عزمي بشارة: ترامب لا يريد تغيير النظام في طهران، بل تركيعه

المسار : تحدث د. عزمي بشارة في اللقاء عن التصعيد الأميركي الإيراني وارتداداته في المنطقة والعالم، وعدة محاور أخرى من بينها ترامب ونتنياهو في ظل عام انتخابي، واليمن وخطر التفكك، والوضع الداخلي في الولايات المتحدة.

تحدث المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، د. عزمي بشارة، عن التصعيد الأميركي والإيراني وارتداداته في المنطقة والعالم، ورأى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يريد تغيير النظام الإيراني بل تركيعه وإرغامه على تقديم تنازلات جذرية.

ولفت بشارة خلال لقاء عرض على شاشة “التلفزيون العربي” مساء الخميس، إلى أن ترامب مصر على إنهاء المهمة التي بدأها في حرب الصيف على إيران، محذرا من أنه لا مصلحة للعرب في حرب إيرانية ولا تقسيم ولا فوضى هناك.

وتطرق إلى لجنة إدارة غزة حديثة الولادة، بالقول إن إمكانية نجاحها مرتبطة بالسلوك الإسرائيلي، مستبعدا حصول تغيير في سياسة دولة الاحتلال، واصفا ما يحصل في غزة بأنه استمرار للحرب بوتيرة منخفضة مقابل ضم زاحف في الضفة الغربية المحتلة.

وفي ما يتعلق بأي انتخابات إسرائيلية مقبلة قد تكون مبكرة، جزم بشارة بأن رفع نسبة تصويت العرب في إسرائيل شرط رئيسي لهزيمة بنيامين نتنياهو واليمين المتطرف. أما دولياً، فإنّ النظام العالمي الجديد يقوم بحسب تعبير المفكر العربي على انقسام بين أقوياء وضعفاء، وبين قوى محافظة وأخرى ليبرالية، وعلى قناعة ترامب وفريقه بأن حلف شمال الأطلسي أصبح عبئا على أميركا، ملاحظا بأن كل خطوات ترامب بشأن غرينلاند تتصل بفك الشراكة مع أوروبا.

ضرب إيران… إرجاء تقني أو فسحة حوار

وبدا بشارة غير واثق من أسباب تأجيل أميركا قصف إيران الذي كشف أنه كان متوقعا حصوله ليل الأربعاء-الخميس، لافتا إلى أنه إذا كان السبب رغبة بفتح باب للحوار، فهذا يكون جيدا، أما إذا كان السبب تقنيا عسكريا لإنجاز التحضيرات، فهذا يكون مجرد إرجاء. وردا على سؤال عن أهداف ترامب من قصف محتمل لإيران، لاحظ بشارة أن الرئيس الأميركي الحالي “نهجه مثابر وغير متقلب والأمور تسير عنده في خط واضح: سياسات القوة بغلاف تلفزيون الواقع” على حد وصفه، ويشرح بأنه لا يريد تغيير النظام “وهو يعتقد أنه سيركّع القيادة الإيرانية لسياساته ومصالحه آملا أن تنهار معنويات السلطة سريعا على وقع الضربات وأن تأتي إلى التفاوض وأن تقبل بشروط واشنطن”. وأبرز هذه الشروط بحسب بشارة “ألا يكون (النظام الإيراني) معاديا لأميركا في كل شيء ولا معاديا لحلفاء أميركا” في إشارة إلى إسرائيل خصوصا. كذلك أورد المصالح الاقتصادية في قائمة الأهداف الأميركية، جازما بأن “إدارة ترامب ليست إدارة تغيير أنظمة وبناء دول بل إدارة علاقات قوة ومصالح”.

في هذا السياق، ذكّر بأن إسرائيل كانت السبب الرئيسي في تصعيد الأزمة بين أميركا وإيران في فترات حكم الإصلاحيين، مع أنه بموجب التفكير الأميركي الإمبريالي حتى قبل وصول ترامب إلى الرئاسة في ولايته الأولى، فإنّ الإصلاحيين الإيرانيين يصلحون للحوار، وهذا ما لا يسري على التفكير الإسرائيلي. وعن هذا الموضوع، استغرب المدير العام لـ”المركز العربي” كيف أن “أميركا تصعّد ضد إصلاحيين يفترض أن تفاوضهم”، وفسّر ذلك بأن ترامب، بعد نشوته في فنزويلا، يريد “إنهاء المهمة التي بدأها في حرب الصيف على إيران” بما أن الضربة لم تكن قاضية بالنسبة إلى طهران في حينها.

