيليون يحاولون اجراء رحلات الى المنطقة المحتلة، آخرون يسعون لان يقيموا فيها بلدات (“طلائع البشان”) في ظل الإعلان عن أنه فقهيا يدور الحديث عن منطقة هي جزء من بلاد إسرائيل، وصحافيون يحررون تقارير بطريقة شاعرية “عما يجري في سوريا”. وفي الخلفية يحرص رئيس الوزراء مرة كل بضعة اشهر على أن يجري زيارات مغطاة إعلاميا في الأراضي التي احتلت، ويشدد فيها كم هي حيوية للدفاع عنها واننا لن نخليها.
الحادثة القاسية في بلدة بيت جن في نهاية الأسبوع تشكل رصاصة ايقاظ لإسرائيل. يدور الحديث عن محاولة لاعتقال نشطاء من منظمة “الجماعة الإسلامية” (فرع الاخوان المسلمين المحلي) خططوا لعمليات ضد إسرائيل، حادثة تطورت الى اشتباك أصيب فيها ستة جنود من الجيش الإسرائيلي وقتل نحو 15 سوريا. من شأن الحدث ان يشكل نهاية الفترة التي كان يمكن فيها التحكم بالمنطقة وسكانها بلا مشاكل.
وقعت الحادثة في اليوم الذي يحيي فيها السوريون سقوط نظام الأسد، ما تسبب في أن تتحول مسيرات التضامن مع النظام الى مظاهرات عاصفة ضد “الاحتلال الإسرائيلي”. اذا ما قرر الرئيس السوري احمد الشرع البدء بتشجيع أو دعم الاعمال ضد الاحتلال الجديد، ستقف إسرائيل امام تحد آخر إضافة الى القضاء على الإرهاب في المنطقة المحتلة. في مثل هذا السيناريو من شأن ايدي إسرائيل ان تكون مكبلة كون الشرع يعد كالامل لنظام جديد ومستقر في سوريا في نظر ترامب الذي استقبله بشرف عظيم في البيت الأبيض وكذا في العالم العربي والغربي – وهذه على ما يبدو لن تسمح لإسرائيل العمل ضد دمشق بحرية. مؤشر أول على ذلك جاء عندما هاجمت إسرائيل في تموز الماضي منشآت للنظام في دمشق كرد على اعمال ضد الدروز في جنوب الدولة، ما اثار نقدا دوليا بما في ذلك من جانب واشنطن وتسبب بوقف تلك الهجمات.
الى جانب الاحتكاكات تجرى في الأشهر الأخيرة – برعاية واشنطن – محادثات سياسية بين إسرائيل وسوريا في محاولة لبلورة تسوية أمنية تشكل نوعا من التحديث او رفع المستوىا لاتفاق “القوات” بين الدولتين في العام 1974 (بعد حرب يوم الغفران). في الخلفية يوضح الشرع بان السلام والانضمام الى اتفاقات إبراهيم لن تبحث طالما تسيطر إسرائيل في هضبة الجولان. وهكذا، بينما يُعرف وزراء في الحكومة الشرع “داعش في بدلة” بل ويطالبون بتصفيته، آخرون يبحثون مع وزير الخارجية السوري في اتفاق سياسي.
بعد نحو سنة هادئة نسبيا تقف إسرائيل امام معضلة تستوجب الصياغة بشكل واع ما هي المصالح تجاه الساحة السورية، وفحص إمكانية فعل نشط قبل ان تفرض خطوات خارجية مثلما كان في القطاع. من جهة أخرى، واضح ان سوريا بعد الأسد مليئة بالتهديدات: الحكم غير عاطف وغير مستقر وتحته تعمل جملة متنوعة من الجهات المحلية المعادية التي تخطط للعمليات المضادة بما في ذلك في مجال الحدود؛ تركيا – التي تمنح الرعاية للشرع – تثبت اقدامها في سوريا؛ وايران تحاول ترميم قوتها في الدولة. كل هذه الأمور تبرر تواجدا في القاطع الأمني الجديد، فما بالك حرية العمل لاجل قطع دابر كل تهديد ينشـأ في الساحة السورية.
من جهة أخرى من شأن حادثة بيت جن كما اسلفنا أن تبشر بتطور تحديات في الزمن القريب القادم يتوجب الاعتراف بها والاستعداد لها: تهديدات حرب عصابات بل واحتكاكات مع السكان المحليين في المنطقة المحتلة، إمكانية ان يشجع نظام الشرع انتفاضة شعبية بل ويحتمل ضغط دولي متزايد على إسرائيل للانسحاب منها والتقدم بسرعة تحو التسوية.
