المسار: تعيش الضفة الغربية واحدة من أصعب مراحلها الاقتصادية في السنوات الأخيرة، في ظل واقع أمني خانق وإغلاقات متكررة تقوم بها قوات الاحتلال انعكست بشكل مباشر على حياة الفلسطينيين.
ودَفعت هذه الاجراءات الاقتصاد المحلي إلى حالة يمكن وصفها بـ”اقتصاد الانتظار”، حيث تُؤجَّل القرارات المصيرية، وتتجمّد المشاريع، ويُدار اليوم بيومه دون أفق واضح للمستقبل.
ووفق بيانات رسمية صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ معدل البطالة في الضفة الغربية نحو 31%، وهو من أعلى المعدلات المسجلة منذ سنوات، فيما تشير تقديرات دولية إلى أن النسبة مرشحة للارتفاع مع استمرار القيود على الحركة والعمل.
شباب بلا أفق…العمل حلم مؤجل
في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، يقول محمد دويك (29 عاماً)، خريج جامعي، إنه يبحث عن عمل منذ أكثر من عام: “بعد التخرج كنت أخطط لافتتاح مشروع صغير، لكن كل شيء مؤجل. الوضع غير مستقر، والطرق قد تُغلق في أي وقت، ولا أحد يغامر بالاستثمار”.
ويضيف : أن أسرته تعتمد حالياً على دخل متقطع: “حتى من يعمل، لا يعمل بانتظام، الجميع يعيش حالة انتظار”.
وتُظهر الأرقام أن عدد العاملين في الضفة انخفض بنحو 20% مقارنة بما قبل عام 2023، نتيجة توقف آلاف العمال عن العمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948، بعد أن كانت تصاريح العمل مصدراً أساسياً للدخل لعشرات آلاف العائلات.
تجارة مشلولة: محال مفتوحة بلا حركة
في سوق البلدة القديمة بالخليل، يقف أبو خالد داخل متجره منذ ساعات الصباح، دون حركة تُذكر، ويقول: “المحل مفتوح، لكن البيع شبه معدوم، الناس تشتري الضروري فقط، لأنها تخشى القادم”.
ويؤكد أن الإغلاقات المفاجئة والحواجز العسكرية كسرت استقرار السوق:”لا يمكن للتاجر أن يخطط، ولا أن يوسّع عمله، حتى الاستمرار أصبح تحدياً”.
وتشير بيانات اقتصادية إلى تراجع الاستهلاك في الضفة الغربية بأكثر من 10% خلال العامين الأخيرين، في ظل تراجع الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.
قراءة اقتصادية: الانتظار كأداة ضغط
يرى مختصون اقتصاديون أن الاحتلال لا يعمد إلى شلّ الاقتصاد بالكامل، بل يُبقيه في حالة عدم يقين دائمة.
ويقول الخبير الاقتصادي محمد جاد الله عبر حسابه على فيسبوك:”هذه الحالة تُضعف الاستثمار، وتحوّل المجتمع إلى إدارة الأزمات اليومية بدل التخطيط للمستقبل، وهو ما ينعكس على النمو والاستقرار الاجتماعي”.
وتشير تقديرات دولية إلى أن الناتج المحلي في الضفة الغربية سجل تراجعاً ملحوظاً خلال الفترة الماضية، مع انكماش واضح في قطاعات التجارة والخدمات والإنشاءات.
في الضفة الغربية، لا تتوقف الحياة بقرار واحد، لكنها تُؤجَّل باستمرار. بين حاجز وإغلاق، وبين اقتحام وأزمة اقتصادية، يتشكّل واقع يقوم على الانتظار الطويل: انتظار وظيفة، مشروع، بيت، أو حتى يوم عادي بلا مفاجآت.
وفي هذا الانتظار المستمر، يدفع الفلسطيني ثمناً مضاعفاً، ليس فقط من دخله، بل من عمره وأحلامه المؤجلة.
المصدر: قدس برس

