المسار: في ظل إعادة طرح مبادرات أميركية بزعم إحياء مسار “السلام”، يثار جدل واسع حول طبيعة ما أسمته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب “مجلس السلام”، وحدود قدرته على لعب دور الوسيط في القضية الفلسطينية.
فبينما تروّج واشنطن للمجلس باعتباره إطارًا سياسيًا جديدًا، يرى أكاديميون ومحللون سياسيون ، اليوم السبت، أن “تركيبة المجلس المنحازة، وغياب التمثيل الفلسطيني، يعكسان استمرار المقاربة الأميركية التقليدية الداعمة للاحتلال، ويفتحان الباب أمام مرحلة جديدة من التعقيد وعدم الاستقرار بدلًا من تجديد الأمل بإنتاج حلول عادلة ومستدامة”.
وقال المحاضر في قسم العلوم السياسية بجامعة “إسطنبول ميديبول” محمود الرنتيسي، إن “الولايات المتحدة ما زالت تتعامل مع القضية الفلسطينية من منظور صهيوني واضح، وهو ما يتجلى في تشكيلة ما يُسمّى بـ(مجلس السلام)، التي تضم في غالبيتها شخصيات معروفة بتأييدها للاحتلال الإسرائيلي”.
وأكد الرنتيسي أن “هذه المقاربة تعيد إنتاج السياسات الأميركية ذاتها، وتعكس نية إدارة ترامب الاستمرار في دعم الاحتلال دون تقديم أي حلول حقيقية تضمن الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني”، محذرًا من أن “هذا النهج لا يقود إلا إلى مزيد من عدم الاستقرار في المنطقة”.
من جهته، قال المحلل السياسي إبراهيم المدهون إن “المجلس الذي أعلن عنه ترامب، بتشكيلة يغلب عليها الطابع الأمني والعسكري الأميركي، يكشف عن انحياز بنيوي واضح في بنيته وأدواره، إذ إن معظم أعضائه معروفون بقربهم السياسي والفكري من (إسرائيل)، وبانخراطهم المباشر في تبنّي رؤيتها الأمنية، في مقابل غياب شبه كامل لأي تمثيل فلسطيني حقيقي أو مقاربة تراعي الحقوق السياسية والوطنية للفلسطينيين”.
وأوضح المدهون أن “هذا الخلل البنيوي لا يفقد المجلس توازنه فحسب، بل ينزع عنه منذ اللحظة الأولى أي صفة للحياد أو الوساطة، ويحوّله إلى إطار منحاز يفتقر إلى الأهلية اللازمة لإدارة مسار سياسي جاد أو قيادة عملية سلام قابلة للحياة”، مشددًا على أن “مجلسًا تُصاغ قراراته بعقول منفصلة عن الواقع الفلسطيني لا يمكن أن ينتج حلولًا عادلة أو مستدامة”.
وأضاف أن “الأخطر في هذا المجلس أنه أقرب في جوهره ووظيفته إلى نموذج الوصاية السياسية المفروضة، لا إلى شراكة دولية متوازنة”، مؤكدًا أن “أي وصاية تُبنى على الإقصاء والانحياز محكومة بالفشل مهما امتلكت من أدوات ضغط أو غطاء سياسي، لأنها تصطدم بحق الفلسطينيين في التمثيل والشراكة، وبقواعد الشرعية السياسية المعترف بها دوليًا”.
وأشار المدهون إلى أن “غياب رؤساء الدول والشخصيات الدولية والإقليمية المقبولة يعزز هذا التوصيف، ويؤكد أن ما جرى الإعلان عنه ليس مجلسًا دوليًا جامعًا، بل إطارًا أميركيًا مغلقًا محدود الأفق، يفتقر إلى القبول الفلسطيني، وتحيط به تحفظات عربية وإقليمية ودولية متزايدة”.
وختم بالقول إن “هذا المجلس بصيغته الحالية لا يفتح أفقًا للاستقرار، بل يهدد بتعميق الأزمة وتعقيد المشهد في المرحلة المقبلة، ويعيد إنتاج الفشل ذاته الذي لازم محاولات فرض الحلول من الخارج، بعيدًا عن إرادة الشعوب وحقوقها الوطنية المشروعة”.
وأعلن البيت الأبيض، مساء أمس الجمعة، في بيان أسماء أعضاء ما أطلق عليه اسم “مجلس السلام” في غزة، إلى جانب الكشف عن تشكيل “مجلس غزة التنفيذي”، وذلك في إطار المساعي للانتقال إلى “المرحلة الثانية” من اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع.
وذكر البيان أنه “ولتحقيق رؤية (مجلس السلام)، الذي يترأسه الرئيس دونالد ترامب، تم تشكيل مجلس تنفيذي تأسيسي يضم قادة يتمتعون بخبرات واسعة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية”.
وأوضح أن “أعضاء المجلس التنفيذي التأسيسي المعينين هم: وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص للرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس ومستشاره السابق جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، والملياردير مارك روان، ورئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا، والمستشار السياسي الأمريكي روبرت غابرييل”.
وأشار البيان إلى أن “كل عضو في المجلس التنفيذي التأسيسي سيشرف على مجال محدد وهام لتحقيق الاستقرار والنجاح على المدى الطويل في غزة، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر: بناء القدرات في الحوكمة الإدارية، وتعزيز العلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، وتوفير التمويل واسع النطاق، وحشد رأس المال”.
كما عيّن ترامب أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين كبار لـ”مجلس السلام”، ليكونا مسؤولين عن قيادة العمليات اليومية والاستراتيجية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية على أرض الواقع، وفق البيان.
المصدر: قدس يرس
جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبرعن وجهة نظر صاحبها وليس عن وجهة نظر المسار الإخباري