مثلما في ساحات وحالات أخرى منذ 7 أكتوبر، ستقف إسرائيل في سوريا أيضا امام بضعة بدائل سيئة وسيتعين عليها أن تختار الأقل سوء. اتفاق – حتى لو ترافق وانسحاب إسرائيلي من الأرض المحتلة – كفيل بان يكون أهون الشرور. هذا شريطة ان يترافق وعدة شروط استراتيجية ضرورية: حفظ حرية عمل كاملة ضد تهديدات امنية (إقامة بنى تحتية للارهابـ تهريبات وسائل قتالية – بما في ذلك من ايران وحزب الله – وبالطبع التخطيط لعمليات مضادة)، مثلما يجري في لبنان؛ وعد الا تحوز سوريا قدرات عسكرية مهددة وتجريد جنوب الدولة من السلاح؛ تقييد التواجد الأمني التركي؛ وتعميق التواجد الأمريكي.
في ضوء الاحتمال العالي لتطور معركة واسعة قريبا ضد حزب الله والحاجة لجولة جديدة مع ايران بهدف ضمان الضربة العميقة لبرنامجها النووي، من الحيوي الا تنجر إسرائيل الى ساحة مواجهة جديدة تقتطع من قدرتها على التركيز على التحديات الاستراتيجية الأهم. بين هذا وذاك من الحيوي أن ينفض الإسرائيليون عنهم المفهوم الذي تثبت بعد 7 أكتوبر ويقضي بان استخدام القوة والسيطرة على الأرض توفر أمنا، وكذا الخيالات حول اختفاء اعداد وتحقيق انتصارات مطلقة.
——————————————-
يديعوت احرونوت 30/11/2025
خطة “غزة الجديدة” لحسم حماس، والحياة الجديدة لمليوني فلسطيني
بقلم: رون بن يشاي
يفصل ممر موراج منطقة خان يونس شمالًا ومنطقة رفح جنوبًا. طريق ترابي مُغبر يبدأ من الحدود بين قطاع غزة والجنوب المحيط به، ويؤدي إلى منطقة المواصي، الخاضعة لسيطرة حماس، حيث يتركز جزء كبير من سكان غزة. اليوم، لا يؤدي هذا الطريق غربًا إلا إلى الخط الأصفر الفاصل بين حماس الجيش الاسرائيل. أثناء قيادتنا، أثارت عربات الهامر الغبار، وحجبت السدود الترابية – المصممة لحماية الركاب من نيران القناصة والصواريخ المضادة للدبابات – أمواج الركام على جانبي الطريق.
لكن ما أدهشني أكثر أثناء قيادتنا هو أكوام الأكياس البيضاء وصناديق الكرتون المتناثرة على طول الطريق. شرح لي ضابط كبير في القطاع، رآني أنظر وأتساءل، أن هذه أكياس دقيق وصناديق طعام “سقطت” من الشاحنات التي حملتها عند معبر كرم أبو سالم للبضائع، لتُنقل كمساعدات إنسانية للمدنيين في قطاع غزة.
كلما توغلنا أكثر ودخلنا قطاع غزة، ازدادت كميات الطعام المتناثرة على جانبي الطريق. أقدر أن هناك عشرات، وربما مئات، الأطنان من أكياس الدقيق وصناديق الكرتون، التي كانت تحتوي في الغالب على علب. جميعها سليمة وجاهزة للأكل. لكن الحدث الأبرز كان عندما مررنا بشاحنة مقطورة متروكة بحمولتها في منتصف الطريق. واضطرت الجرافات لقلب الطريق رأسًا على عقب للسماح بمرور السيارات. عند رؤية الكميات الهائلة من الطعام المرمي، تذكرتُ شكاوى الجوع في غزة التي أصبحت شعارًا شائعًا بين منظمات الإغاثة الدولية، وخاصة الأمم المتحدة. أثناء التقاطي الصور والتوثيق، حاولتُ ان اعرف من المقاتلين الذين كنتُ معهم كيف انتهى المطاف بهذه الكميات على جانب هذا الطريق. لم يكن لدى أحد تفسير واضح، بل نظريتان فقط.
إحداهما أن السائقين، الذين استلموا أجورهم قبل الانطلاق، لم يحزموا الحمولة جيدًا، فسقطت من منصات التحميل في الشاحنة أثناء سيرها على الطريق الترابي الوعر. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل لم تتحقق منظمات الإغاثة التي استلمت الشحنة داخل القطاع لتوزيعها على السكان من استلامها الكمية الكاملة المرسلة إليها من معبر كرم أبو سالم؟ هذه مواد غذائية تساوي مئات الآلاف، وربما الملايين، دفع ثمنها أحد ما – ربما دول الخليج الغنية، أو صندوق الإغاثة التابع للأمم المتحدة، أو منظمات الإغاثة الدولية.