وشدد بشارة على أن ترامب يعتقد أن المرشد الأعلى لإيران، علي خامنئي، يجب أن تضعف مكانته داخل النظام، مشيرا إلى احتمال ظهور أوساط في النظام تقبل أن تفاوض حول قضايا مؤقتة مع أميركا إلى حين رحيل ترامب أو استعادة النظام قوته. لكن بشارة بدا واثقا من صعوبة إصلاح الوضع الاقتصادي في إيران والتجاوب مع مطالب الشعب من دون رفع الحصار، لافتا إلى أن تحسين الوضع الاقتصادي مهم لجميع الأطراف الإيرانية ولكن خصوصا للإصلاحيين الذي يعتقدون أن المحافظين يحولون دون نجاحهم لأن الحصار سيستمر بسببهم.

وأعرب بشارة عن قناعته بأن الصراع الداخلي في إيران على رفع الحصار يتماهى مع معركة داخلية على من سيخلف خامنئي، في ظل سعي الإصلاحيين إلى أن يكون خليفة المرشد من صفوفهم. ووفق متابعته، يذكّر بشارة بأن إيران تعيش “حالة ثورية” احتجاجية اعتراضية لم تتوقف منذ 2009، ذلك أن هناك فئة لم تعد تقبل الطابع الشمولي للسلطة في إيران، قائلا إن هامش حرية التعبير في إيران “أكبر بكثير من دول سلطوية كثيرة” مثل الصين ومثل دول عربية عديدة “لكن هذا لا يكفي لأن طبيعة المجتمع تغيرت ولم يعد يحتمل ما احتمله قبل 30 عاما”.

وبرأي بشارة، فإن المواضيع الإقليمية والجيو-إستراتيجية والتدخلات الخارجية جزء أساسي من مشهد الاحتجاجات، “والعمل الأكبر هو من إسرائيل، مثلما كان حجم الاختراقات الإسرائيلية كبيرا جدا في حرب الأيام الـ12” في حزيران/ يونيو الماضي. وأعاد إلى الأذهان في هذا الإطار حقيقة أن الموضوع النووي حاليا خارج النقاش، وسيحاول الأميركيون نيل أكبر التنازلات من إيران في قضايا الصواريخ بعيدة المدى ونفوذ إيران الإقليمي.

وفي حين اعتبر أن العرب رغم كل انقساماتهم ليست لديهم مصلحة في حرب إيرانية أو تقسيم وفوضى لأننا رأينا نتائج ذلك في العراق، فإنه كشف عن وجود خشية في دول الخليج من مضاعفات أي تغيير يحصل عبر التدخل من الخارج “لذلك هناك حذر مما يمكن أن يطرأ في حال حصل انهيار”. ورغم إقراره بأن إيران دولة عريقة ومتعددة الأعراق تاريخيا وأنه لا خطر على انهيارها، لكن “حتى بلد مثل روسيا دخل فوضى دامت 10 سنوات بعد سقوط الاتحاد السوفييتي” وفق بشارة. وانتهز المناسبة للإشارة إلى أنه عندما يخرج بمقابلات صحافية، فإنه لا يعبّر بأي حال عن موقف دولة قطر التي يقيم فيها، بل عن رأيه الشخصي حصرا.

ولايات متحدة يمنية

وعما إذا كان يرى تأثيرا محتملا للحدث الإيراني على اليمن، ردّ بشارة بالإيجاب “فقط إذا كانت الأطراف الأخرى (المعادية للحوثيين) متنبهة إلى ضرورة عدم استغلال الوضع لتصفية الحسابات وإلى عدم إثارة الموضوع الطائفي وطلب التدخل الخارجي، لأنه حينها تدخل عناصر الخوف الوجودي، والنظرة الواقعية تنص على أنه في ظل ضعف إيران، يجب التفاهم لمصلحة البلدان المعنية، مثل لبنان واليمن”. وكرر ما قاله في حواره على القناة نفسها يوم الخميس الماضي عن أن “الحوثيين جزء من اليمن ولكنهم لا يقدرون على حكم البلد لوحدهم”. وطرح بشارة في هذا السياق إمكانية أن يكون هناك “ولايات متحدة يمنية” بدرجة معينة من اللامركزية مثلما هو حال السودان وليبيا حيث تستحيل العودة إلى صيغة سياسية مركزية.

