المسار: تواصل الحكومة الإسرائيلية تسريع وتوسيع المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، في خطوة تهدف إلى تقويض أي إمكانية مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا، عبر مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية وإقامة أحياء استيطانية جديدة تعزل المدن والبلدات الفلسطينية عن محيطها.
وأقدمت السلطات الإسرائيلية، خلال الأيام الماضية، على مصادرة نحو 695 دونمًا من الأراضي المصنفة كـ“أراضي دولة” لصالح إقامة حي استيطاني جديد قرب مستوطنة “كرني شومرون”، في منطقة توصف إسرائيليًا بأنها ذات أهمية إستراتيجية عالية، لما تمثله من دور محوري في قطع التواصل الجغرافي بين محافظتي سلفيت وقلقيلية.
وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، فإن الهدف المركزي من هذا التوجه يتمثل في منع نشوء تواصل جغرافي فلسطيني متصل، وتحويل المدن والبلدات الفلسطينية إلى تجمعات معزولة، الأمر الذي يضعف بشكل كبير فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن مخطط مصادرة الأراضي المحيطة بـ“كرني شومرون” مطروح على جدول أعمال الحكومات الإسرائيلية منذ سنوات طويلة، إلا أن تنفيذه تعثر سابقًا لأسباب عدة، من بينها وجود كثافة سكانية فلسطينية كبيرة في المنطقة. وأشارت إلى أن محاولات سابقة عام 2019، استندت إلى قرار حكومي يعود إلى عام 1984، لم تنجح في تجاوز العقبات القانونية والإدارية.
وأوضحت الصحيفة أن الخطوة الحالية تهدف إلى ربط مجلس “كرني شومرون” الاستيطاني بمستوطنتي “إلكانا” و“عِتس إفرايم”، المقامتين على أراضي قرية مسحة بمحافظة سلفيت، وتشمل مساحة تقارب 700 دونم أُعلنت “أراضي دولة”، إضافة إلى نحو 200 دونم أخرى مملوكة لرجال أعمال إسرائيليين، خُصصت لإقامة مساكن للمستوطنين الحريديم.
ووفق المخطط الاستيطاني، من المتوقع أن يضم المشروع آلاف الوحدات السكنية، وأن يحوّل “كرني شومرون” إلى مدينة استيطانية كبيرة، مع ربط شارع 5 بشارع 505، بما يخلق تواصلًا جغرافيًا إسرائيليًا متصلًا يقاطع القرى الفلسطينية المحيطة ويحاصرها.
ويُعد إعلان الأراضي “أراضي دولة” مرحلة إضافية في مسار المصادقة على مخططات استيطانية يُفترض تنفيذها خلال السنوات المقبلة، وتشمل إقامة مبانٍ متعددة الطوابق مخصصة للحريديم وللتيار القومي الديني، في ظل تسارع ملحوظ لتوجيه الاستيطان نحو الجمهور الحريدي.
وبحسب التقرير، تخشى قيادات الاستيطان من عدم استكمال إسكان جميع المستوطنات التي صادق عليها المجلس الوزاري المصغر (الكابينيت) قبل الانتخابات المقبلة، ما قد يفتح المجال أمام حكومة جديدة لتجميد أو إلغاء هذه التوسعات، الأمر الذي دفعها إلى استهداف الجمهور الحريدي باعتباره الأكثر قدرة على الانتقال السريع والإسكان بأعداد كبيرة.
وأشار التقرير إلى أنه خلال فترة ولاية الحكومة الحالية، أُقيمت 69 مستوطنة في الضفة الغربية، من بينها نحو 20 مستوطنة جديدة بالكامل. كما لفت إلى أن منطقة “دوروت” قرب “كرني شومرون” ليست الوحيدة المخصصة للحريديم، إذ يجري العمل أيضًا على مشاريع استيطانية مشابهة في غور الأردن، إلى جانب التخطيط لإقامة معهد ديني “يشيفا” قرب قرية العوجا التحتا.
وبيّن التقرير أن أكبر مستوطنتين في الضفة الغربية حاليًا هما حريديتان، “بيتار عيليت” و“موديعين عيليت”، مع توقع استمرار هذا التوجه بوتيرة متسارعة مقارنة بباقي المستوطنات.
وتطرقت الصحيفة إلى أن أهمية المنطقة برزت أيضًا عام 2020، مع طرح ما عُرف بـ“صفقة القرن”، التي كانت تقضي بإبقاء المنطقة تحت سيطرة فلسطينية، الأمر الذي يفسر المعارضة الشديدة للمخطط داخل أوساط الاستيطان آنذاك.
ونقلت الصحيفة عن وزير المالية الإسرائيلي والوزير في وزارة الأمن، بتسلئيل سموتريتش، قوله إن إقامة حي “دوروت” تمثل “اختراقًا كبيرًا” سيقود إلى بناء آلاف الوحدات السكنية وتحويل “كرني شومرون” إلى مدينة، معتبرًا أن ذلك يساهم في “قتل فكرة الدولة الفلسطينية” وتعزيز ما وصفه بـ“الحزام الأمني” لمنطقة تل أبيب.
في المقابل، انتقدت حركة “السلام الآن” هذه الخطوة، مؤكدة أن إقامة مستوطنة كبيرة في قلب محيط فلسطيني لا تخدم أي مصلحة أمنية أو سياسية، باستثناء مصالح ضيقة لتيارات داخل الائتلاف الحاكم ومصالح اقتصادية لجهات استيطانية، محذّرة من أن هذه السياسات تعمّق الصراع وتزيد كلفته الأمنية والإنسانية.