النظرية الثانية هي أن لصوصًا، من عناصر حماس أو عصابات إجرامية من عشائر غزّة، صعدوا إلى الشاحنات بموافقة السائقين وأفرغوا حمولتها أثناء القيادة، ليتمكن أصدقاؤهم من استلامها وبيعها في السوق الحرة في غزة، حيث ارتفعت الأسعار بشكل جنوني. لكن لم يستلم أحد هذا الطعام، ربما لأن الجيش الإسرائيلي كان يعمل في المنطقة ويطرد اللصوص، وخاصةً عناصر حماس. بل من المحتمل أن يكون بعض هذا الطعام قد أُحضر إلى هناك من قِبل منظمة تعمل تحت رعاية الجيش الإسرائيلي، وهي صندوق غزة للمساعدات الإنسانية، والتي كانت موجودة أيضًا في المنطقة، ووفرت الحكومة الإسرائيلية معظم تمويل عملياتها. على أي حال، من الحكمة أن يحقق أي شخص موّل ونظّم المساعدات الإنسانية لجنوب قطاع غزة فيما حدث هنا. من المحتمل تمامًا أن تُدحض النتائج الادعاء حول المجاعة المزعومة في غزة. صورة الطعام المُلقى على جانب الطريق لا تتطابق مع صور الهياكل العظمية المتحركة التي أغرقت بها حماس مواقع التواصل الاجتماعي.
المرحلة الأولى: أحياء مؤقتة
ثم تسلقنا ساترًا ترابيًا يحيط بنقطة عسكرية إسرائيلية، تُطل على مدينة رفح ومخيمات اللاجئين المحيطة بها. تقع النقطة العسكرية على تلة رملية عالية، تُمكنك من الرؤية بوضوح وبعيد. من هنا، يسهل عليك تحديد موقعك في المنطقة وفهم خطة العمل التي وضعها المركز الأمريكي في كريات جات (مركز التنسيق المدني العسكري)، لتنفيذ خطة ترامب المكونة من عشرين نقطة.
تُسمى هذه الخطة الأمريكية “غزة الجديدة” الطموحة. يُطلق عليها أفراد الجيش الإسرائيلي، الذين يسعون جاهدين لمساعدة الأمريكيين على تطبيق هذه الخطة، اسم “غزة الخضراء”. من المفترض أن تُعيد توطين ملايين المدنيين الغزيين الذين أُجليوا من منازلهم مؤقتًا، وأن تُعيد بناء القطاع من أنقاضه، وبالتالي تُنهي عملية عزل حماس الطويلة، بطريقة تُجبر الحركة على نزع سلاحها والتوقف عن كونها قوة عسكرية وسياسية مُهيمنة في القطاع.
من المقرر تنفيذ الخطة في مرحلتها الأولى في منطقة رفح شرق الخط الأصفر، أي في الأراضي التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي. لن يحدث شيء في الأراضي التي تسيطر عليها حماس، ولن تدخل إليها حتى المساعدات الإنسانية إذا ما دخلت الخطة الأمريكية مرحلة التنفيذ الميداني.
في المرحلة الأولى، ستدخل قوة الاستقرار الدولية (ISF) الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية شرق الخط الأصفر في منطقة رفح، للإشراف على إنشاء “الأحياء المؤقتة الجديدة” التي سيعيش فيها مدنيون من غزة غير تابعين لحماس، وتأمينها، نيابةً عن “مجلس السلام” المدني، ريثما تكتمل أعمال إزالة الأنقاض وبناء المدينة الجديدة المزمع بناؤها في رفح.
ستُقام “الأحياء المؤقتة” في المناطق المفتوحة على الأطراف الشرقية لرفح أو في مناطق الكثبان الرملية التي كانت خالية حتى قبل الحرب، والتي لا تحتوي الآن على أنقاض أو ذخائر غير منفجرة أو ألغام من شأنها أن تُهدد سكان “الأحياء المؤقتة”. ويقدر الأميركيون أن السكان الذين يعيشون حالياً في منطقة سيطرة حماس في غرب قطاع غزة والمنطقة الساحلية في ظروف غير إنسانية تقريباً سيكونون سعداء بالانتقال إلى الأحياء المؤقتة حيث سيحصلون على السكن وظروف معيشية معقولة، بما في ذلك العمل المربح في مشاريع إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار التي ستبدأ في نفس الوقت.
ولمنع تسلل عناصر حماس إلى الأحياء المؤقتة، سيُنشئ الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) معابر على الخط الأصفر مزودة بنقاط تفتيش وحواجز أمنية، لضمان عدم تسلل عناصر حماس أو استقرارهم في الأحياء المؤقتة أو تهريبهم للأسلحة إليها، من خلال وسائل تكنولوجية حديثة (مثل تقنيات التعرف على الوجوه وأجهزة قياس المغناطيسية القائمة على الذكاء الاصطناعي).
وقد بدأ الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) العمل على تخطيط هذه النقاط التفتيشية الأمنية، مما سيسمح لسكان “غزة الجديدة” بالتحرر من تهديد حماس وتلقي مساعدات إنسانية مجانية مباشرة من منظمات الإغاثة الدولية (كما أوقفت منظمة GHF، التي كانت تعمل برعاية وتمويل إسرائيلي، عملياتها بناءً على طلب الوسطاء).
