المسار : أنتج إسقاط نظام بشار الأسد تغييراً هائلاً في كل تفاصيل الحياة في سورية، خاصة في مدن الساحل والعاصمة دمشق، وأعاد الحياة إلى مدارس كانت شبه فارغة، وإلى أحياء هجرها الشباب خشية الاعتقال.
بعد عام على سقوط نظام بشار الأسد، لا يزال سكان المناطق السورية التي كانت خاضعةً لسيطرته يعيشون مرحلة انتقالية، فبعد أكثر من خمسين عاماً من قبضة أمنية خانقة وفساد ممنهج وتدهور خدمي، وجد الأهالي أنفسهم أمام واقع جديد، حيث لا حواجز، ولا أجهزة أمنية تتحكم في تفاصيل حياتهم، ولا “بطاقة ذكية” تحكم حصولهم على الخبز والغاز والمحروقات.
ورغم أن سنة واحدة لا يمكنها أن تمحو خمسة عقود من القمع والفساد، لكنها بالنسبة لملايين السوريين بداية لاستعادة الكرامة، واختفاء الحواجز، وانتهاء الإتاوات والرشوة، وعودة النازحين، وكذلك سقوط جدار الخوف. ويؤكد كثيرون تبدل معظم تفاصيل الحياة اليومية، وأن المزاج العام تغيّر أيضاً، كذلك نظرة الناس إلى المستقبل.
ويُعدّ التحسن الأمني أحد أبرز التحولات التي يتحدث عنها السكان، فاختفاء الحواجز العسكرية والمربعات الأمنية بدّل شكل المدن، خاصة تلك الكبرى، مثل دمشق واللاذقية وطرطوس وحمص، فلسنوات طويلة قبل إسقاط نظام الأسد، لم يكن التحرك بين مدينة وأخرى مجرد رحلة داخلية عادية، بل سلسلة طويلة من نقاط التفتيش التي تحوّلت إلى مصدر دخل للضباط والمسؤولين السابقين.
يعمل السوري محمد الزينب سائق شاحنة بين مدينة جبلة جنوبي اللاذقية والعاصمة دمشق، ويقول لـ”العربي الجديد: “في السابق، كنت أجهّز قبل سفري رزمةً من المال، فكل حاجز له تسعيرة، حاجز يأخذ 100 ألف، وآخر 50 ألفاً، وهكذا. كانت الرحلة التي تحتاج إلى أربع ساعات تستغرق نحو ثماني ساعات، نتيجة فترات الوقوف وتكرار الابتزاز. الطرق اليوم مفتوحة، ولا ندفع قرشاً واحداً. كأننا أصبحنا نعيش في بلد آخر. لم يكن الأمر مجرد تحصيل أموال، بل زمناً مهدوراً، وإهانات يومية، وشعوراً دائماً بالذل”.
يُعدّ التحسّن الأمني أحد أبرز التحوّلات التي يتحدث عنها السوريون، ومن نتائجه عودة مئات آلاف النازحين واللاجئين إلى مدنهم وقراهم
في مدينة جبلة أيضاً، يمتلك السوري محمد مرون متجراً لبيع الكنافة. ويروي لـ”العربي الجديد” كيف تعرض للابتزاز على مدار سنوات من قبل متنفذين في النظام السابق. يقول: “كانوا يأتون إلى المحل بصفة متكررة، يأكلون ويأخذون معهم، ولا يدفعون، وكلمة واحدة ضدهم كانت كفيلة بأن تجعلني إرهابياً. كان نصف دخلي يضيع نتيجة هذه الابتزازات، بينما أعمل اليوم بحرية، ولا أحد يقاسمني في رزقي”.
ولسنوات، كانت الإتاوات تُفرض من أتباع النظام السابق على تجار اللاذقية وطرطوس ودمشق وحلب، وبعضها كان يومياً. من مدينة حمص، يقول عبد الرحمن القصير لـ”العربي الجديد”: “كان أفراد من مليشيات النظام وأجهزته الأمنية يستغلون مناصبهم لابتزازي. أمتلك مكتباً للحوالات المالية، وكان عناصر الأمن يأتون لتحصيل إتاوات بزعم مخالفتي القوانين، أو تسليم مبالغ مالية لمطلوبين، رغم عدم تحديد أسماء هؤلاء المطلوبين. كانت حجة لسرقتي، وقد أخذوا مني ملايين الليرات، حتى أفلست، واضطررت إلى إغلاق مكتبي، والذي عدت إلى فتحه عقب إسقاط النظام”.
وخلال السنوات الأخيرة، عاش ملايين السوريين تحت رحمة “البطاقة الذكية”، والتي حوّلت الخبز والغاز والمازوت إلى مواد “مقنّنة”. من بانياس بريف طرطوس، يقول محمد بدور لـ”العربي الجديد”: “كنا ننتقل من طابور الخبز إلى طابور الغاز. حتى البصل كان متاحاً بكميات محددة. بعد إلغاء البطاقة الذكية، شعرنا بأننا عدنا إلى الحياة الطبيعية. رغم أن الأسعار لم تنخفض كثيراً، لكن توفر المواد والمستلزمات في الأسواق منح الناس شعوراً باستعادة التحكم بتفاصيل حياتهم”.
