| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
يديعوت 20/2/2026
يخطط ترامب لقصف متواصل واسع النطاق، بمشاركة سلاح الجو الاسرائيلي والموساد
بقلم: رون بن يشاي
في نهاية الأسبوع الماضي، طرأ تحول جذري على طريقة إدارة دونالد ترامب للمواجهة مع إيران. صحيح أن الرئيس الأمريكي لا يزال مصممًا على استنفاد قنوات التفاوض لمنع الجمهورية الإسلامية نهائيًا من تطوير وإنتاج أسلحة نووية. كما يعتزم مواصلة ممارسة أقصى قدر من الضغط الاقتصادي، مع توجيه تهديد عسكري حقيقي لآيات الله خلال المفاوضات. لكن سياسته بشأن استخدام القوة الأمريكية في حال فشل المفاوضات قد تغيرت جذرياً.
فبدلاً من تحرك قوي ولكنه محدود المدة (يوم أو يومين، كما حدث في فنزويلا)، تعمل وكالات الاستخبارات الأمريكية، والبنتاغون، والقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) الآن على حملة هجومية واسعة النطاق وطويلة الأمد نسبياً في جميع أنحاء الأراضي الإيرانية. ستكون هذه الحملة على غرار عملية الاسد الصاعد (حرب الأيام الاثني عشر)، ولكنها ستكون أقوى بكثير – هجومياً ودفاعياً، وربما أطول أيضاً.
ستشمل هذه الحملة أيضاً عنصراً هاماً من الوسائل والعمليات لحماية القواعد الأمريكية وحلفائها في المنطقة، ومنشآت إنتاج الطاقة، وطرق النقل. لكن ما يضفي المصداقية والأهمية العملية لهذا التغيير في أبعاد التهديد العسكري الأمريكي هو الأمر العملياتي الذي أصدره البنتاغون يوم الخميس الماضي لحاملة الطائرات “جيرالد فورد” وسفن القوة البحرية التي تقودها بالتوجه غرباً نحو الشرق الأوسط.
“جيرالد فورد” هي أحدث حاملة طائرات في البحرية الأمريكية. يضم جناحها الجوي 75 طائرة مقاتلة، بما في ذلك سرب من طائرات إف-35 سي، بالإضافة إلى طائرات إف-16 وإف-18، لكن ميزتها الأساسية تكمن في مرافقها وهيكلها، مما يسمح لها بتنفيذ 150 طلعة جوية قتالية يوميًا، مقارنةً بـ 120 طلعة لحاملات الطائرات الأقدم مثل “أبراهام لينكولن”، التي تبحر حاليًا في خليج عُمان بقوة مهامها المكونة من ثلاث مدمرات صواريخ موجهة، وغواصة، وسفن أخرى.
وتضم قوة مهام “جيرالد فورد” ست مدمرات صواريخ موجهة، وربما غواصة قادرة على إطلاق 150 صاروخ توماهوك كروز. وفي إطار “الخطة العملياتية الموجزة”، خطط البنتاغون لإرسال حاملة طائرات ثانية إلى منطقتنا، وهي “جورج بوش”. لكن بالنظر إلى قدرة حاملة الطائرات جيرالد فورد على إطلاق وابل ناري أكبر من على متنها في وقت أقصر، تقرر استبدال حاملة الطائرات بوش القديمة من فئة نيميتز بحاملة الطائرات فورد الجديدة، التي كانت قد تواجدت قبالة سواحل إيران بعد 7 أكتوبر، مُنفذةً بذلك التهديد الذي وجهه الرئيس بايدن لإيران بعدم الانضمام إلى حلفائها في الحرب ضد إسرائيل.
ووفقًا لمعلومات نُشرت مؤخرًا في واشنطن، يبدو أن حاملة الطائرات فورد ستتمركز في البحر الأبيض المتوسط، قبالة الساحل الشمالي لإسرائيل، وليس في البحر الأحمر أو بحر العرب. وذلك لكي تشارك طائراتها وصواريخها المدمرة ضمن قوتها البحرية في الدفاع عن دولة إسرائيل ومهاجمة أهداف في شمال وغرب إيران. ويهدف هذا أيضًا إلى ضمان جاهزية القوات الأمريكية بالكامل بحلول نهاية الأسبوع المقبل. في ذلك الوقت، ستضم القوة البحرية المتمركزة في المنطقة حاملتي طائرات، وما بين 11 و13 مدمرة صواريخ (تحمل صواريخ كروز واعتراضية)، وغواصتين أو ثلاث غواصات، وعشر سفن إنزال وإمداد. سيُجبر نشر حاملات الطائرات “فورد” في البحر الأبيض المتوسط الإيرانيين على تشتيت جهودهم الدفاعية.