العبرة: وجود العديد من مراكز توزيع المساعدات الصغيرة
تُخصص الخطة والجهود التخطيطية الأمريكية مساحة كبيرة لقضية المساعدات الإنسانية. الهدف هو وصول المساعدات مباشرةً إلى المحتاجين، وألا تستولي عليها حماس لصالح شعبها وتبيع الفائض لتمويل أنشطتها. لذلك، سيتم قريبًا إنشاء مراكز توزيع في الأراضي الخاضعة لسيطرتنا، على مقربة شديدة من الخط الأصفر، تديرها وتشرف عليها منظمات الإغاثة الدولية والقوة متعددة الجنسيات لتثبيت الاستقرار.
لقد تعلم الجيش الإسرائيلي من تجاربه السابقة، وخاصةً من إخفاقات صندوق الإغاثة الإنسانية، ضرورة تجنب تدفق عشرات الآلاف من سكان غزة المحتاجين إلى عدد محدود من مراكز التوزيع التي يحميها الجيش الإسرائيلي. إن التدفق الخارج عن السيطرة يُعرّض للخطر سكان غزة الذين تُضايقهم حماس، وكذلك جنود الجيش الإسرائيلي الذين تقتحمهم الحشود. لذلك، تقرر الآن إنشاء العديد من مراكز التوزيع المحلية الصغيرة التي يسهل الوصول إليها حسب الحي، والتي ستحميها قوات الأمن الإسرائيلية. ستتمكن حماس بالفعل من نهب المدنيين، لكنها لن تتمكن من الوصول المباشر إلى الحاويات الكبيرة، وستضطر إلى بذل جهود كبيرة. بالتوازي مع إنشاء مراكز توزيع المساعدات وبناء الأحياء المؤقتة، سيبدأ المقاولون (على الأرجح مصريون) بإزالة الأنقاض (ليس من الواضح أين سيذهبون) ثم بناء “غزة الجديدة”. وقد بدأ الجيش الإسرائيلي بالفعل بمساعدة المخططين الأمريكيين في إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة في المناطق التي يعمل فيها بالفعل.
في حال نجاح مشروع الأحياء المؤقتة في منطقة رفح، يعتزم الأمريكيون مواصلة تنفيذ مشاريع مماثلة. أولًا في منطقة خان يونس، ثم في مخيمات وسط قطاع غزة، وأخيرًا في الشمال، مقابل مدينة غزة والمستوطنات الواقعة شمالها. الهدف النهائي هو انتقال حوالي مليوني فلسطيني – معظم سكان قطاع غزة، المقيمين حاليًا في المناطق الخاضعة لسيطرة حماس – إلى الأحياء المؤقتة أولًا، ثم إلى المجمعات الدائمة التي سينشئها الأمريكيون لهم بمساعدة وتمويل من دول الخليج. وليس من المستبعد أن يتمكن مواطنو غزة الراغبون في السفر إلى الخارج من القيام بذلك إذا كانت هناك دول مستعدة لاستيعابهم. الهدف هو أنه في نهاية هذه العملية، التي ستستمر شهورًا وربما سنوات، سيتم إخلاء المناطق التي تسيطر عليها حماس – منطقة المواصي، ومنطقة المخيمات الوسطى، ومنطقة مدينة غزة – من معظم المواطنين الفلسطينيين غير المتواجدين فيها حاليًا. في هذه الحالة، ستبقى فلول حكومة حماس وقوتها العسكرية، بمن فيهم الفلسطينيون المسلحون، في “الجيب الأحمر”، محاطة بقوات الجيش الإسرائيلي الكبيرة وظهورهم إلى البحر، دون أي مساعدات إنسانية. عندها، يُقدر ضباط القيادة المركزية الأمريكية أن قادة حماس وإرهابييها سيُجبرون على الاختيار بين الاستسلام ونزع السلاح والهجرة، أو الموت البطيء أو القتال حتى الموت ضد قوات الجيش الإسرائيلي التي ستسحقهم من بعيد.
لدى الجيش الإسرائيلي أيضًا خططٌ لاحتلال غرب قطاع غزة لتحقيق نفس النتيجة، وهي تعتمد على اتفاقيات بين القيادة السياسية الإسرائيلية وإدارة ترامب. يعتقد الضباط الأمريكيون في قيادة كريات غات أنه لن يكون من الضروري أن يحتل الجيش الإسرائيلي أيضًا المنطقة الخاضعة حاليًا لسيطرة حماس، بل إن حماس – بالاتفاق مع الوسطاء قطر وتركيا ومصر – ستوافق على إلقاء سلاحها وإخلاء قطاع غزة، عندما تدرك أنها معزولة ولا تستطيع حتى القتال بكفاءة.
