المسار: خلقت حرب الإبادة الجماعية والتدمير الواسع في منازل المواطنين بقطاع غزة واقعًا اجتماعيًا جديدًا بعد أن احتضنت العائلات بعضها البعض فانقسم البيت إلى بيتين وأصبحت المائدة البسيطة تطعم الجميع.
ففي ظل حالة النزوح الكبيرة وفقدان الكثيرين لمنازلهم، فتحت عائلات غزية أبواب بيوتها ومدت أذرعها لعائلات فقدت كل شيء، فتكونت بينها روابط نادرة خلقها واقع الحرب المرير.
وفي رحلة نزوحه وسط القطاع عاش مؤمن سرداح تجربة تضامن لدى إحدى العائلات، حين وجد صعوبة كبيرة في التأقلم مع صعوبات مكانٍ جديد لم يعتد عليه، كان الأمر بالنسبة له وكأنه يعيش في عالم جديد، يفرض عليه الالتزام بقواعد لم يختَرها، وسط خوف مستمر من القصف والمجازر المحيطة.
“مع مرور الأيام، بدأت بالتأقلم مع الوضع تدريجيًا، وبدأت الحواجز تتلاشى مع الوقت، وتكوّنت علاقة جميلة مع العائلة التي سكنت عندها فأصبح المكان أشبه بحاضنة اجتماعية صغيرة”، يقول سرداح.
ويضيف في حديثه ، “كنا جميعا نتقاسم الماء والغذاء والاحتياجات اليومية، ويعمل أهل المنزل على تخفيف الأعباء عن النازحين قدر الإمكان. كل شيء أصبح مشتركًا من تعبئة المياه إلى إعداد الطعام، وحتى ترتيب المكان في الصباح. كل هذا منحني شعورًا بالطمأنينة وجعلنا أقرب لبعضنا”.
ويتابع، “كان للأطفال دور كبير في قوة ترابط العلاقة بيننا وبين العائلة المستضيفة، فرؤية الأطفال وهم يلعبون وتبادل الابتسامات بيننا خفف الكثير من وطأة الخوف، وجعلنا نشعر وكأننا نعيش حياة طبيعية رغم الحرب”.
ويشير إلى أن ما جمعه لم يكن فقط الحاجة أو المصلحة بل روابط إنسانية حقيقية ولّدتها الحرب.
ويروي سرداح قائلًا “تعلمت أن الإنسانية يمكن أن تظهر في أبسط التفاصيل، وأن الحب والدعم يمكن أن يولدا في قلب المحنة”.
روابط وطيدة
العائلات البديلة ليست بديلًا مؤقتًا فحسب، بل رمزًا لصمود اجتماعي يُعيد ترميم ما تهدم في الأرواح قبل الحجر.
وبين دموع النازحين واحتضان المستضيفين، وُلدت روابط جديدة، صارت أقوى من صلة القرابة.
ياسر مغاري نازح من مدينة رفح يحكي تفاصيل تجربة مشابهة حيث فتحت له الحرب بابًا لعائلة ربطته بها قرابة المحبة لا الدم.
يقول المغاري: “حين كنت أنصب خيمتي وسط القطاع، بادرت عائلة إلى مساعدتي وعرضت علي استضافتي دون أي مقابل، لتكون هذه الخطوة بداية علاقة نشأت من رحم الحرب”.
ويضيف المغاري في حديثه ، أصبحت تلك العائلة سندًا حقيقيًا رغم ضيق حالهم، فقد وفرت لنا بعض الملابس وغرفة دافئة بعد نزوحنا ومع الأيام، تحولت العلاقة إلى جوٍ عائلي نتشارك فيه المناسبات والطهو والسهر حول النار”.
ويتابع “مع الأيام تحولت يومياتنا تدريجيًا إلى حياة مشتركة، إعداد الطعام، الجلسات العائلية، تبادل الضحكات، وحتى مواجهة الخوف خلال القصف”.
ويقول: “لم يحدث بين أي خلاف يُذكر كنا عائلتين مثاليتين نراعي بعضنا، وإن حصل شيء بسيط كنا نتجاوزه فورًا”.
المصدر: وكالة صفا