سيبلغ عدد القوات الجوية المتمركزة على حاملات الطائرات وفي القواعد الأمريكية في المنطقة (ومن أهمها قاعدة موفق السلطي في الأردن) 250 طائرة مقاتلة قاذفة من جميع الأنواع (150 منها على متن حاملات الطائرات)، ونحو 70 طائرة للتزود بالوقود، معظمها لا يزال في أوروبا، و30 طائرة إنذار مبكر واستخبارات وحرب إلكترونية، بعضها على حاملات الطائرات والباقي في القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط واليونان. إضافةً إلى ذلك، تُزوّد الولايات المتحدة دول المنطقة ببطاريات باتريوت وبطاريات ثاد للاعتراض بعيد المدى. هذه قوة بالغة الأهمية، من شأنها – لا سيما بانضمام سلاح الجو الإسرائيلي إليها – أن توفر ليس فقط قدرات هجومية بدقة وقوة تدميرية لم يشهدها الشرق الأوسط من قبل، بل أيضاً دفاعاً فعالاً ضد الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الهجومية وصواريخ كروز.
سيكون المقدر الهجومي الرئيسي المتاح للقيادة المركزية الأمريكية أكثر من ألف صاروخ كروز من طراز “توماهوك” دقيق، بمدى يصل إلى حوالي 1700 كيلومتر، يُطلق من المدمرات والغواصات. في الوقت نفسه، تُعزز بريطانيا وجود طائرات مقاتلة في قبرص، ومن المتوقع أن تُشارك في الجهود الدفاعية لاعتراض الطائرات المسيّرة الهجومية وصواريخ كروز الإيرانية.
ووفقاً لمصادر أمريكية، قرر ترامب اعتماد “ضربات متواصلة” تستمر لأسابيع بدلاً من “ضربة خاطفة وقوية وحاسمة”، لأن البنتاغون وخبراء عسكريين أمريكيين، بالإضافة إلى نتنياهو وكبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين الذين زاروا واشنطن، أقنعوه بأن عملية قصيرة، مهما بلغت قوتها، لن تُحقق أيًا من الأهداف. لن يمنع ذلك إيران من مواصلة تطوير الأسلحة النووية، بل سيؤخر البرنامج فقط؛ ولن يُحدث تغييرًا جذريًا في نظام آيات الله، وبالتأكيد لن يُطيح به. إن مجرد التهديد بالخيار العسكري لن يكون كافيًا لتحفيز خامنئي على تقديم التنازلات التي يطالب بها ترامب، بما في ذلك الحد من إنتاج الصواريخ الباليستية ووقف تمويل الإرهاب. ويُقدّر أنه بعد انتكاسة قصيرة، سيظل النظام في طهران يمتلك قدرة كبيرة على إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الهجومية، وإغلاق مضيق هرمز، وتهديد القواعد الأمريكية الإحدى عشرة في المنطقة، ودول الخليج، وإسرائيل.
لذا، فإن الحملة المخطط لها حاليًا أكثر طموحًا في أهدافها:
– الهدف الأول هو إضعاف قدرة النظام وأجهزته الأمنية على السيطرة على المواطنين وقمع الاحتجاجات. ومن الممكن افتراض أن هذا يشمل أيضًا عمليات سرية وعمليات خاصة تهدف إلى تمكين الشعب الإيراني من الاعتماد على نفسه؛ أي تنظيم صفوفه وتوحيدها حول قادة محليين ومنفيين (مثل رضا بهلوي، نجل الشاه الراحل)، والنزول إلى الشوارع، وربما اللجوء إلى المقاومة المسلحة.
كل هذا يتطلب وقتًا. إن سحق آليات القمع بشكل مستمر – وعلى رأسها قوات الباسيج والحرس الثوري – سيمكن الجماهير من النزول إلى الشوارع ويمنحها شعورًا بالدعم الحقيقي، وفي الوقت نفسه سيضعف بشكل كبير قواعد قوة النظام وقدرته على تهديد شعبه وجيرانه.
مع ذلك، تُضيف وكالات الاستخبارات الأمريكية المعنية، بالإضافة إلى مديرية الاستخبارات والموساد ومصادر استخباراتية عربية وتركية، علامة استفهام إلى تقييماتها، مؤكدةً أنه لا يوجد يقين بأن عملاً أمريكياً إسرائيلياً مشتركاً وقوياً سيؤدي فعلاً إلى انهيار النظام في طهران.
– الهدف الثاني هو استكمال تدمير المنشآت النووية لتمديد الفترة الزمنية اللازمة لإيران لاستئناف مشروع تخصيب اليورانيوم ومشروع تطوير الرؤوس الحربية النووية لسنوات عديدة. ستدرك إيران أيضاً أنها تخضع لمراقبة استخباراتية دقيقة من قِبل الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين ستُعاودان الهجوم فوراً إذا حاولت استغلال اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، والذي تمتلك منه حالياً 408 كيلوغرامات (كمية تكفي لصنع عشر قنابل). ويُؤمل أن يُجبر هذا خامنئي على التنازل أمام مطلب الولايات المتحدة بوقف كامل لجهود تطوير الأسلحة النووية.