الطريق إلى التغلب على المتحصنين في رفح
لكن داخل الأراضي التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، لا تزال هناك جيوب مقاومة. وهما جيبان تحت الأرض، أحدهما في منطقة خان يونس والآخر في رفح، حيث يشن الجيش الإسرائيلي حربًا من نوع خاص فوق وتحت الأرض، بهدف إجبار الإرهابيين المتحصنين في الأنفاق على الصعود إلى السطح. وقد أوصى الجيش الإسرائيلي المستوى السياسي بعدم قبول مقترحات الوساطة والأمريكيين، والتي تقضي بأن يصعد الإرهابيون فوق الأرض وينتقلوا إلى الجزء الذي تسيطر عليه حماس. لذلك، إما أن يُقتل الإرهابيون أو يستسلموا.
إن الحاجة إلى تدمير جيوب المقاومة تحت الأرض هذه لا تنبع فقط من اعتبارات عسكرية، بل أيضًا من قرار واعٍ من حماس وأنصارها الكثر من الشعب الفلسطيني. حاولت المنظمة بناء أسطورة على مواقع التواصل الاجتماعي حول “المقاتلين الأبطال تحت الأرض الذين لا يستسلمون للجيش الإسرائيلي”، وتزعم حماس أنهم من سيجلبون النصر للمقاومة. لذلك، فإن الجيش الإسرائيلي عازم على القضاء ليس فقط على جيوب المقاومة، بل على الأسطورة أيضًا.
يدور القتال الرئيسي الآن حول مجمع الأنفاق المعقد أسفل رفح. اكتُشف هذا المجمع بالصدفة قبل بضعة أسابيع، عندما خرج منه إرهابيون مختبئون ونصبوا كمينًا قُتل فيه أربعة من مقاتلي الجيش الإسرائيلي. قبل اكتشاف هذا المجمع تحت الأرض، كان هناك حوالي مئة إرهابي، ظلوا محاصرين بعد سيطرة الجيش الإسرائيلي على المنطقة فوق الأرض. الآن، لم يبقَ على قيد الحياة سوى أقل من عشرين إرهابيًا. يُشدد الجيش الإسرائيلي الخناق فوق وتحت الأرض، لمنعهم من الفرار، تاركًا لهم خيارًا واحدًا فقط: الاستسلام أو الموت. من بين المئة إرهابي الذين كانوا في المجمع، قُتل حوالي ثلثهم نتيجة قصف دقيق بذخائر خارقة من قبل سلاح الجو، ونتيجة انفجارات نفذها عناصر وحدة الماس التابعة لسلاح الهندسة داخل الأنفاق. خرج ثلث الإرهابيين إلى السطح، بهدف الفرار أو القتال حتى آخر رمق. قُتل معظمهم، واستسلم ثلثهم. ما أزعج حماس وأحرج قادتها بشكل خاص هو أن نسبة كبيرة ممن استسلموا سلموا أنفسهم طواعيةً لعناصر ميليشيا أبو شباب العاملة في منطقة رفح.
هناك حوالي خمس ميليشيات “عائلية” من هذا النوع تعمل في قطاع غزة. إنها غير قادرة على هزيمة حماس، لكن رجالها وقادتها يتمردون علنًا، مما يُقوّض حكم المنظمة ويُعرّض دعمها بين السكان للخطر. في أحاديثنا مع أشخاص على الأرض، ومع قادة الجيش الإسرائيلي وأفراد من قوات أمنية أخرى، نسمع كثيرًا هذه الأيام ادعاءً بأن حماس قد هُزمت عسكريًا، وأن خطة ترامب المكونة من عشرين نقطة تُمثل في الواقع خلاصًا لها لأنها تُتيح لشعبه مغادرة القطاع أحياءً وعزلًا. السؤال هو: كم من الوقت سيستغرق هذا، وهل ستتحلى دولة إسرائيل والشعب الإسرائيلي بالصبر لتحمل العبء ريثما تبدأ الآلة الأمريكية الثقيلة بالعمل على الأرض؟ من جولة في القطاع في الأيام الأخيرة، يتبين أن هذا لن يحدث في أي وقت قريب.
——————————————-
هآرتس 30/11/2025
الفيديو الذي وثق عملية القتل في جنين لم يثر أي صدمة في الشارع الإسرائيلي
بقلم: ايريس ليعال
على الرغم من التردد الذي اثاره في نفسي، أنا شاهدت مرة تلو الأخرى لقطات لجنود حرس الحدود وهم يطلقون النار على فلسطينيين في جنين بعد استسلامهما: كفة معدة هندسية تفتح باب على مصراعيه وشخصان وصفهما المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي بعد ذلك بأنهما “مطلوبين إرهابيين”، انحنيا من الفتحة كاشفين عن الجزء العلوي في جسمهما لاظهار بأنهما غير مسلحين، ورافعين ايديهما وسامحين لجنود حرس الحدود بالسيطرة عليهما بدون مقاومة. أمرهما الجنود بالاستلقاء على البطن عن مدخل المبنى وقاموا باطلاق النار عليهما من مسافة قريبة جدا.
