( صور) هآرتس : الضغط الدولي لتنفيذ المرحلة الثانية في غزة يضيّق الخناق على نتنياهو

ليزا روزوفسكي
الزيارة السياسية الأولى التي يجريها مستشار ألمانيا، فريدريخ ميرتس، إلى القدس تحمل إشارة بالغة الدلالة من أكبر حليف أوروبي لإسرائيل على محاولة العودة إلى نمط العلاقات المعتاد. فحتى بعد حربٍ قتلت فيها إسرائيل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، ودمّرت مساحات واسعة من قطاع غزة، وما تزال تُحكم سيطرتها على أكثر من نصف مساحته، تبقى العلاقات الدبلوماسية بين البلدين متينة.أمس التقى ميرتس بالرئيس يتسحاق هرتسوغ، واليوم سيزور مؤسسة “ياد فاشيم” ويلتقي برئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. الرسالة التي بعثت بها الحكومة الألمانية قبيل الزيارة واضحة: بعد ستين عاماً على إقامة العلاقات، ما زالت تستند إلى قدر عالٍ من الثقة المتبادلة.

تأتي زيارة المستشار بعد أسابيع قليلة من إلغاء الحظر الجزئي على تزويد إسرائيل بالسلاح الألماني. وقد تمهّد هذه الزيارة الطريق أمام زعماء أوروبيين آخرين، ممن سيكون بعضهم سعيداً بمصافحة نتنياهو رغم صدور مذكرة توقيف بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. لكن مع ذلك، يبدو أن “العودة إلى الوضع الطبيعي” تبقى محدودة ومشروطة.فعشية إقلاع ميرتس إلى الشرق الأوسط، شدّد المتحدث باسم الحكومة في برلين على أن ألمانيا ما تزال تدين بشدة عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وترفض فكرة الضم، وتتمسّك بحلّ الدولتين. ومن المرجّح أن يُطرح موضوع حلّ الدولتين – أو على الأقل إشراك السلطة الفلسطينية في إدارة الحياة في غزة – خلال محادثات ميرتس ونتنياهو بشأن الحفاظ على وقف إطلاق النار في القطاع.

فرق الإنقاذ تبحث عن عالقين تحت الأنقاض في وسط القطاع، أمس. ومن بين الأهداف المعلَنة لزيارة وولتز متابعة إيصال المساعدات إلى القطاع بشكل يومي وعملي.

فرق الإنقاذ تبحث عن عالقين تحت الأنقاض في وسط القطاع، أمس. ومن بين الأهداف المعلَنة لزيارة وولتز متابعة إيصال المساعدات إلى القطاع بشكل يومي وعملي. צילום: AFP/EYAD BABA

وفي الأردن، سيستمع وولتز على الأرجح من ممثلي المنظمات الإنسانية ومن مسؤولي الحكومة إلى أنّ على إسرائيل استئناف نقل المساعدات الإنسانية إلى غزة عبر معبر جسر الملك حسين، الذي توقّف تشغيله بعد أن قتل سائق شاحنة تحمل مساعدات جنديين إسرائيليين في نهاية سبتمبر الماضي.

كما سيُبلغ بأن إسرائيل تفرض قيوداً شديدة على إدخال المساعدات بطرق أخرى. فهي ترفض، على سبيل المثال، فتح معابر إضافية على طول حدود القطاع عدا كرم ابو سالم وزيكيم، ولا تسمح بإدخال الخيام ذات الهياكل المعدنية الثقيلة التي تُعدّ “مواد مزدوجة الاستخدام”. ومن المرجّح أن ينقل وولتز تلك الانتقادات إلى مكتب نتنياهو، ولن يكون في وسع رئيس الحكومة تجاهلها عندما تُطرح أمامه على لسان مبعوث أميركي رفيع بهذا القدر.