وفي ختام الشق الخاص باليمن، انتقد بشارة بيان الدعوة إلى حوار جنوبي-جنوبي في الرياض من زاوية إيراد بند فيها يتحدث عن “استعادة دولة اليمن الجنوبي”، مؤكدا أن هناك قسما من اليمنيين لم يتخلّوا عن الفكرة، ومرجحا ألا تكون السعودية شريكة في هذا المشروع (دولة الجنوب). وعن الخطة المستقبلية الممكنة لليمن، أجاب بشارة بأن الحل يكمن حصرا عند اليمنيين “ولا يوجد بديل عن مخرجات الحوار الوطني” (2013-2014).

غرينلاند وانقسام عالمي بين محافظين وليبراليين

في الانتقال إلى أحداث غرينلاند ورغبة الإدارة الأميركية بالاستيلاء على أكبر جزيرة في العالم، كذّب بشارة الذريعة التي يروّجها ترامب حول ضرورة ضمها إلى أميركا من أجل إبعاد الخطر الصيني الروسي، واصفا ذلك الخطر المزعوم بأنه بعيد جدا عن الجزيرة القطبية. وذكّر في هذه الغضون بأن لدى الولايات المتحدة قاعدة عسكرية في غرينلاند، وجزم بأن الأهداف الحقيقية محصورة في الهيمنة والضم والثروات وهوس ترامب في دخول التاريخ كمن وسّع مساحة أميركا. وفي البعد الجيوسياسي لمسألة الاستيلاء على غرينلاند، أجاب بشارة بأن ترامب يسير في طريق فك الشراكة مع أوروبا والتعاطي مع “الناتو” بوصفه عبئا على أميركا “وهذا أمر غريب إستراتيجيا لأن أميركا بحاجة لحلفاء” بحسب ملاحظة بشارة.

وردا على سؤال عن ملامح النظام العالمي الجديد مع ترامب في ولايته الثانية، شرح بشارة بأن التوجه يكرّس تقاسم العالم بين أقوياء، “وأوروبا ليست من الأقوياء”. وحذّر من أنه إذا فاز أميركيون جمهوريون في دورات انتخابية متتالية، فسيترسخ تغيير جذري في النظام العالمي ليصبح قائما على انقسام بين أقوياء وضعفاء، وبين قوى محافظة وأخرى ليبرالية، وحينها “تكون أوروبا خصما لأميركا إلا حين تحكمها قوى محافظة”، لذلك يدعم ترامب كل القوى المحافظة اليمينية المتطرفة في أوروبا.

انتخابات التجديد النصفي

وفي الجزء الخاص بانتخابات التجديد النصفي المقررة في الولايات المتحدة أواخر العام الحالي، شدد المفكر العربي على أن الوضع الداخلي هو الأهم في التصويت، و”حتى المغامرات الخارجية تستخدم في الداخل”. وتوقف عند وجود تصوّر اقتصادي يفيد بأن السياسة الخارجية هذه تأتي بالمال إلى الداخل الأميركي، ولكنه استدرك بأن مشكلة ترامب تكمن في أن هذا كلام لم يُترجم في الواقع، لأن المستفيد من هذه السياسات هم الأثرياء حصرا. أما الفئات العاملة والطبقات الوسطى، فهي متضررة حتى من سياسات الهجرة والتأمين الصحي. أكثر من ذلك، فإنّ النجاحات في الخارج بمفهوم المحافظين، لم ترفع شعبية ترامب داخليا، فضلا عن وجود صراعات بين المعسكر اليميني نفسه حول السياسات الخارجية والتورط في الخارج. وبينما اعترف بصعوبة تقدير كيف ستترجم هذه الانقسامات داخل معسكر “فلنجعل أميركا عظيمة مجددا” (MAGA) انتخابيا، فإنه توقع أن تكون انتخابات الكونغرس المقبلة مناسبة لفهمها لأن أنظمة التصويت هناك فردية. والانقسام وفق كلام بشارة يطاول كذلك دور اللوبيات الأجنبية في الضغط على الإدارة الأميركية الحالية، كحال رافضي صورة أن إسرائيل تسيطر على أميركا (الكلب يهزّ الذيل وليس الذيل يهز الكلب).

وهنا، كان لا بد من الإسهاب في الحديث عن تأثير إسرائيل على أميركا في الملف الفلسطيني بهدف واضح من اللوبي الصهيوني وهو أن تصبح إسرائيل هي من ترسم سياسة أميركا في الشرق الأوسط، وهو ما لم يكتمل بعد، بدليل أن إسرائيل تريد تقسيم سورية عكس ما يريده ترامب.

