المسار : كشفت قناة الجزائر الدولية المملوكة للحكومة الجزائرية، عن أن السفير الفرنسي ستيفان روماتي بات “غير مرغوب فيه” في البلاد، وذلك على خلفية مشاركته في تحقيق تلفزيوني بث على قناة فرنسية اعتبر مسيئا لرموز الدولة في الجزائر.
وأفادت القناة في برنامج “شو إيبدو” نقلا عن معلومات استقتها من مصادرها، أن السلطات الفرنسية قررت منع عائلة الدبلوماسي الجزائري الموقوف في فرنسا، والذي تصفه الجزائر بالموقوف ظلما، من زيارته، وهو ما اعتبر إجراء غير مقبول ومخالفا للأعراف الدبلوماسية والإنسانية.
وأضافت القناة أن الجزائر قررت، ردا على ذلك، تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل، من خلال منع عائلة الصحافي الفرنسي كريستوف غليز المدان بالسجن في الجزائر من زيارته، مع إبراز أن هذا القرار يأتي في إطار الرد على الإجراءات الفرنسية، وليس من منطلق استهداف فردي، علما أن عائلة الصحفي سبق لها زيارته في مناسبات أخيرة.
وشددت قناة الجزائر الدولية على أن السفير الفرنسي لم يعد مرغوبا فيه في الجزائر، مؤكدة أن “تصرفاته لا تشرف تقاليد الدبلوماسية”، وأن ما أقدمت عليه السلطات الفرنسية يعد “مرفوضا من حيث الشكل والمضمون”، لما يحمله من مساس بالأعراف المعمول بها في العلاقات بين الدول.
ولم يؤكد لحد الآن أي مصدر رسمي هذا الخبر، إلا أن البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية الجزائرية بعد بث الوثائقي الفرنسي الذي اعتبر مسيئا، تضمن في آخر فقرة فيه أن “الجزائر تحتفظ بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات التي تقتضيها خطورة مثل هذه التصرفات”.
وكان ظهور السفير روماتي في هذا الوثائقي مثار استنكار رسمي جزائري في بيان الخارجية الذي ورد فيه أن “مساهمة سفارة فرنسا بالجزائر، وكذا مشاركة السفير شخصيا في تنشيط هذه الحملة المسيئة، تُعد خرقا صريحا للأعراف والممارسات الدبلوماسية”، من شأنه أن يعزز الشعور بأن هذه الحملة “قد حظيت بتزكية من جهات رسمية فرنسية”.
وأدانت الحكومة الجزائرية بأشد العبارات البرنامج المعني وما يحمله من “اتهامات وإساءات غير مقبولة” بحق الدولة ومؤسساتها، معربة عن رفضها الشديد لتورط سفير فرنسا بالجزائر في أفعال تتعارض بوضوح مع مهامه كما تحددها القوانين والأعراف الدولية.
ولفتت الخارجية الجزائرية لدى استدعائها القائم بأعمال سفارة فرنسا بالجزائر نظر الدبلوماسي الفرنسي إلى “الخطورة البالغة” لما تضمنه البرنامج، مؤكدة أولا مسؤولية قناة من قنوات الخدمة العمومية الفرنسية في “الاعتداء الجلي على الدولة الجزائرية ومؤسساتها ورموزها”، وهو اعتداء، بحسب البيان، “لم تكن هذه القناة لتقدم عليه لولا تواطؤ أو، على أقل تقدير، موافقة الجهة العمومية الوصية عليها”.
كما شدد البيان على أن تصرف القناة الفرنسية يمثل “مرحلة جديدة في تصعيد الممارسات المعادية للجزائر”، وهي ممارسات تشرف عليها، وفق البيان، “أوساط رسمية فرنسية بهدف الإبقاء على العلاقات الجزائرية الفرنسية في حالة تأزم دائم”.
“الحرب السرية بين فرنسا والجزائر”
وكانت قناة “فرانس 2” قد بثت، ليلة الخميس الماضي، حلقة من برنامجها التحقيقي “تكلمة التحقيق” بعنوان: “الشائعات والضربات الملتوية: الحرب السرية بين فرنسا والجزائر”، تناولت ما سمته أوجها متعددة لـ“حرب سرية” بين البلدين، من بينها قضايا تتعلق بمؤثرين جزائريين، وادعاءات بشأن تجسس على معارضين في فرنسا، وشبهات حول ضغوط تمارسها أجهزة استخبارات جزائرية على منتخبين محليين من أصول جزائرية.
وظهر السفير الفرنسي في الجزائر الموجود حاليا في باريس في الوثائقي وهو يتحدث عن الأزمة، كما تم تصويره وهو يجري لقاء عن بعد مع طاقم سفارته في الجزائر، مع حديث يتناول الشأن الداخلي الجزائري.
ولم يعتد روماتي على الحديث منذ بداية الأزمة مع الجزائر صيف 2024، إلا أنه مؤخرا برز بشكل لافت في لقاءات صحفية كان آخرها مع إذاعة فرنسا الدولية، حيث تحدث عن وجود عائقين حاليا أمام تهدئة العلاقات مع الجزائر، هما “مشروع قانون تجريم الاستعمار وقضية الصحافي المدان بالسجن كريستوفر غلاز”.
وأوضح روماتي في ذات الحوار أن الإفراج عن الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني شكّل “إشارة” إيجابية في لحظة معينة، متسائلا عما إذا كان ذلك سيؤدي لنتائج ملموسة على العلاقات. وأضاف أن استمرار توقيف الصحفي كريستوفر غلاز، رغم الإفراج عن صنصال، يمثل “إشارة مضادة” تُضعف أثر تلك الخطوة، ما يعكس وجود تناقض في مسار الانفراج.
وبشأن مشروع القانون الذي صادق عليه البرلمان الجزائري لتجريم الاستعمار الفرنسي، قال السفير إن توقيت هذا التصويت جاء ليعقّد هذا المسار، مشيرا إلى أن السلطات الفرنسية اعتبرت المشروع “شكلا من أشكال العداء تجاه فرنسا”. وكان حديث روماتي، سابقا لقرار مجلس الأمة في الجزائر التحفظ على مسألتي الاعتذار والتعويض في نص القانون.
يذكر أن الرئاسة الفرنسية، كانت قد أعلنت في نيسان/أفريل 2025 عن استدعاء السفير الفرنسي في الجزائر للتشاور، فضلا عن اتخاذ قرار بطرد 12 من موظفي الشبكة القنصلية والدبلوماسية الجزائرية في فرنسا، في رد على القرار الجزائري الشبيه الذي جاء على خلفية احتجاز موظف قنصلي جزائري بمزاعم المشاركة في اختطاف ناشط على الأراضي الفرنسية.
وكان السفير الفرنسي قد بدأ مهامه في تموز/جويلية 2023 خلفا لفرانسوا غويات الذي أحيل على التقاعد. وسبق لروماتي أن اشتغل سفيرا في القاهرة بين سنتي 2017 و2019، ثم شغل منصب مدير مركز الأزمات والدعم في وزارة الخارجية منذ عام 2021.

