د.ماهر عامر/قراءة قانونية–سياسية نقدية لمسودة مشروع الدستور المؤقت لدولة فلسطين

المسار : في ضوء المرجعيات الوطنية الفلسطينية، وبما يراعي خصوصية الحالة الفلسطينية بوصفها حالة تحرر وطني لشعب ما زال يرزح تحت الاحتلال، وتتعرض أرضه للتجزئة والاستيطان والضم، ويعيش جزء كبير من شعبه في الشتات واللجوء.
تنطلق هذه الملاحظات من قناعة راسخة بأن الدستور ليس مجرد نص قانوني تنظيمي، بل عقد اجتماعي وسياسي يؤسس لشرعية الحكم، ويعكس طبيعة المرحلة التاريخية، ويحدد بوصلة المشروع الوطني. وانطلاقًا من ذلك، فإن أي دستور مؤقت في الحالة الفلسطينية ينبغي أن يكون دستور تحرر يؤسس للدولة، لا دستور سلطة موسعة تتكيف مع واقع الاحتلال.
إلا أن مشروع الدستور المؤقت بصيغته الحالية يمنح، في العديد من مواده، صلاحيات واسعة للسلطة التنفيذية ممثلة برئيس الدولة، ويجعل منه صاحب الولاية العليا في قضايا جوهرية، بما يؤدي عمليًا إلى التحول من نظام برلماني قائم على الإرادة الشعبية إلى نمط حكم فردي متمركز حول شخص الرئيس.
أولًا: إشكالية المرجعية الدستورية العليا
لا يحسم مشروع الدستور المؤقت بشكل واضح مسألة المرجعية الدستورية العليا للشعب الفلسطيني، وهو ما يفتح الباب أمام تأويلات تمس جوهر النظام السياسي الفلسطيني وتاريخه النضالي. كما يتجاهل بشكل صريح المرجعيات الوطنية المؤسسة، وفي مقدمتها:
القانون الأساسي المعدل لعام 2003، الذي نص بوضوح على الدور المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها المرجعية الوطنية العليا.
وثيقة إعلان الاستقلال لعام 1988، الصادرة عن المجلس الوطني الفلسطيني بصفته الإطار التمثيلي الأعلى للشعب الفلسطيني.
وتتحدث المسودة باسم “دولة فلسطين” بصفتها كيانًا افتراضيًا لا تتوافر له على الأرض أي من مقومات الدولة أو مظاهر السيادة، دون أن تحسم العلاقة بين المكونات الثلاثة التي شكّلت بنية النظام السياسي الفلسطيني منذ اتفاق أوسلو، وهي: دولة فلسطين، منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية التي أُنشئت بقرار من المجلس المركزي الفلسطيني بوصفها إحدى أدوات منظمة التحرير.
إن غياب الحسم في هذه العلاقة يمثل العقدة البنيوية الأساسية في النظام السياسي الفلسطيني.
ثانيًا: منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني
تنص المادة (11) من مشروع الدستور على أن قيام دولة فلسطين لا ينتقص من مكانة منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. غير أن هذا النص، بصيغته الحالية، لا يرقى إلى مستوى الحسم الدستوري المطلوب.
في ظل استمرار الاحتلال، وعدم اكتمال مقومات السيادة، وغياب انتخابات وطنية شاملة تشمل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، تبقى منظمة التحرير الفلسطينية الائتلاف الوطني الجامع، والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والمرجعية السياسية والدستورية العليا، والمدخل القانوني الحقيقي لإقامة الدولة وبسط سيادتها. فقد جسدت المنظمة القرار الوطني المستقل، وانتزعت الاعتراف الدولي بها من أعلى هيئة دولية، وهي الأمم المتحدة، ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني.
وعليه، فإن الميثاق الوطني الفلسطيني ووثيقة إعلان الاستقلال لعام 1988 يشكلان المرجعية السياسية والقانونية العليا، ولا يجوز لأي دستور مؤقت أن يُفسَّر أو يُطبَّق بما يتعارض معهما.
ويترتب على ذلك ضرورة النص الصريح على أن المجلس الوطني الفلسطيني هو السلطة التأسيسية والتشريعية العليا، وصاحب الولاية في إقرار التشريعات الدستورية، إلى حين زوال الاحتلال وإجراء انتخابات وطنية شاملة، وأن أي دستور مؤقت يستمد شرعيته من المجلس الوطني، لا العكس.
إن غياب هذا الحسم قد يؤدي، من حيث لا تقصد المسودة، إلى تكريس مسار خطير يتمثل في استبدال منظمة التحرير بهياكل حكومية أو تكنوقراطية ومسميات افتراضية لا تجسيد لها على أرض الواقع، بما يخلق وهم الدولة في ظل استمرار الاحتلال، وتعميق الاستيطان، وتهويد القدس عاصمة دولة فلسطين الأبدية، وهو ما يمس جوهر المشروع الوطني الفلسطيني.
ثالثًا: السلطة الفلسطينية وإشكالية الانتقال