حدث مرعب – الذي كان في يوم من الأيام يستهل نشرات الاخبار، ويهز الجيش والمنظومة السياسية، وحيوات مهنية كانت تتوقف في اعقابه – تحول اليوم الى شيء سينساه الجميع بعد يومين. الجيش سيفتح تحقيق، وربما سيتم التشديد على الإجراءات، من يعرف. ولكن نظرا لانه في السنتين أو الثلاث سنوات الأخيرة تحولت إسرائيل الى مكان غير مثالي قاتل، الذي فيه قتل غير المسلحين كما يبدو حدث عشرات المرات، فان هذا الامر سيتم احتواءه في المناخ العام بدون ان يترك اثرا.
هكذا بالضبط يبدو الإعدام. وبناء على ذلك اعلن الوزير المسؤول، ايتمار بن غفير، بأنه “يمنح دعمه الكامل لجنود حرس الحدود وجنود الجيش الإسرائيلي الذين اطلقوا النار على مخربين مطلوبين والذين خرجوا من مبنى في جنين. الجنود عملوا بالضبط مثلما يتوقع منهم ان يعملوا – المخربون يجب ان يموتوا”.
ماذا ستقول عائلة الون شمريز وعائلة سامر الطلالقة وعائلة يوتم حاييم، المخطوفون الثلاثة الذين نجحوا في الهرب واطلقت عليهم النار على يد قواتنا بعد ان خرجوا من المبنى الذي اختبأوا فيه ولوحوا براية بيضاء، والجزء الأعلى من أجسادهم كان عار، في الوقت الذي كانوا يصرخون فيه “انقذونا”؟.
هذا لم يحدث في فراغ. فقد صرح قادة وجنود مؤخرا بان القيادة المركزية قررت نقل الأساليب التي استخدمتها في قطاع غزة الى الضفة الغربية، وان الجنرال آفي بلوط امر باطلاق النار على أي شيء يبدو مشبوه. من هنا يتضح ان الاصبع كانت خفيفة جدا على الزناد، أو كما يسمى توسيع أوامر فتح النار وجعلها فضفاضة” وهو امر ساد في غزة وأودى بحياة الرهائن أيضا. وامتثالا لهذه الإجراءات اطلق الجنود النار على امرأة حامل في الشهر الثامن وقتلوها، واصابوا زوجها، عندما وصلا في سيارتهما الى نقطة تفتيش تابعة للجيش الإسرائيلي في منطقة طولكرم. ووفقا لتحقيق الجيش فقد حدث ذلك لان المرأة “نظرت بصورة تثير الشبهة نحو الأرض”، والجنين لم ينجُ.
وماذا سيقول أبناء عائلة يوفال كستلمان، الذي وصل الى موقع الهجوم الإرهابي عند مدخل القدس وتمكن من قتل الإرهابيين بسلاحه الشخصي ثم اطلقت عليه النار؟ لقد قال من اطلق النار، افيعادر فريجه، وهو جندي احتياط، بانه اطلق النار لاعتقاده بأنه احد الإرهابيين. لكن لائحة الاتهام الموجهة اليه تنص على ان فريجه واصل اطلاق النار عليه “حتى عندما لم يعد هذا الشخص مسلح، وبعد ان توقف كاستلمان وجلس على ركبتيه على الشارع وخلع معطفه ورفع يديه ولوح بهما. بعد ذلك انحنى المرحوم على الطريق ووضع احدى يديه على الأرض وبعد ذلك رفع يديه مرة أخرى ولوح بهما”.
فكروا بجنود القوة 100، وبفيديو التنكيل الذي سربته المدعية العسكرية السابقة وما اعقبه من جنون. ان سلطات انفاذ القانون عاجزة في افضل الحالات. الخطوة الحذرة التي تجرأت تومر يروشالمي الرائعة على اتخاذها، بعد عشرات القضايا التي لم تحقق فيها، كلفتها محاولتي انتحار، ومن المرجح أن ينتهي بها المطاف في السجن. الان لا احد يسارع الى توجيه اتهامات ضد الجنود. من يريد ان ينتهي به المطاف مثلها.
ما يميز الحدث في جنين عن غيره من التجاوزات هو الكاميرا. ونظرا لانه اثناء كتابة هذه السطور رؤساء المعارضة لم يردوا على هذا الحدث، وأيضا في وسائل الاعلام وفي الشبكات الاجتماعية لم تسجل أي صدمة خاصة، فانه يمكن الافتراض بحذر اننا مجتمع مريض ومتعب جدا، الى درجة ان التحقيق سيوجه في نهاية المطاف الى الجريمة الوحيدة المعروفة هنا وهي نشر الفيديو والبحث عن خونة.
