المسار :في مشهدٍ تختلط فيه الذاكرة بالوجع، والأمل بمرارة الفقد، يطلّ شهر رمضان هذا العام على قطاع غزة، مثقلًا بسنواتٍ من العدوان، ومحاطًا بواقع النزوح الذي فرضه جيش الاحتلال الإسرائيلي على آلاف العائلات الفلسطينية.
ورغم أنقاض المنازل، وعلى أطراف الخيام المؤقتة التي تحولت إلى مساكن دائمة، تتدلّى فوانيس صغيرة صنعتها أيادٍ أنهكها النزوح، وتُشدّ خيوط زينة بسيطة على شوادر مهترئة، في محاولةٍ لإعلان أن روح الحياة أقوى من آلة الحرب.
خيمتي الرمضانية كبرت.. وصارت بيت النزوح
من داخل خيمة نزوحها وسط قطاع غزة، تغالب السيدة “أم محمد” دموعها، مسترجعةً طقوس استقبال رمضان التي كانت تُحييها في منزلها الذي دمّرته الحرب.
تقول:
“كنت أستقبل رمضان كأنه ضيف عزيز، أُعدّ له زاوية خاصة في بيتي؛ خيمة صغيرة تتدلّى فيها الفوانيس، تتناثر على أرضها الوسادات، وتفوح منها رائحة البخور… لم أكن أعلم أن هذه الخيمة ستكبر بعد عام لتصبح بيتنا الوحيد.”
وتضيف أن فرحة أطفالها كانت كبيرة حين علّقت بعض الزينة البسيطة داخل الخيمة، وكأن المكان استعـاد شيئًا من منزلهم القديم الذي هُدم تحت القصف.
نبيع الزينة لنُدخل البهجة
في الأسواق المتناثرة بين الأزقة بمدينة دير البلح، يقف أحمد أبو ناصر – وهو نازح من مدينة رفح – خلف بسطة صغيرة يرصّ عليها فوانيس رمضان وأحبال الزينة بعناية، بعدما فقد منزله خلال الحرب.
يقول:
“نبيع زينة رمضان اليوم ليس للتجارة فقط، بل لإدخال البهجة إلى قلوب الأطفال والكبار، لعلّ هذا الشهر يحمل بعض الطمأنينة بعد سنوات النزوح والخوف.”
ورغم الخسارات، يحاول أبو ناصر إعادة شيءٍ من دفء الأيام الماضية عبر تعليق الزينة داخل البيت المستأجر الذي لجأ إليه مع عائلته.
أول رمضان داخل خيمة
أما راوية قنيطة، فتستعد لاستقبال أول رمضان لها داخل خيمة نزوح في دير البلح، بلا جدران ولا سقف ثابت.
تقول:
“في العام الأول من الحرب لجأنا إلى بيت مستأجر، ثم عدنا إلى منزلنا ظنًا أن الأسوأ قد مضى، لكن هذه المرة تهدمت جميع بيوتنا.”
وتضيف أن أكثر ما يثقل قلبها هو الخوف من أن يمرّ رمضان بلا ملامحه المعتادة؛ بلا أضواء، بلا فوانيس، وبلا دفء التجمعات العائلية التي كانت تميّز لياليه.
مساجد متضررة.. وإيمان لا ينكسر
وفي ساحة مسجدٍ صغيرٍ متضرّر بفعل القصف، تجلس معلمة القرآن مروة شكري إلى جانب مجموعة من الفتيات، يتدارسن كتاب الله، بينما تنتشر الفوانيس الورقية وعبارات التهنئة على جدران أنهكها العدوان.
تؤكد المعلمة أن محاولات الاحتلال لتدمير المساجد وطمس الهوية الدينية لم تنجح في إخماد جذوة الإيمان في قلوب الفلسطينيين، مشيرةً إلى أن حلقات التحفيظ وصلاة التراويح ستبقى عنوانًا للصمود في وجه الحرب.

