المسار : في خضم اتهامات المعارضة بانهيار المكانة الدولية لإسرائيل، قدّم نتنياهو رواية معاكسة تؤكد القوة والازدهار الاقتصادي، بينما تمضي حكومته نحو تشريعات شديدة الجدل، أبرزها قانون إعدام الأسرى.
في ظلّ مداولات محتدمة داخل الكنيست بشأن تدهور مكانة إسرائيل الدولية ودفع الائتلاف بمشروعات قوانين مثيرة للجدل، حاول رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، رسم صورة مغايرة، مشددا على أنّ “إسرائيل أقوى من أي وقت مضى” وأنها “تُعد أبرز قوة في الشرق الأوسط وفي بعض المجالات قوة دولية عظمى”، على حدّ تعبيره.
وقال نتنياهو، خلال خطابه في جلسة “40 توقيعًا” المخصّصة لمناقشة ما وصفته المعارضة بـ”انهيار مكانة إسرائيل الدولية”، إنّ قوة الدولة الراهنة تعود إلى “قرارات حكومته وقدرة قوات الأمن”، معتبرًا أن اقتصاد الحرب في إسرائيل “يُدار بشكل مذهل”، مشيرًا إلى “قوة الشيكل أمام الدولار وتدفّق الاستثمارات الأجنبية إلى السوق الإسرائيلية”.
وتطرّق نتنياهو إلى أزمة اللاجئين، معتبرًا أنها “مشكلة دولية تتفاقم بفعل الإسلام الراديكالي الذي يتغلغل في دول الغرب”، على حدّ وصفه، رابطًا بين هذا الادعاء والتحولات في مواقف قوى دولية حيال إسرائيل.
وتتواصل جلسات الكنيست بالتوازي مع خطابات نتنياهو التي يؤكد فيها توسيع وتعزيز العلاقات الإستراتيجية لإسرائيل مع ألمانيا والهند ودول أخرى، متعهّدًا بخطوات تهدف إلى ترميم العلاقات التي شهدت تراجعًا خلال الحرب على غزة.
كما أشاد نتنياهو بعلاقته الشخصية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، معتبرًا أنها تعود بفوائد إستراتيجية وأمنية وسياسية على إسرائيل، مشيرًا إلى شبكة علاقات وصفها بـ”غير المسبوقة” مع القوى العظمى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا والهند وألمانيا.
وصرّح نتنياهو في كلمته بأن إسرائيل “تجري اتصالات مستمرة مع روسيا”، قائلاً: “أنا أتحدث مع الرئيس بوتين بشكل ثابت، وهذه العلاقة الشخصية الممتدة لعشرات السنين تخدم مصالح حيوية لنا”. وبحسب قوله، تتناول الاتصالات مع موسكو كذلك “إحباط محاولات لمنع إسرائيل من الدفاع عن حدودها الشمالية”، مضيفًا: “هذا الأمر لن يحدث”.
وقال نتنياهو إن حكومته تخوض مواجهة مفتوحة مع ما وصفه بـ”الإسلام الراديكالي” على سبع جبهات في آن واحد منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مشيرًا إلى لبنان، غزة، سورية، اليمن، العراق، الضفة الغربية وإيران.
وعدّد ما اعتبره “إنجازات” للحكومة خلال الحرب، لافتًا إلى الضربات التي وجهتها إسرائيل لحركة حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والفصائل المسلحة في العراق، إضافة إلى ما وصفه بـ”إزالة التهديد النووي والصاروخي الإيراني”.
وقال نتنياهو إن حكومته تعمل على دفع لجنة تحقيق “مشابهة لتلك التي شُكّلت في الولايات المتحدة بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001″، والتي “تألفت من ديمقراطيين وجمهوريين” وأن هذا النموذج يصلح لإسرائيل أيضًا.
وأضاف نتنياهو أن ما كان “جيدًا للولايات المتحدة عقب كارثتها الأكبر” سيكون مناسبًا لإسرائيل بعد “الكارثة الأكبر في تاريخها” في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وذلك رغم رفضه المتكرر لتشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة يرأسها قاضٍ من المحكمة العليا، وسعيه إلى الدفع باتجاه لجنة سياسية مشتركة من الائتلاف والمعارضة.
وقال نتنياهو إن لجنة التحقيق التي تعمل حكومته على إقامتها بشأن “إخفاقات 7 أكتوبر” ستُنشأ “بشكل متساوٍ بين الائتلاف والمعارضة، لمنع استخدامها كأداة للإعدام السياسي”.