– الهدف الثالث هو تدمير معظم قدرات إيران على تطوير وإنتاج وتخزين وإطلاق الصواريخ الباليستية بجميع أنواعها ومدى إطلاقها. حتى لو بقي النظام في السلطة، فلن يتمكن من تهديد إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج. في مثل هذه الحالة، من المرجح أن تفضل إيران التوصل إلى اتفاق يحد من كمية ومدى الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة التي تمتلكها، وإنهاء دعمها لوكلائها.
– الهدف الرابع هو فرض الاتفاق من خلال رقابة دولية مكثفة، بما في ذلك عمليات تفتيش مفاجئة في جميع أنحاء الأراضي الإيرانية.
رحلة جوية مباشرة من الولايات المتحدة
سواء شنت الولايات المتحدة هجومًا أوليًا، أو حاولت إيران شن ضربة استباقية، فهذا يعني أننا سنضطر للبقاء في الملاجئ والتحصينات لمدة تصل إلى عشرة أيام، وسيواجه من هم في الخارج صعوبة في إيجاد رحلة عودة. يستند هذا التقييم إلى افتراض أن هجومًا مشتركًا من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل سيلحق ضررًا أكبر وأسرع بكمية أكبر من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وقدرات إطلاقها مقارنةً بالهجوم الإسرائيلي في “الأسد الصاعد”. إضافةً إلى ذلك، من المرجح أن تحاول إيران ضرب القواعد والسفن الأمريكية في المنطقة، وستُجبر على تشتيت جهودها بدلًا من تركيزها على إسرائيل.
مع ذلك، يجب الأخذ في الاعتبار أن حزب الله والحوثيين والميليشيات العراقية قد يوفون بوعودهم بمساعدة الإيرانيين، رغم محدودية قدراتهم وعدم رغبة حزب الله في القتال. ووفقًا لتقسيم العمل، ستتولى إسرائيل في هذه الحالة إدارة الجبهتين اللبنانية واليمنية.
ورغم رياح الحرب التي تهب من حولنا، فمن المرجح ألا نعرف قبل نهاية الأسبوع المقبل ما إذا كان الأمريكيون سيشنون هجومًا ومتى. ويتزامن هذا تقريبًا مع وصول قوة حاملة الطائرات فورد إلى حوض شرق المتوسط، وعندها سيكتمل تعزيز القوة البحرية والجوية الأمريكية (والبريطانية).
أما قاذفات القنابل بعيدة المدى من طراز B2 وB52، وهي الوحيدة القادرة على حمل القنابل الثقيلة المضادة للتحصينات، فلم تصل بعد إلى المنطقة أو أوروبا. وقد تصل في رحلة مباشرة من الولايات المتحدة خلال المرحلة الأولى من الضربة حتى لا تُفسد عنصر المفاجأة.
من المرجح أن ينصح البنتاغون والقيادة المركزية الأمريكية ترامب بالانتظار حتى نهاية شهر رمضان، أي بعد منتصف آذار. ففي هذا الوقت تبلغ الحماسة الدينية ذروتها، مما يُسهّل على النظام تحريض الجماهير ضد “الكفار” الذين يهاجمونهم، وردع المتظاهرين عن النزول إلى الشوارع. وقد لا يرغب الأمريكيون أيضاً في إثارة اضطرابات إسلامية تُفسد فرحة العيد على حكام الدول النفطية وأردوغان.
لكن زمام المبادرة ليس بيد الولايات المتحدة وحدها. لا يزال هناك احتمال، وإن كان ضئيلاً، أن تُحاول إيران شنّ ضربة استباقية، واحتمالٌ أكثر ترجيحاً هو أن تتوصل عناصر الأمن غير المتمرسة والمتوترة في طهران إلى استنتاج خاطئ بأن الهجوم قد بدأ بالفعل، فتسارع إلى الرد. وقد وضعت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ونظام الإنذار المبكر، وأنظمة الدفاع الجوي، وقيادة الجبهة الداخلية، حالة تأهب تحسباً لأي من هذين السيناريوهين. لكن السيناريو الأرجح الذي نستعد له هنا هو هجوم أمريكي، تشارك فيه إسرائيل.
قلق قطري
نُوقشت هذه الشراكة في القدس وواشنطن، وكذلك في الكريا بتل أبيب، منذ أن غرد ترامب الشهر الماضي للمتظاهرين في إيران قائلاً: “المساعدة قادمة”. لكنها اتخذت شكلاً عملياً في الاجتماع الأخير بينه وبين نتنياهو في واشنطن يوم الأربعاء قبل أسبوعين، والذي وصفه رئيس الوزراء بأنه ناجح.
دفعت الموجة الأخيرة من الاحتجاجات الشعب الإيراني إلى ما تسميه الوكالة الدولية للطاقة الذرية “وضعاً ثورياً” – وهو وضع لم يشهده منذ الثورة الإسلامية عام 1979. يدرك ترامب الآن أنه إذا لم يتلقَ المتظاهرون في إيران دعماً خارجياً، فقد يتلاشى “الوضع الثوري” لسنوات عديدة، وستتضاءل فرص إسقاط النظام إلى الصفر.