——————————————
إسرائيل اليوم 30/11/2025
هكذا ستذهب هباء كل إنجازات الجيش في الحرب
بقلم: ايال زيسر
في الأسبوع الماضي مرت سنة على اتفاق وقف النار مع حزب الله الذي أدى الى انهاء المعركة على الحدود الشمالية التي بدأتها ضدنا منظمة الإرهاب اللبنانية – الشيعية في 8 أكتوبر 2023 بعد يوم من بدء هجمة الإرهاب الاجرامية لحماس.
في اثناء الحرب في الشمال وبخاصة قبيل نهايتها بعد أن انتعشت إسرائيل وعادت الى يقظتها شدد الجيش الإسرائيلي ضرباته على تنظيم حزب الله، صفى زعماءه وقادته الكبار وحيد أيضا قسما كبيرا من قدراته العسكرية. وهكذا تبدد وكأنه لم يكن الخوف من تلك الـ 180 الف صاروخ التي كانت تحت تصرف التنظيم وكان من شأنها، كما تخوفت إسرائيل – ان تشل الحياة في الدولة وتتسبب بالاف القتلى.
غير أنه بعد سنة من تحقيق الاتفاق وانتهاء الحرب يتبين أن في لبنان مثلما في لبنان لم يحصل شيء. تنظيم حزب الله لا يزال يقف على قدميه، ورغم الضربات التي تعرض لها يحافظ على مكانته في أوساط أبناء الطائفة الشيعية في الدولة بل ويعمل بتصميم على إعادة تأهيل قوته ويرفض نزع سلاحه.
الخطيئة الأولى هي بالطبع في موافقتنا على التوقيع على اتفاق مهزوز كان واضحا لكل من لديه عينان في رأسه – ومثل هؤلاء لا يوجدون لشدة الأسفل لا في القيادة السياسية ولا في القيادة العسكرية في إسرائيل – بان ليس لحزب الله أي نية لتنفيذه، وان ليس لحكومة لبنان أي قدرة او رغبة في أن تفرضه على التنظيم الإرهابي الشيعي.
لكن منذئذ مرت سنة، ورغم ان الجيش الإسرائيلي ينفذ عمليات مبهرة ما بين الحروب ضد نشطاء ميدانيين من التنظيم، يتبين ان ليس فيها ما يكفي لاجل منع إعادة تأهيل التنظيم او لتصفية ما تبقى من قدراته العسكرية. من هذه الناحية فان تصفية رئيس اركان حزب الله طبطبائي الأسبوع الماضي في قلب بيروت هو امر شاذ واستثنائي لا يدل على القاعدة، لا تعني ان في إسرائيل قرروا حقا نزع القفازات ورفع درجة الفعل في الصراع ضد حزب الله.
في غزة أيضا في ختام سنتين من حرب ضروس وغير قليل من الإنجازات العملياتية، فرض علينا وقف نار يسمح لحماس بإعادة بناء قوتها ومكانتها برعاية أمريكية. ومن يؤمن بانه ستوجد قوة عربية أو إسلامية تكون مستعدة لان تتصدى للمنظمة وتنزع سلاحها يعيش في الأوهام وكذا أيضا من يؤمن بان الولايات المتحدة ستسمح لنا باستئناف النار في غزة وبذلك انهيار الإنجاز الوحيد في مجال السياسة الخارجية الذي يمكن لادارة ترامب ان تتباهى به. وأخيرا يجدر بنا أن نذكر ايران، التي هي الأخرى ضربناها بشدة، لكن بالكاد مرت 100 يوم وها هم يتحدثون عن جولة أخرى، عن تهديدات إيرانية بالثأر وعن تصميم طهران على استئناف مسيرها نحو النووي.
كما درجوا عندنا على أن يتباهو باسقاط نظام بشار الأسد، لكن هنا أيضا السنة التي انقضت اغرقتنا في معارك بلا جدوى في الوحل السوري، وهي تنتهي بطريق مسدود في الاتصالات التي بادر اليها السوريون معنا في محاولة للوصول الى تفاهمات تضمن الامن على الحدود. وهنا أيضا الكل ينتظر الاملاء من واشنطن بالكف عن اعمالنا وتواجدنا العسكري في سوريا.
يفهم من كل هذا بانه لا يوجد مثيل لنا في تحقيق إنجازات في المعركة لكن دون انهاء المهمة بل وحتى إضافة هذه الإنجازات في المعركة السياسية التي الحرب. فبعد كل شيء، لا تشكل الحرب ابدا غاية بحد ذاتها وهي دوما معدة لخدمة اهداف سياسية، الامر الذي لم يتعلموه او نسوه عندنا.
