المسار : يستقبل الشعب الفلسطيني شهر رمضان هذا العام في ظرفٍ هو من الأشد قسوة في تاريخنا القريب؛ واقعٌ مثقل بالفقد والنزوح والضيق الاقتصادي، والانتهاك اليومي للحياة الإنسانية والكرامة والمستقبل. وفي مثل هذه اللحظات الوجودية، لا يعود رمضان مجرد مناسبة دينية أو طقس اجتماعي، بل يتحول إلى اختبارٍ عميق لقيم الرحمة والعدل والتكافل داخل المجتمع. لذلك ونحن نستقبل الشهر الفضيل ندعو شعبنا الصامد والمرابط إلى التوقف عند قيم التساند والتعاضد في هذا الظرف الصعب على الجميع.
القيمة الأولى التي ينبغي التمسك بها أو استعادتها في رمضان ما بعد الإبادة والضم، هي قيمة العطاء المسؤول. لأن رمضان ليس شهر الإفراط بالاستهلاك ولا التباهي بوفرة الموائد، بل شهر الشعور بالآخرين، وخاصة أهلنا في قطاع غزة الذين يقاسون في الحصول على لقمتهم بكرامة. فكل طعامٍ يُهدر هو حقٌّ ضائع لعائلة محتاجة أو جائعة، وكل هدر على المائدة يقابله بيتٌ عاجز عن توفير الحد الأدنى من الاحتياجات. فالكرم الرمضاني ليس بكثرة الأطباق والأصناف، بل بوصول الخير إلى من يحتاجه فعلًا.
القيمة الثانية التي ينبغي على العائلات الانتباه لها هي أوضاع ربات البيوت في العائلة، اللواتي يتضاعف عملهن غير المرئي تحت الضغط؛ إدارة البيت في ظل الغلاء، تأمين الطعام، رعاية الأطفال والمرضى وكبار السن، بينما هنّ أنفسهن مثقلات بالتعب. وفي رمضان تحديدًا تتضاعف الأعباء، ويُطلب من النساء صناعة أجواء الرحمة دون أن يجدن من يصنع الرحمة لهنّ. لذلك يجب أن يكون حديثنا عن العدالة قبل أي شيء آخر، والعدالة تبدأ من الانتباه إلى الأكثر هشاشة: الأرامل، المعيلات للأسر، الفاقدات لأحبتهن، والنساء اللواتي فقدن مصدر الدخل والأمان معًا. هؤلاء لا يحتجن إلى كلمات مواساة فقط، بل إلى دعمٍ حقيقي يحفظ الكرامة، ومساعدات عادلة، وأمان غذائي، ودعم نفسي واجتماعي، وشعور حقيقي بأن المجتمع لا يتركهن وحدهن في مواجهة الألم.
أما القيمة الثالثة، وربما الأهم، فهي العدالة داخل الأسرة نفسها. لا يمكن أن نتحدث عن الرحمة في المجتمع إذا لم يتم تقاسم الأعباء المنزلية، ليس باعتباره “مساعدة” للنساء، بل باعتباره مسؤولية مشتركة. احترام تعب النساء وعدم إنهاكهن، ومنحهن وقتًا للراحة والعبادة، هو المعنى الحقيقي للصوم الذي يقوم على التضامن والرحمة والعدالة.
كما ندعو في رمضان إلى الالتزام بالمقاطعة الاقتصادية لبضائع الاحتلال، وألّا تكون أسواق الضفة الغربية السوق الأول لمنتجاته، وخاصة منتجات المستوطنات من التمور والألبان وغيرها. إن مقاطعة هذه البضائع ليست خيارًا استهلاكيًا فحسب، بل موقف وطني وأخلاقي يعزز صمود شعبنا، ويدعم المنتج الوطني، ويساهم في تنمية الاقتصاد الفلسطيني في مواجهة قرصنة الاحتلال وقيوده على مواردنا وأسواقنا. فكل شيكل يُنفق على المنتج الوطني هو استثمار في بقاء مجتمعنا وكرامته وقدرته على الصمود.
رمضان التضامن، رمضان الخير والكرامة،
وكل عام وشعبنا أقرب إلى الحرية والعدالة والكرامة.
المكتب التنفيذي لاتحاد لجان العمل النسائي الفلسطيني
18/2/2026