مسألة أخرى يصعب على نتنياهو الالتفاف عليها هي فتحُ معبر رفح في الاتجاهين، بما يعني عمليًا السماح بعودة الغزّيين إلى القطاع. يوم الأربعاء الماضي أعلنت إسرائيل استعدادها لفتح المعبر لخروج السكّان فقط، وذلك في بيان عابر تقريبًا أصدره منسّق أعمال الحكومة في الأراضي المحتلّة. القرار أثار غضب القاهرة، التي رأت فيه خرقًا صريحًا لخطة ترامب—الخطة التي تنصّ بوضوح على فتح المعبر ذهابًا وإيابًا—كما استهجنت الطريقة المتعالية التي جرى الإعلان بها.

أما الاتحاد الأوروبي—الذي يُفترض أن يشرف فريق منه على تشغيل المعبر من الجانب الغزّي تحت إدارة السلطة الفلسطينية—فلا يملك حتى الآن موقفًا حاسمًا بشأن شروط إعادة فتحه. بعض الدبلوماسيين الأوروبيين يميلون إلى القبول بفتحٍ جزئي للمعبر، باعتباره أفضل من بقائه مغلقًا بالكامل، ولو كان مقتصرًا في المرحلة الأولى على خروج المرضى والجرحى لتلقّي العلاج خارج القطاع.

ومع ذلك، أوضحت الدول العربية والإسلامية أنها لن تقبل بأنصاف الحلول: المعبر لن يُفتح إلا إذا تراجعت إسرائيل وسمحت رسميًا بعودة الغزّيين إلى ديارهم.

شاحنة مساعدات في الجانب المصري من معبر رفح، في أكتوبر. وقد أثارت مصر غضبها من القرار الذي قضى بفتح المعبر لخروج سكان القطاع فقط
شاحنة مساعدات في الجانب المصري من معبر رفح، في أكتوبر. وقد أثارت مصر غضبها من القرار الذي قضى بفتح المعبر لخروج سكان القطاع فقط

وبحسب دبلوماسي أوروبي، تُجرى في القاهرة حاليًا محادثات تتعلّق بالموضوع، فيما سيقدّم فريق EUBAM دعمه لتشغيل المعبر وفق أي صيغة يتوصّل إليها الأطراف. وإذا كان إصرار نتنياهو على منع الدخول إلى غزة عبر رفح مجرّد نزوة تخدم حساباته السياسية الداخلية، فسيتعيّن عليه إيجاد مخرجٍ “أنيق” للتراجع عنها. أمّا إذا كان وراء هذا الإصرار مبرّرٌ أمنيّ حقيقي، فالمفاوضات الدائرة في القاهرة ستنتج، على الأرجح، حلاً مبتكرًا لهذه المعضلة.

وبحسب أقواله، فإن استكمال وقف إطلاق النار يستلزم انسحابًا إسرائيليًا كاملًا من القطاع، وترسيخ حدٍّ أدنى من الاستقرار في غزة، والسماح للسكان بالخروج منها والعودة إليها. وأكد آل ثاني أن أياً من هذه الشروط الثلاثة لا يتحقق حتى الآن. أمّا وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، فقال في مقابلة مع وكالة رويترز عُقدت على هامش المنتدى، إن تفكيك حماس من سلاحها يقتضي أولًا قيام إدارة مدنية فلسطينية في غزة، على أن يدخل القطاع جهاز شرطة خضع لعملية تدقيق وانتقاء.

نتنياهو، الشهر الماضي. يعمل رئيس الحكومة، بشكل معلن وبأقصى ما يستطيع، على تأجيل دخول السلطة الفلسطينية إلى القطاع كجهة حاكمة
نتنياهو، الشهر الماضي. يعمل رئيس الحكومة، بشكل معلن وبأقصى ما يستطيع، على تأجيل دخول السلطة الفلسطينية إلى القطاع كجهة حاكمة 

الأتراك والقطريون، كلٌّ بلغته ورسائله المتقاطعة، يقلبون الترتيب الذي تريده إسرائيل رأسًا على عقب. فالقدس تشترط، كمدخل لأي انسحاب، نزع سلاح حماس أولًا. في المقابل، تُصر الدوحة على أن الانسحاب الإسرائيلي والسماح بعودة الغزيين إلى ديارهم يشكّلان الشرط الأوليّ الضروري كي يُعدّ وقف إطلاق النار مطبّقًا أصلًا. أمّا حقيقة أن انسحابًا إسرائيليًا كاملًا في الظروف الراهنة قد يفتح الباب أمام عودة حماس للسيطرة على القطاع بأكمله، فهي حقيقة يمرّ عليها آل ثاني مرور من يتجنب عمداً ما يربك حجّته.