وادّعى أن أعضاء اللجنة، التي وصفها بـ”القومية”، “سيتحدّون الجميع، المستوى السياسي والعسكري والقضائي”. وأضاف أن “كل طرف سيتمكن من عرض ادعاءاته، وستكون هناك جهات مراقِبة من عائلات الثكلى”.
وتطرّق نتنياهو إلى طلب العفو الذي قدّمه رسميًا إلى الرئيس الإسرائيلي، يتسحاق هرتسوغ، قائلاً إن “مصلحة الدولة تقتضي وقف المحاكمة”. وأضاف بشأن مصير الطلب: “إذا تحقّق ذلك فجيّد، وإن لم يتحقّق، فلا بأس، سنمضي قدما”، في تصريحات تعكس استمرار محاولاته إنهاء الإجراءات القضائية ضدّه خارج المسار القضائي المتعارف عليه.
وتناول نتنياهو في خطابه أيضًا تقدّم خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لوقف الحرب على غزة، قائلاً: “نحن على وشك إنهاء المرحلة الأولى من خطة ترامب”. وزعم أن التركيز ينتقل الآن إلى “المهمة التالية، تجريد حماس من سلاحها ونزع السلاح من القطاع”.
وأضاف: “حماس تواصل خرق اتفاق وقف إطلاق النار؛ لن نسمح لقتلة حماس بإعادة التسلّح وتهديدنا من جديد. نعمل يوميًا لمنع ذلك، وسيكتمل تنفيذ هذه المهمة، بالطريقة السهلة أو الصعبة”.
وادّعى نتنياهو كذلك أن قانون الإعفاء من التجنيد الذي تدفع به حكومته هو “بداية مسار تاريخي لدمج المجتمع الحريدي في الجيش”. وقال إن “القانون يحقق أهداف تجنيد أكبر بأربعة أضعاف من القانون الذي قدمته حكومة الورقة البيضاء”.
وتوجّه لأعضاء الكنيست عن المعارضة بالقول: “قانون التهرّب هو القانون الذي جلبتموه أنتم، والذي سمح بالخدمة لمدة أقل من عام في مستشفى. أما الخدمة المنصوص عليها في قانوننا في الجيش فقط، فلا تعظونا. أنتم لا تريدون التجنيد”.
وتزامن خطاب نتنياهو مع هجوم واسع من المعارضة داخل الجلسة. إذ اتهمه نواب من كتلة “الديمقراطيين” بأنه “يقود إسرائيل إلى عزلة غير مسبوقة”، مشيرين إلى أن رئيس الحكومة “لا يستطيع زيارة دول أوروبية خشية الاعتقال”، وأن سياساته “أفقدت إسرائيل دعمًا دوليًا كانت تحظى به لعقود طويلة”.
وقال النائب غلعاد كريف إن نتنياهو “يتحدث عن رأب الصدع بينما يجدد الانقلاب القضائي ويدمّر أسس الديمقراطية”، مضيفًا أن الحكومة “تهرول لإقرار تشريعات انتقامية” بدل معالجة إخفاقات 7 تشرين الأول/ أكتوبر.
وتأتي الجلسة وسط سباق تشريعي محموم داخل الكنيست. فقد ناقشت اللجنة للأمن القومي مشروع قانون الإعدام للأسرى الفلسطينيين، وهو القانون الذي حضر إليه وزراء “عوتسما يهوديت” وهم يرتدون شارات على شكل حبل المشنقة.
وقال وزير الأمن القومي، المتطرف إيتمار بن غفير، إن القانون قد يُنفذ “بالشنق أو بالكرسي الكهربائي أو بأساليب أخرى”، مدعيًا تلقيه طلبات من عشرات الأطباء للمشاركة في التنفيذ.
وفي الوقت ذاته، بحثت لجنة الدستور مشروع “تقسيم صلاحيات المستشارة القضائية للحكومة”، بينما تابعت لجنة الإعلام مداولات تتعلق بتجاوز صلاحيات في مشروع قانون البثّ العام، في خطوة تعتبرها المعارضة “محاولة للسيطرة السياسية على الإعلام”.
كما صوّتت الهيئة العامة سابقًا بالقراءة الأولى على قانون الإعدام للأسرى، بدعم من نواب الائتلاف و”يسرائيل بيتينو”، وسط اعتراضات حادة واشتباكات كلامية كادت تتطور إلى مواجهات داخل القاعة.