لم يكن نتنياهو بحاجة لإقناع ترامب بأنه طالما بقي آيات الله في السلطة، ستظل إيران مصدراً للتهديدات والمتاعب ليس فقط لجيرانها وإسرائيل، بل أيضاً للولايات المتحدة وأوروبا وإمدادات الطاقة العالمية.
يملك ترامب معلومات تثبت أنه بعد حرب الأيام الاثني عشر وعملية “مطرقة منتصف الليل” (الهجوم الأمريكي على المنشآت النووية)، وفي ضوء الضربة القوية التي لحقت بنظام دفاعها الجوي، ترى إيران أن الصواريخ الباليستية وحصار مضيق هرمز هما الوسيلتان الفعالتان الوحيدتان المتبقيتان لتهديد خصومها وردعهم وفرض إرادتها عليهم. لذا، ينبغي على الولايات المتحدة أن تطالب إيران، بأي وسيلة كانت، بتقليص كمية ومدى صواريخها الباليستية، وعدم السماح لها بمواصلة تزويد وكلائها في المنطقة بمثل هذه الوسائل الهجومية الثقيلة والمدمرة.
ومن القضايا الأخرى التي طُرحت في الحوار، مخاوف نتنياهو من أنه في حال أبرم ترامب اتفاقاً مع الإيرانيين، سيُمنع إسرائيل من مهاجمة منشآت تطوير وإنتاج وتخزين الصواريخ الباليستية، التي أصبحت التهديد الرئيسي بعد توقف البرنامج النووي لفترة طويلة. هنا أيضًا، استجاب ترامب لطلب نتنياهو، ووافق صراحةً على أنه في حال توقيعه اتفاقية لا تتضمن قيودًا جوهرية على الصواريخ الباليستية، أو في حال محاولة إيران التحايل، فإنه سيلتزم بإعطاء الضوء الأخضر لعملية هجومية إسرائيلية لتحييد هذا التهديد.
في ذلك الاجتماع، تم الاتفاق على أن تكون إسرائيل شريكًا في الحملة التي تبدأها الولايات المتحدة في مرحلة ما، ليس فقط لأن الإيرانيين سينفذون تهديداتهم ويطلقون صواريخ وطائرات مسيرة لمهاجمة إسرائيل، بل أيضًا لأن أجهزة الاستخبارات والقوات الجوية الإسرائيلية متخصصة في عدد من القضايا العملياتية الحاسمة التي من شأنها تقصير أمد القتال وتقليل الخسائر في صفوف القوات المهاجمة والجبهة الداخلية الإسرائيلية والقواعد الأمريكية.
مصادر أمريكية مقربة من ترامب ليست متفاجئة من سرعة الاتفاقات بين نتنياهو والرئيس. وتزعم هذه المصادر أن حاشية ترامب، في معظمها، لا تتعاطف مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، على أقل تقدير. يُكنّ جاريد كوشنر، صهر الرئيس، عداءً حقيقيًا لنتنياهو، كما أن ويتكوف ليس من أتباعه. من جهة أخرى، تُشير المصادر نفسها إلى أن ترامب يُقدّر بشدة فكر نتنياهو وتحليلاته الاستراتيجية، فضلًا عن قدرات كبار المسؤولين الأمنيين، وعلى رأسهم رئيس الأركان إيال زامير، ورئيس المخابرات العسكرية شلومي بيندر، ورئيس الموساد دادي برنياع. ولذلك، سمح ترامب لنتنياهو بالتواصل معه عبر مُستشاره المُقرّب، السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي تتطابق آراؤه حول التهديد الإيراني تقريبًا مع آراء رئيس الوزراء، وهو مُعجبٌ بشدة بالقوة العسكرية الإسرائيلية.
قد يتلاشى نفوذ نتنياهو على ترامب فجأةً لسببٍ ما، وهو أمرٌ غير مضمونٍ بالتأكيد في سياق غزة، حيث اضطر رئيس الوزراء إلى التنازل عن بعض المواقف الصعبة. لكن فيما يتعلق بإيران، يمتلك نتنياهو حاليًا شريكًا في البيت الأبيض.
في غضون ذلك، وفي ظل حملة نتنياهو للإقناع، يواجه ترامب ضغوطًا من قطر وتركيا والسعودية ومصر للامتناع عن مهاجمة إيران. تخشى الدول المنتجة للنفط من أن تقوم إيران، في خطوة يائسة، بإغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط التي تحمل نحو 20 في المئة من نفط العالم، وأن تطلق صواريخ باليستية قصيرة المدى وطائرات مسيرة هجومية تُلحق الضرر بمنشآتها النفطية والغازية. أما تركيا، فتخشى من تدفق موجة هائلة من اللاجئين الإيرانيين إلى أراضيها، ما يُشكل عبئًا اقتصاديًا عليها.
