المسار : أعادت المملكة العربية السعودية التأكيد على موقعها كلاعب محوري في الدفع باتجاه مسار سياسي وإنساني متكامل لإنهاء الحرب على قطاع غزة، عبر تثبيت وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات دون قيود، والانطلاق السريع نحو التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وصولًا إلى عودة السلطة الوطنية الفلسطينية لتحمل مسؤولياتها الكاملة في القطاع.
جاء الموقف السعودي، الذي عبّرت عنه وزارة الخارجية في بيان رسمي صدر اليوم، متزامنًا مع الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من خطة السلام الشاملة، وتشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة كهيئة انتقالية مؤقتة أُنشئت استنادًا إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803، في خطوة تعكس انتقال الجهود الدولية من إدارة الحرب إلى هندسة ما بعدها.
تثبيت وقف النار وضمان المساعدات
أكد البيان السعودي ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في غزة باعتباره مدخلًا إلزاميًا لأي مسار سياسي أو إنساني قابل للاستمرار، مشددًا على أهمية وقف الانتهاكات وضمان دخول المساعدات الإنسانية إلى السكان من دون أي عوائق أو اشتراطات.
ويعكس هذا التشديد قناعة سعودية بأن الأمن الإنساني يشكل القاعدة الأولى لإعادة الاستقرار، وأن أي تلاعب بتدفق الغذاء والدواء والمأوى يهدد بانفجار اجتماعي جديد يعيد الصراع إلى نقطة الصفر.
وأشار الموقف السعودي إلى أن استمرار القيود المفروضة على المساعدات يقوض الجهود الدولية ويضعف الثقة بأي ترتيبات انتقالية، في وقت يعيش فيه قطاع غزة واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في تاريخه الحديث.
ومن هذا المنطلق، دعت الرياض إلى تحمّل المجتمع الدولي لمسؤولياته القانونية والأخلاقية، والضغط الفعلي لضمان احترام الالتزامات الإنسانية.
كما ربطت السعودية بين تثبيت الهدنة وبدء جهود التعافي المبكر، معتبرة أن إعادة تشغيل الخدمات الأساسية، وإصلاح البنى التحتية الحيوية، وتهيئة الظروف المعيشية للسكان، تمثل عناصر متلازمة لا يمكن فصلها عن أي تصور جدي للسلام.
اللجنة الوطنية ومسؤولية المرحلة الانتقالية
رحبت وزارة الخارجية السعودية بتشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، ووصفتها بأنها هيئة انتقالية مؤقتة تهدف إلى إدارة الشؤون اليومية للسكان في مرحلة حساسة تتطلب أعلى درجات التنسيق والانضباط المؤسسي.
وأكدت أهمية دعم أعمال هذه اللجنة لتمكينها من أداء مهامها بكفاءة، بعيدًا عن التجاذبات السياسية أو محاولات الإضعاف.
وشدد البيان على ضرورة أن تعمل اللجنة في إطار يحافظ على الارتباط المؤسسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بما يضمن وحدة الإدارة ووحدة القرار، ويمنع تكريس أي واقع منفصل في القطاع.
هذا التأكيد يحمل رسالة واضحة برفض أي ترتيبات انتقالية قد تتحول إلى حلول دائمة خارج إطار الدولة الفلسطينية الواحدة.
كما اعتبرت الرياض أن نجاح اللجنة الوطنية المؤقتة يتطلب غطاءً سياسيًا فلسطينيًا جامعًا، ودعمًا عربيًا ودوليًا عمليًا، يشمل التمويل، وبناء القدرات، وتسهيل حركة الأفراد والبضائع، بما يسمح بإعادة الحياة التدطريجية إلى القطاع المنهك.
غزة وعودة السلطة الفلسطينية
أكدت المملكة العربية السعودية أن وحدة قطاع غزة تمثل خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه، رافضة بشكل قاطع أي محاولات لتقسيمه أو فصله سياسيًا أو إداريًا عن الضفة الغربية.
وأوضحت أن أي مسار لا ينتهي بعودة السلطة الوطنية الفلسطينية لتولي مسؤولياتها الكاملة في القطاع سيبقى مسارًا ناقصًا وعرضة للانهيار.
وربط البيان بين إعادة الإعمار والشرعية السياسية، مشيرًا إلى أن ضخ الموارد المالية وإطلاق المشاريع الكبرى يجب أن يتم في إطار مؤسسي فلسطيني معترف به، يضمن الشفافية والمساءلة، ويحول دون تحويل الإعمار إلى أداة صراع جديدة.
كما شددت السعودية على أن إعادة الإعمار ليست عملية هندسية فقط، بل مشروع سياسي واجتماعي يعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
ويأتي هذا الموقف في سياق تحرك سعودي أوسع يسعى إلى إعادة ضبط البوصلة الدولية نحو حل شامل للقضية الفلسطينية، يقوم على إنهاء الاحتلال، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وضمان الأمن والاستقرار في المنطقة
وفي هذا الإطار، تبدو الرياض حريصة على أن تكون مرحلة ما بعد الحرب في غزة محطة تأسيسية لمسار مختلف، لا يعيد إنتاج الأزمات نفسها، ولا يترك فراغات تستثمرها الفوضى.
بهذا الطرح، ترسم السعودية معادلة واضحة: وقف نار ثابت، مساعدة إنسانية غير مقيدة، إدارة انتقالية فلسطينية موحدة، وإعادة إعمار تقود إلى سلطة شرعية واحدة على أرض فلسطينية واحدة.
معادلة ثقيلة سياسيًا، لكنها، في نظر الرياض، الطريق الوحيد لتجنيب غزة حربًا أخرى، والمنطقة انفجارًا جديدًا.