ان حقيقة أن إسرائيل فرت كما يفر المرء من النار من بلورة فهم سياسي بالنسبة لمستقبل غزة جلبت علينا اتفاقا قسريا يسمح لحماس بالبقاء على قوتها في القطاع، حقيقة أننا اوقفنا النار في لبنا قبل خمس دقائق من الساعة 12 تسمح لحزب الله بإعادة تأهيل قوته وحقيقة اننا لا ندفع قدما باي مبادرة سياسية الى جانب العمل العسكري أدت الى انهيار الجبهة العربية الإسرائيلية في مواجهة ايران.
لاريئيل شارون الراحل الذي هزم موجات الإرهاب في الانتفاضة الثانية كانت قاعدة – الحديث بهمس وباعتدال، لكن الإمساك في اليد بعصا وعدم التردد في الضرب بها عند الحاجة، مثابة خليط من الحكمة السياسية والقوة العسكرية. خسارة أن بدلا من هذا يوجد من ينشغلون عندما بمسألة من كان المغرد الأخير وكيف نهزم رئيس الأركان وكأن به آخر اعدائنا.
——————————————
هآرتس 30/11/2025
هنا إسرائيل: الشرطة في خدمة بن غفير والمحامون “حثالة”
بقلم: أسرة التحرير
منذ تولي وزير الأمن القومي بن غفير منصبه، أصبحت حرب الشرطة الإسرائيلية على حرية التعبير والاحتجاج ضد الحكومة أمرًا روتينيًا، بدءًا من قمع الاحتجاجات باستخدام وسائل لتفريق المظاهرات، ومرورًا باستجواب قادة الاحتجاجات ومحاولات متكررة لتقييد الحق في الاحتجاج، وانتهاءً بالاعتقالات التعسفية، بما في ذلك التفتيش العاري. هدف الشرطة واضح: ممارسة الإرهاب ضد المتظاهرين. يبين الكشف عن مواد التحقيق الخاصة بقادة مركز شرطة “غليلوت”، الذين قرروا في أيلول 2024 اعتقال ثلاث نساء بعد أن وضعن منشورات في الكنيس حيث كان عضو الكنيست يولي إدلشتاين يدعو لإطلاق سراح المختطفين، عن صورة مقلقة (“هآرتس”، 28/11).
اعتقلت قوات المباحث النساء في منازلهن، وكبلت أيديهن، واقتادتهن إلى مركز الشرطة، واستجوبتهن هناك لساعات طويلة. كشف المنشور عن عقلية كبار مسؤولي مركز شرطة “غليلوت”: استخدام إجراءات استثنائية ضد نساء في الستين من العمر، وجميعهن كن يمارسن حقهن الديمقراطي في الاحتجاج ضد ممثل حكومي. من وجهة نظر قادة المركز، كان اعتقالهن أولوية قصوى، متجاهلين بشكل صارخ الوضع الإجرامي الكارثي في البلاد. يُعرّف المتقاعدون الذين وضعوا المنشورات بأنهم “مجرمون” و”نشطاء احتجاجيون متطرفون” كما لو كانوا زعماء منظمة إجرامية. قراءة شهادة ضابط مخابرات المركز توضح مدى تعدد إجراءات المراقبة التي تتبعها الشرطة. لاحقت الشرطة المتظاهرين. بل إن قائد المركز، المقدم يانيف لبوفيتش، بالغ في تصرفاته، إذ أمر ضابط المخابرات بمراقبة محامي المعتقلين عبر الإنترنت، واصفًا إياهم بـ”الحثالة”، ومُعلنًا: “سيأتي يومك، أيها المخنث”.
لم تُنصف هذه القضايا. ورغم إغلاق ملفات النساء لعدم ثبوت التهمة، أغلقت إدارة الشرطة أيضاً ملفات التحقيق ضد ضباط الشرطة، واكتفوا بإجراء تأديبي لا معنى له ضدهم. من الواضح أنه لن يطول انتظارهم قبل أن يحصلوا على ترقية من بن غفير.
عندما يُرسل ضباط الشرطة إلى مؤتمر سياسي في حيفا لضمان عدم ترديد أي شعارات مناهضة للحكومة أو للحرب، فلا عجب أن تتراجع ثقة الجمهور بالشرطة الإسرائيلية. إنها قوة شرطة تُعدّ ذراعًا ممتدة لحزب “عظمة يهودية”، ويتصرف ضباطها بقصد إرضاء بن غفير. ويمكن إيجاد دليل آخر على فقدان القيم في المنظمة في قرار المفتش العام بإعادة قائد وحدة لاهف 433 إلى الخدمة، على الرغم من أنه لا يزال قيد التحقيق الجنائي.
عندما يتصرف المفتش العام وقادة المناطق بهذه الطريقة، لا أحد يتوقع تصرفاً مختلفاً من قادة المراكز وضباط الشرطة في الميدان. تسعى قيادة الشرطة بكل الطرق لإرضاء الحكومة، وقد نسيت منذ زمن طويل أن وظيفتها خدمة الجمهور وحماية الديمقراطية.
—————–انتهت النشرة—————–