كما يخشى هؤلاء الحكام من أن يؤدي سقوط النظام الإيراني أو الإطاحة به إلى اندلاع موجات من الاحتجاجات في بلدانهم. ولضمان حصانة نسبية من الرد الإيراني، أعلنت هذه الدول، ولا سيما قطر، أنها لن تسمح للولايات المتحدة بمهاجمة إيران باستخدام طائرات تُقلع وصواريخ تُطلق من أراضيها. فإذا أوفت قطر، على سبيل المثال، بهذا الوعد، ستواجه الولايات المتحدة صعوبة بالغة في شن غارات جوية من قاعدة العديد، أكبر قاعدة جوية أمريكية في منطقة الخليج. هذا أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع الولايات المتحدة إلى جلب حاملة طائرات أخرى إلى المنطقة ونقل جزء كبير من القوة الجوية البرية التي تجمعها في الشرق الأوسط إلى مطار موفق السلطي في الأردن، وربما أيضاً إلى دول أخرى صديقة للأمريكيين (سوريا، على سبيل المثال).
في ضوء كل هذا، يمكن وصف كيفية سير المواجهة العسكرية مع إيران بشكل عام. من المرجح أن تتألف الحملة من أربع مراحل:
مرحلة التحضير (الجارية حاليًا)
في هذه المرحلة، يتركز الجهد الرئيسي على وكالات الاستخبارات الأمريكية، وشعبة الاستخبارات، والموساد. وتلعب السفن وطائرات الاستطلاع في منطقة الخليج العربي، بالإضافة إلى منظومة أقمار التجسس الصناعية، دورًا محوريًا في جمع معلومات استخباراتية عن الأهداف، والتي ستُغذي آليات الملاحة والتوجيه لصواريخ توماهوك والأسلحة الجوية.
في الوقت نفسه، تُبذل جهود لوجستية ضخمة لتعزيز القوة الأمريكية في الخليج ورفعها إلى أقصى درجات الجاهزية، مع التركيز على تزويد الطائرات بالوقود، وطائرات القيادة والسيطرة، وطائرات الحرب الإلكترونية التي ستُساند القوات الجوية الأمريكية.
في الوقت نفسه، يجري التخطيط للحملة في مقر القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) عبر مسارين. القناة الأولى هي التخطيط الهجومي، والغرض منه تحقيق الأهداف في أقصر وقت ممكن، بأقل الخسائر والأضرار، مع ترشيد الموارد (من المتوقع أن تكلف الحملة). أما القناة الثانية فهي التخطيط لعمليات الدفاع عن القواعد الأمريكية وحلفائها، بما في ذلك إسرائيل.
يعتزم الأمريكيون إجلاء قواتهم من قواعدهم في العراق وقطر والكويت، المهددة بالصواريخ الباليستية الإيرانية قصيرة المدى. وسيكون إجلاء القوات الأمريكية أحد المؤشرات على قرب بدء الهجوم.
وسيُخصص فصلٌ خاص في الخطة لمنع حصار مضيق هرمز. وتُجري البحرية التابعة للحرس الثوري تدريبات مكثفة على ذلك هذه الأيام لتُظهر للأمريكيين قدرتها على تنفيذ تهديداتها. والهدف الرئيسي للهجمات الأمريكية على جنوب إيران هو منع الحصار المفروض على مصر.
الافتراض الأساسي هو أن أي هجوم إيراني على الجبهة الداخلية سيُجبر إسرائيل على الانضمام إلى الأمريكيين. والسيناريو المُرجح هو أن يبدأ سلاح الجو الإسرائيلي عمله بعد وقت قصير من بدء الأمريكيين. أما على الجبهة الداخلية المدنية، فقد تم استخلاص الدروس من “الاسد الصاعد”، وهي عملية تهدف بالدرجة الأولى إلى مساعدة المدن والبلدات على مواجهة الأضرار الجسدية التي تلحق بالمدنيين والدمار الذي قد تُسببه الضربات الصاروخية الإيرانية. في كتلة دان، يوجد بالفعل تنظيم يضم 12 بلدية ومجلسًا محليًا لاستغلال الموارد المتاحة لها – من مرافق إيواء النازحين إلى خدمات الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين. تستعد قيادة الجبهة الداخلية وتُجري تدريبات وفقًا للدروس المستفادة من الحرب. خلال مرحلة الإعداد، يتجري الاستخبارات الإسرائيلية، وخاصة شعبة الاستخبارات، عمليات جمع معلومات استخباراتية مكثفة. تم إتلاف جزء كبير من المعلومات الاستخباراتية التي جمعناها في عملية “الأسد الصاعد”، وكان لا بد من بدء عملية جمع طويلة لمعلومات عن أهداف أقل شهرة. في الوقت نفسه، يُجري سلاح الجو الإسرائيلي تجهيزًا تقنيًا للطائرات لرفع كفاءتها إلى أقصى حد، وذلك لتجنب الأعطال الفنية التي قد تكون قاتلة أثناء العملية، على بُعد 1500 كيلومتر من الوطن.