انتخابات إسرائيل

في المقابل، فإن انتخابات عامة في إسرائيل لو حصلت اليوم، تتعلق بأطول رئيس حكومة يحكم إسرائيل في تاريخها (نتنياهو)، وهو يريد أن يبقى في السلطة لأنه ليس انتهازيا ومجرما وكاذبا فحسب، وفق وصف بشارة، بل أيضا صاحب عقيدة قوامها أرض “إسرائيل الكبرى” ومنع قيام دولة فلسطينية وهو ما يترجمه ضم زاحف في الضفة الغربية المحتلة وحرب مستمرة في غزة بوتيرة منخفضة. ونتنياهو ذلك، “كل جهده منصب على إفشال المرحلة الثانية من اتفاق غزة”، وقد نجح في كل شيء منذ 2023، في فلسطين وبقية جبهاته الحربية في المنطقة، في ظل عدم مواجهته بأي خطوة ضغط حقيقية.

وأوضح بشارة، أن تحسنا حصل في وضع نتنياهو شعبيا في الأشهر الأخيرة ولكن أقصى ما يحصل عليه في استطلاعات الرأي 40% من الأصوات، ولكن النظام الانتخابي في إسرائيل لا يعطيه، لو حصلت الانتخابات اليوم، أكثر من 52 أو 53 نائبا من أصل 120. واسترسل بشارة، مؤسس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وصاحب التجربة السياسية الطويلة في الكنيست وفي المجتمع العربي داخل إسرائيل، بالحديث عن الأحزاب العربية ودورها في الاستحقاق الانتخابي المقبل.

وشدد على أن المجتمع الإسرائيلي تغيّر لناحية التعاطي مع مشاركة العرب في الحياة السياسية، ذاكرا أن نسبة رافضي قيام دولة فلسطينية ارتفعت جدا حتى في أوساط من كانوا يوافقون عليها بشروط معينة حتى أصبح الرافضون بحدود 75%، بينما ارتفعت نسبة الراغبين بسحب حق التصويت من المواطنين العرب، ليخلص إلى أنه لن يُسمح للعرب بالمشاركة في تشكيل أي حكومة إسرائيلية مقبلة. وبحسب تقديرات بشارة ومعلوماته، فإنّ على العرب أن يشاركوا في قائمة انتخابية واحدة قد تحصل على 15 نائبا إذا رفعوا نسبة التصويت. أما إذا شاركوا في قائمتين، فقد ينالون 12 نائبا، في حين قد يحصدون 15 مقعدا في الكنيست إن توزع مرشحوهم على ثلاث قوائم شرط أن ينجحوا جميعهم. واختصر بشارة المعادلة بأنه “إذا كان مهما منع نتنياهو من تشكيل حكومة، فعلى العرب أن يرفعوا نسبة التصويت والمشاركة في قائمة واحدة قوية ولو كانوا غير متفقين سياسيا”.

شرط نجاح لجنة إدارة غزة

وردا على سؤال عن امتلاك لجنة إدارة غزة برئاسة علي شعث، أدوات العمل والنجاح من عدمه، أجاب بشارة أن لا شيء ينفع إذا لم تنسحب إسرائيل من غزة وتفتح معبر رفح وتسمح للجنة بالعمل. واستغرب في معرض تعليقه سبب اختيار السفارة الأميركية في القاهرة مكانا للاجتماع الأول لأعضاء اللجنة الخميس، مرجحا أن يكون ذلك حصل بقرار أميركي. وأعرب عن ثقته بأن إمكانية نجاح هذه اللجنة إن افترضنا حسن النوايا بأسماء أعضائها، مرتبطة بالسلوك الإسرائيلي.

وذكّر بأن دورها مؤقت وانتقالي لمعالجة قضايا الناس وأحوالهم المرعبة وبلوع مرحلة تكون الحياة في غزة ممكنة، مقترحا أن ما قد يسهّل عملهم هو أن يعتمدوا على القوة الإدارية القائمة من إدارات مدنية تعنى بالصحة والتعليم والتخطيط والشرطة وبقية القطاعات الحياتية. لكن بشارة استبعد أن تغيّر إسرائيل سياستها في غزة.

أما في ما يتعلق بلبنان، فإن بشارة فسّر التوسع الإسرائيلي في القصف بحقيقة أن دولة الاحتلال لا ترى ردود فعل على انتهاكاتها. وعاد بالزمن إلى الخلف ليذكّر كيف أنه حتى 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، كان مطلب إسرائيل محصورا بنزع سلاح حزب الله حتى جنوب الليطاني، ولكنها أمام نجاحاتها الحربية وغياب أي رد حقيقي على عدوانها، فإنها باتت تطمع بأهداف أبعد، وربما تريد إسرائيل أن تشتبك الدولة اللبنانية مع حزب الله.

المصدر … موقع عرب 48

Share This Article