وفي أنقرة أيضًا يوضحون أن الشروع في تفكيك سلاح حماس لا يمكن أن يبدأ من دون إدخال عناصر شرطة تابعة للسلطة الفلسطينية إلى القطاع – وهي نقطة ضعف أخرى بالنسبة لإسرائيل، إذ إن نتنياهو يواصل، وبشكلٍ معلن، محاولة تأجيل دخول السلطة إلى غزة بأي صفة حاكمة.

وتنضمّ تركيا في مطلبها هذا إلى موقف الاتحاد الأوروبي. فبحسب تقارير عربية، جرى تدريب مئات من عناصر الشرطة الفلسطينيين في مصر مطلع هذا العام، فيما يخضع آلاف آخرون – على الأرجح – لدورات تدريبية إضافية في مصر والأردن. والاتحاد الأوروبي مستعد لتدريب مزيد من العناصر عند الحاجة. وبحسب دبلوماسي عربي، جرى تنسيق هذه التدريبات مع المكتب الأميركي للتنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة (USSC) منذ عهد إدارة بايدن، ومن خلاله تم التنسيق أيضًا مع الجانب الإسرائيلي. وأضاف الدبلوماسي أن إسرائيل شاركت في عمليات الفحص الأمني للشرطيين.

ويبدو أن هذا كله يتطابق تمامًا مع الرؤية التي يعرضها وزير الخارجية التركي: إدخال شرطة فلسطينية إلى القطاع بوصفه شرطًا تمهيديًا لاستبدال حكم حماس وتهيئة البيئة اللازمة لنزع سلاحها.

مبنى تضرر جراء الغارات في مدينة غزة الأسبوع الماضي. ترفض إسرائيل فتح معابر إضافية على طول الحدود مع القطاع، باستثناء معبري كرم أبو سالم وزيكيم
مبنى تضرر جراء الغارات في مدينة غزة الأسبوع الماضي. ترفض إسرائيل فتح معابر إضافية على طول الحدود مع القطاع، باستثناء معبري كرم أبو سالم وزيكيم

ليس واضحًا ما إذا كانت الخطوات المخطَّط لها ستقرّب فعليًا من تفكيك حماس. فمن الصعب تصوّر أن الحركة، التي رسّخت من جديد سلطتها على نصف مساحة القطاع، ستُخلي موقعها لقوة تابعة للسلطة؛ كما يصعب أيضًا تخيّل أن تلك القوة الفلسطينية ستدخل في مواجهات دموية مباشرة مع حماس. ومع ذلك، فإن هذا المسار يوفّر — على الأقل نظريًا — إمكانية للتقدّم في خطة ترامب: فدمج “قوة شرطة فلسطينية جرى تأهيلها حديثًا” إلى جانب قوة التثبيت الدولية يشكّل جزءًا مركزيًا من النقاط العشرين التي طرحها الرئيس.

يبدو أن هوامش المناورة المتاحة لنتنياهو تضيق من حوله. فالدول العربية والدول الأوروبية والولايات المتحدة كلها تضغط باتجاه بدء تنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب — تنفيذ يقود، بشكل يكاد يكون حتميًا، إلى إعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة، من دون أن يقدّم في الوقت الراهن حلًا لمسألة سيطرة حماس على الأرض. ومن هناك يطلّ حلّ الدولتين، رغماً عن إرادة الحكومة الإسرائيلية.

ورغم أن نتنياهو معروف بقدرته شبه السحرية على الإفلات من المآزق المستحيلة، فإنه وهو يخوض محاكمته، ويعد باتفاقات سلام، ويحاول التمسّك بالجسر الضيّق الذي مَدَّه ترامب أمامه — يصعب تصوّر كيف سيتمكن من الخروج عن الخطوط التي رسمها الرئيس الأميركي من دون أن ينزلق عن ذلك الجسر إلى الهاوية.

Share This Article