استنادًا إلى الدروس المستفادة من عملية “الأسد الصاعد”، يُجري سلاح الجو الإسرائيلي تدريبات على عمليات مُحسّنة لتدمير أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية وتعقب الصواريخ الباليستية ومواقع إطلاقها. لا يملك الإيرانيون تقريبًا أي لم يتبقَّ لدى إيران بطاريات دفاع جوي استراتيجية بعيدة المدى، لكنها لا تزال تمتلك عددًا لا بأس به من الرادارات وبطاريات اعتراضية قصيرة المدى. كما أنها تُنتج صواريخ باليستية وتُطلقها بمعدل هائل يصل إلى المئات شهريًا. تعمل معظم هذه الصواريخ بالوقود السائل، مما يستلزم تحميلها على منصات الإطلاق قبل الإطلاق بدقائق عديدة. وهذا يُسهّل تحديد مواقعها وتدميرها باستخدام الطائرات أو الطائرات المسيّرة، وهو ما تخصصت فيه القوات الجوية خلال عملية “الأسد الصاعد”.
لذا، يُمكن افتراض أن الإيرانيين سيركزون على تشتيت أنظمة دفاعهم الجوي المتبقية وإخفائها وتمويهها، فضلًا عن صواريخهم الباليستية ومنشآت الإطلاق. يُمكن تحقيق ذلك، على سبيل المثال، بوضع صواريخ باليستية على منصات إطلاق متنقلة مُموّهة على هيئة مركبات تجارية، تُنقل على الطرق لتصعيب تحديد مواقعها. وبالطبع، سيحاولون إخفاء القيادة في العديد من المخابيء تحت الأرض، والتي سيتنقل بينها خامنئي وكبار مساعديه بوتيرة تُصعّب تحديد مواقعهم.
خلال مرحلة الإعداد، يُعزّز الإيرانيون مواقعهم ويُحصّنونها بالخرسانة والتغطية بالتراب لمنشآت البرنامج النووي التي تضررت في ” الاسد الصاعد” والقصف الأمريكي، لكن محتوياتها، وخاصة أجهزة الطرد المركزي، لم تدمر بالكامل، ويبدو أنهم يريدون إعادة تأهيلها.
مرحلة الضربة الافتتاحية
من المرجح أن يبدأ الأمريكيون حملتهم بإطلاق مئات صواريخ “توماهوك” وعدد محدود نسبيًا من الضربات الجوية المضادة (من مسافة بعيدة، باستخدام صواريخ جو-أرض ثقيلة أو بعيدة المدى) على أهداف محددة؛ على سبيل المثال، استهداف المخبأ الذي يتواجد فيه خامنئي والقضاء على كبار مسؤولي النظام والحرس الثوري. كل شيء، بطبيعة الحال، يعتمد على جودة المعلومات الاستخباراتية ودقتها. من المهم التأكيد على أن القضاء على خامنئي لن يؤدي بالضرورة إلى سقوط النظام الإيراني، الذي لا يقوم على شخص واحد بل على طبقة كاملة من رجال الدين المتطرفين، تمامًا كما أن القضاء على نصر الله لم يؤدِ إلى انهيار حزب الله.
في الوقت نفسه، سيتم استهداف منشآت الرصد وبطاريات الدفاع الجوي والصواريخ الباليستية الجاهزة للإطلاق على أهداف أمريكية في الشرق الأوسط وعلى الجبهة الداخلية لإسرائيل وحلفائها. من الأهداف المهمة الأخرى للهجوم القوات البحرية والطائرات المسيّرة التابعة للحرس الثوري، وذلك لمنع إلحاق الضرر بالسفن الأمريكية التي تقترب من السواحل الإيرانية، وإحباط الحصار المفروض على مضيق هرمز. وفي إطار هذه الجهود، سيتم إغراق سفن الصواريخ وزوارق الهجوم السريع الجاهزة للعمليات، والمنتشرة في مراسي صغيرة على الساحل الجنوبي الغربي لإيران، أو المختبئة في ميناء بندر عباس.
في هذه المرحلة، من المتوقع أن يرد الإيرانيون فورًا بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، بهدف إلحاق خسائر بشرية وتدمير القواعد الأمريكية في المنطقة، ومحاولة إغراق حاملة طائرات أو مدمرة أمريكية. ومن المرجح أن يحاولوا في هذه المرحلة إغلاق مضيق هرمز باستخدام الزوارق السريعة التي ستزرع ألغامًا بحرية.
يجب أن نكون على أهبة الاستعداد لاحتمال أن يطلق الإيرانيون، خلال الساعات الأولى، صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل، لإحداث خسائر فادحة في الأرواح ودمار واسع النطاق. سيتم اعتراض معظمها، لكن بعضها سينفجر على أراضينا، لذا يجب على الجمهور إظهار اليقظة والانضباط والامتثال لتعليمات قيادة الجبهة الداخلية في الدقائق الأولى من الهجوم الأمريكي. سترسل الولايات المتحدة، على الأرجح، إنذارًا مسبقًا لإسرائيل، لكن يجب أن تكون الكتائب والملاجئ جاهزة من اليوم.