تختفي “السلطة الفلسطينية” اسميًا من نص مشروع الدستور، لكنها تعود فعليًا من خلال مفهوم “حكومة دولة فلسطين”، حيث يُعاد تدوير المؤسسات القائمة ذاتها – الرئاسة، الحكومة، والأجهزة الأمنية والإدارية – في قالب دستوري جديد، دون تحديد واضح لكيفية الانتقال القانوني من سلطة نشأت بموجب اتفاق انتقالي (أوسلو) إلى دولة يُفترض أنها تعلو على تلك الاتفاقات.
إن تجاهل هذه الإشكالية لا يؤسس لدولة، بل يشرعن واقع السلطة القائم، ويحوّل الدستور من أداة تحرر وبناء سيادة إلى غطاء دستوري لتوسيع صلاحيات سلطة انتقالية تتكيف مع واقع الاحتلال وتكتفي بالشعارات الفضفاضة.
رابعًا: الدولة تحت الاحتلال وحدود السيادة
تصف المسودة فلسطين بأنها “دولة تحت الاحتلال”، لكنها لا توضّح كيفية إدارة دولة واقعة تحت الاحتلال، ولا تحدد العلاقة بين القانون الدولي والواقع الانتقالي، ولا تبيّن آليات تحويل الاعتراف الدولي إلى ممارسة سيادية فعلية.
كما تتجاهل المسودة مصير الاتفاقات السابقة، وعلى رأسها اتفاقات أوسلو، ولا توضح كيفية مواءمتها مع توصيف فلسطين كدولة تحت الاحتلال وفق القانون الدولي. وكذلك مع قرارات المجلسين الوطني والمركزي بخصوص هذه الاتفاقيات.
وكان من الضروري أن يعالج الدستور أسئلة سيادية جوهرية، من قبيل:من يملك حق إعلان الدولة؟
من يفاوض باسمها؟
من يقرر السلم والحرب؟
إن غياب الإجابة الواضحة عن هذه الأسئلة يجعل النص أقرب إلى دستور سلطة موسّعة منه إلى دستور تحرر وطني.
خامسًا: ملاحظات على بعض المواد التنفيذية
تثير بعض المواد من مشروع الدستور، التي تمنح رئيس الدولة حق تعيين نائب له، وحل البرلمان إشكالية دستورية تمس مبدأ السيادة الشعبية والتفويض الديمقراطي، إذ إن إسناد صلاحيات رئاسية محتملة لشخص غير منتخب يتعارض مع المبادئ الديمقراطية المستقرة. والأصل أن يُنتخب الرئيس ونائبه معًا عبر انتخابات عامة ومباشرة، ضمانًا لوضوح الشرعية واحترام إرادة الشعب.
سادسًا: آليات إقرار الدستور والشرعية الشعبية
تشكل آليات إقرار الدستور أحد أهم معايير شرعيته، إذ لا تُستمد الشرعية من النصوص وحدها، بل من كون الدستور تعبيرًا مباشرًا عن الإرادة الحرة للشعب صاحب السيادة.
وفي الحالة الفلسطينية، تبرز إشكالية جوهرية تتعلق باستحالة تنظيم استفتاء دستوري أو انتخابات وطنية شاملة تشمل القدس وقطاع غزة والشتات، في ظل الاحتلال، والحصار، والانقسام، وسياسات الضم والتهويد، فضلًا عن القيود المفروضة على اللاجئين في دول اللجوء.
إن هذه المعوقات تُضعف الشرعية الشعبية لأي دستور، مهما بلغت جودة صياغته، ولا يجوز القفز عنها أو تجاهلها. وفي هذا السياق، يبرز المجلس الوطني الفلسطيني بوصفه الإطار التمثيلي الجامع والأقدر، من حيث المبدأ، على التعبير عن الإرادة الوطنية العامة، رغم ما يواجهه بدوره من تحديات سياسية وقانونية جسيمة.
وعليه، فإن أي دستور مؤقت مطالب بمعالجة هذه الإشكالية بوضوح ومسؤولية، عبر:
اعتماد شرعية تمثيلية انتقالية تستند إلى منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني.
النص الصريح على الالتزام بعرض الدستور الدائم مستقبلًا على الشعب الفلسطيني بكافة مكوناته، متى تهيأت الظروف السياسية والقانونية لذلك.
إن الدستور ليس نصًا قانونيًا عاديًا، بل عقدًا اجتماعيًا وسياسيًا يؤسس لشرعية الحكم واستقرار النظام السياسي. وأي مسودة لا تحسم مسألة المرجعية العليا، ولا تخضع الدولة لمتطلبات مرحلة التحرر الوطني، ولا تعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني، تُخاطر بتكريس واقع السلطة بدل تأسيس واقع الدولة.

وعليه، تبرز الحاجة إلى:
1. إدراج باب واضح يحدد مكانة منظمة التحرير الفلسطينية كمرجعية دستورية عليا.
2. النص صراحة على أن المجلس الوطني الفلسطيني هو صاحب الولاية التأسيسية والتشريعية.
3. وضع مواد انتقالية تُحوّل السلطة إلى حكومة تنفيذية تابعة للدولة.
4. تحديد العلاقة القانونية مع الاتفاقات السابقة وفق قرارات المجلسين الوطني والمركزي.
5. دعوة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ورئاسة المجلس الوطني، وأساتذة القانون، ونقابة المحامين، ومنظمات حقوق الإنسان، إلى عقد ورشات عمل متخصصة لتقييم المشروع وتقديم التعديلات اللازمة، بما ينسجم مع مصالح الشعب الفلسطيني ويعزز الحكم الرشيد والاستقرار السياسي

د.ماهر عامر

Maheramer7@gmail.com

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار الإخباري

Share This Article