بدورها، تعيش بسمة كرياني في اللاذقية، وهي أم لطفلين، وتوفي زوجها في معتقلات نظام الأسد، وتحكي كيف تغيرت حياتها خلال الأشهر الأخيرة، بداية من انتهاء معاناتها التي استمرت لسنوات في البحث عن زوجها، وما رافق ذلك من ابتزاز تعرضت له من ضباط نظام الأسد لمعرفة مصير زوجها.
وتوضح كرياني: “لم يبق فرع أمني إلا وزرته بحثاً عن زوجي، والجميع كانوا يطلبون الأموال، ثم يرسلونني إلى فرع آخر. بعت منزلي على أمل الحصول على خبر حول مصير زوجي، وأخيراً أخبروني أنه توفي في السجن بسكتة قلبية. إغلاق هذه المعتقلات الوحشية من أهم ما يمكن أن يفرح به السوريون بعد سنوات من القهر والإذلال، ومؤخراً شعرت بفرحة كبيرة بعدما قرأت خبر اعتقال أحد الضباط الذي سلب مني أموالاً ضخمة، فالعدالة وحدها يمكن أن تبرد نار قلبي”.
ومن التغيرات اللافتة بعد سقوط نظام الأسد، التبدّل الواضح في سلوك موظفي الدولة. من دمشق، يروي محمد زينو: “كنت في السابق أحتاج إلى دفع رشوة للحصول على أي ورقة رسمية، وقبل أيام ذهبت إلى دائرة النفوس، وكان الموظفون أنفسهم، لكني أنهيت الخدمة من دون رشوة، وباحترام كامل، وخرجت من الدائرة بشعور أننا استعدنا كرامتنا أخيراً، وترتبط الكثير من التحولات مباشرة بزوال القبضة الأمنية التي كانت تحمي الفساد الإداري”.
في مدينة دوما بريف دمشق، عاشت ريما الآغا طفولتها في ظل سطوة جهاز المخابرات، وتقول: “كنت في الصف الثاني الابتدائي عندما توفي باسل الأسد، وما زلت أذكر كيف حذرني أبي حينها من أن أقول لأي أحد إنه يشاهد الأخبار على قناة لبنانية. اليوم، بات الناس يتكلمون بلا خوف، ولم نعد نرتعب من عنصر الأمن. سقوط جدار الخوف أهم من كل شيء، وكل ما أتمناه ألا يُعاد بناء صنم جديد، ويُجبر السوريون على تقديسه”.
ومع سقوط النظام السابق، عاد مئات آلاف السوريين النازحين واللاجئين إلى مدنهم وقراهم، وأعلنت مفوضية شؤون اللاجئين الأممية عودة نحو مليون لاجئ خلال تسعة أشهر من سقوط النظام، إضافة إلى 1.8 مليون نازح عادوا إلى منازلهم.
من اللاذقية، يقول ماجد إدريس (47 سنة): “كنت أظنّ لسنوات أنني لن أجتمع مع أولادي مجدداً، فأحدهم كان مطلوباً، والآخران هربا من أداء الخدمة العسكرية الإلزامية. بعد سقوط النظام اجتمعت بهم من جديد، ومشهد استقبال العائدين لا يُنسى. التقينا جميعاً، وكان هذا حلماً خشيت طويلاً أن أموت قبل أن يتحقق”.
ورغم أن الخدمات لم تتحسّن جذرياً بعد، لكن مجرد الحد من الفساد والسرقة العلنية التي كانت تمارَس تحت غطاء أمني، أدى إلى نتائج ملموسة، لا سيما في قطاع الكهرباء، فقبل سقوط النظام كانت ساعات التقنين تتجاوز 20 ساعة يومياً في بعض المناطق. واليوم، أصبح توزيع التيار الكهربائي أفضل، وإن لم يصل إلى الوضع المثالي، كما اختفت مشاهد الطوابير الطويلة على محطات الوقود، ولم يعد السوريون بحاجة للوقوف لساعات كي يحصلوا على بعض المازوت لمركباتهم، أو للتدفئة.
وبدأت البلديات، بدعم دولي، إعادة تأهيل الخدمات والشبكات القديمة التي كان النظام السابق يهملها عمداً لابتزاز المجتمعات، وعادت آلاف العائلات إلى المدن والبلدات التي غادروها خوفاً أو قسراً، ما أعاد الحيوية إلى الأسواق، كما عاد آلاف المعلمين الذين كانوا مطاردين أو ممنوعين من العمل، وألغيت الدروس الإلزامية المخصصة لتمجيد عائلة الأسد.