المرحلة الحاسمة
في هذه المرحلة، تكون إسرائيل قد تعرضت للهجوم بالفعل، وبالتالي تنضم إلى الحملة. تقسيم العمل، وفقًا للتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية، جغرافي وعملياتي. سيهاجم الأمريكيون عدة “مجموعات” من الأهداف في جميع أنحاء إيران: قواعد الحرس الثوري، والباسيج، والجيش الإيراني؛ رموز الحكومة والمخابئ التي تختبئ فيها القيادة، والتي لا يمكن تفجيرها إلا باستخدام قنابل ثقيلة (أم القنابل) تزن 13 طنًا، مثل تلك التي أسقطتها قاذفات B2 على منشأة تخصيب اليورانيوم في فوردو.
سيهاجم الأمريكيون أيضًا منشآت التخزين والإطلاق تحت الأرض للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الهجومية، وما تبقى من منشآت المشروع النووي الإيراني. من المرجح أن تركز إسرائيل في هذه المرحلة على استهداف منصات إطلاق الصواريخ الباليستية وتدمير المنشآت التطويرية التي تخدم أهداف النظام العسكرية بشكل منهجي. وفي الوقت نفسه، ستُنفذ عمليات دفاع جوي ضد الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
المرحلة النهائية
من المتوقع أن تحقق هذه الحملة، التي ستستمر لعدة أسابيع بتعاون عملياتي واستخباراتي وثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بعض أهدافها على الأقل. على عكس نتنياهو، أثبت ترامب بالفعل قدرته على إنهاء الحروب. فهو لن ينتظر استسلام الإيرانيين أو انهيار النظام. من المرجح أنه عندما يُعلن جنرالاته وقادته العسكريون عن استنفادهم للأهداف، سيتوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين بشأن وقف إطلاق النار، ويتوقف عن الهجوم، ويعلن النصر. ثم سيقترح على الإيرانيين استئناف المفاوضات بشأن البرامج النووية والصاروخية الباليستية. حينها، عندما يكون الحرس الثوري والباسيج في حالة حداد على قتلاهم، سيحين وقت الشعب الإيراني للتعبير عن رأيه.
——————————————
هآرتس 20/2/2026
للولايات المتحدة وايران مصلحة مشتركة في التوصل الى اتفاق سريع
بقلم: تسفي برئيل
عندما منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الوفد الإيراني مهلة أسبوعين لتقديم إجابات محددة لجولة أخرى من المحادثات، لم يتم تحديد مكانها أو تاريخها بعد، طرح السؤال على الفور: “كم يوم في الأسبوعين؟”. فقد اثبت ترامب للعالم بان “أسبوعين” أو “عشرة أيام” مثلما قال أمس، هي مفهوم فضفاض لا يقاس بالساعة والثانية، ولا يمكنه الا ان يثير الاعجاب به مثل ما تثيره ساعات سلفادور دالي السائلة.
التقارير المتضاربة – بما في ذلك تقارير مصادر إسرائيلية تعتقد ان الولايات المتحدة قد تشن الهجوم قبل انتهاء الأسبوعين (أي في الأيام القريبة القادمة) مقابل تصريحات مسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى تفيد بان الرئيس لم يقرر بعد وسينتظر رد الإيرانيين – تشير الى ان الوقت هو العنصر الأساسي في المفاوضات، بل ان موقع المعارضة الايراني “رويداد 24” يتهم براك ربيد، مراسل موقع اكسيوس ومراسل القناة 12 في الولايات المتحدة، بشكل مباشر لانه “يتحمل وحده عبء الحرب النفسية الامريكية ضد ايران عندما نشر ان الإدارة الامريكية تقترب من حرب كبيرة في الشرق الأوسط وانها قد تبدأ قريبا جدا”. ولكن مثلما هو مفهوم ترامب للوقت غير مطلق فان الافتراض السائد هو ان ايران أيضا “تلعب بالوقت” وان أسلوب إدارة المفاوضات كما تم التعبير عن ذلك حتى الان يظهر بوضوح ان طهران لها مصلحة في إطالة مدة المحادثات والدعوة الى جولات إضافية، و”تبادل الوثائق”، في الاتجاهين، واختلاق مشاورات غير ضرورية.
هذا الافتراض بحاجة الى دليل، او على الأقل إعادة نظر. وخلافا لتصريحاتها السابقة بانها لن تستسلم للتهديدات، فان ايران دخلت الى هذه المفاوضات بسبب تهديد اعتقدت انه حقيقي ومباشر، وليس بسبب ما قرأته في وسائل الاعلام الامريكية أو الإسرائيلية عن التهديدات. هذه رسائل واضحة وحاسمة حصلت عليها من السعودية، قطر، تركيا وسلطنة عمان. وحسب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي فان بلاده طلبت، وحصلت، على مهلة أسبوعين من اجل صياغة رد على الطلبات الامريكية وتقديم اقتراح مفصل يستند الى المباديء المتفق عليها في اللقاء الأخير المختصر في جنيف. وأوضح عراقجي بان هذه المباديء يمكن ان تشكل الأساس لمزيد من النقاشات.
رغم عدم وجود تفاصيل حول هذه المباديء المتفق عليها، يمكن الافتراض بانها تتعلق بشكل أساسي بمسالة تخصيب اليورانيوم في ايران، والتخلص من اليورانيوم المخصب، لا سيما الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، وترتيبات الرقابة في المنشآت النووية ومنشآت التخصيب واطار عمل للتعامل مع مسالة الصواريخ البالستية. وحسب التقارير التي ظهرت بعد الجولة الحالية، فان ايران ستكون مستعدة لتجميد تخصيب اليورانيوم مدة ثلاث سنوات، ونقل اليورانيوم الى دولة ثالثة، على الأرجح روسيا، التي أعلنت بالفعل انها ستكون مستعدة لقبول المواد المخصبة – يبدو انه بعد اللقاء بين عراقجي ورفائيل غروسي، الأمين العام للوكالة الدولية للطاقة النووية، الذي عقد قبل يوم من جولة المحادثات، ستكون ايران مستعدة للعودة الى الاتفاق الذي وقع عليه الطرفين في شهر أيلول في مصر، والذي ينظم عمل مراقبي الأمم المتحدة في ايران.
فيما يتعلق بقضية الصواريخ فانه من غير المعروف كيف سترد ايران، أيضا من غير المعروف اذا كان الرئيس ترامب، الذي لم يشر الى هذا الامر في خطابه المتغطرس امس، سيضع هذه القضية ضمن القضايا الجوهرية التي لا يمكن التنازل عنها، أو انه سيوافق على مناقشتها بشكل منفصل بعد التوصل الى اتفاق بشأن الملف النووي، كما اقترح عليه زعماء تركيا، السعودية، سلطنة عمان وقطر، الذين يعملون كهيئة استشارية خارجية لا تشارك بشكل مباشر في المفاوضات.
ليس التهديد العسكري المباشر والخطير وحده هو الذي يحدد الجدول الزمني الذي يجب على ايران أن تتبعه من اجل تجنب الحرب. ووضعها الداخلي ما زال مضطرب. ورغم القمع الوحشي للاحتجاجات وقتل آلاف، وربما عشرات الالاف، على ايدي قوات الامن، الا ان هذه الاحتجاجات لم تختف. وما زال العامل الأساسي الذي أدى اليها – انهيار الاقتصاد في ايران – يهدد البلاد. وتشير تقارير لوسائل إعلام، بما في ذلك وسائل اعلام تابعة لحرس الثورة أو جهات محافظة، كل يوم الى ضربة اقتصادية جديدة.
المتحدث بلسان نقابة الصيادلة هادي احمدي قال في هذا الأسبوع بانه يوجد نقص 150 – 200 نوع من الادوية وان الوضع ربما يتفاقم في ظل عدم العثور على حل. وبحسبه فقد ارتفعت أسعار الادوية بنسبة 200 – 300 في المئة، ويدفع المواطنون من جيبهم 60 – 70 في المئة من ثمن الادوية التي كانت تقدم بالمجان سابقا. المتقاعدون يقولون بانهم غير قادرين على العيش براتب التقاعد الذي فقد عشرات بالمئة من قيمته بسبب انخفاض سعر الريال الإيراني، حيث يساوي الدولار الان 1.3 مليون ريال. وتوقفت صناعة السيارات وهي من اجل القطاعات الصناعية في ايران، بشكل كامل لان المواطنين ليس لديهم المال لشراء السيارات. وأسعار الشقق قفزت 30 في المئة في الشهرين الأخيرين، والطلاب لا يمكنهم تحمل تكلفة شراء الكتب الدراسية أو نفقات السفر. وقد ذكر موقع “ايلنا” الالكتروني الذي يمثل منظمات عمال، الرئيس مسعود بزشكيان في هذا الأسبوع بانه في ذروة الاحتجاجات في الشهر الماضي صرح وقال: “نحن نخدم الشعب ونستمع الى صوت الاحتجاج”، لكن نتيجة هذا الاستماع لم تسفر الا عن لقاءات مع نقابات العمال، “منذ ذلك الحين التضخم والاسعار في ارتفاع مستمر”.
الحكومة مدينة بمليارات الدولارات لمؤسسات تعليمية وصحية، ناهيك عن منظمات تابعة لحرس الثورة مثل “خاتم الأنبياء”، وهو اكبر مجمع عسكري مدني. قبل أسبوع ونصف زار بزشكيان محافظة غولستان للالتقاء مع عائلات ضحايا الاحتجاجات وتفقد أحوال المصانع والاستماع لشكاوى المواطنين. ونشرت وسائل الاعلام الرسمية صور احتفالية للزيارة، ولكن مواجهة حدثت أيضا بين الرئيس وبين ممثل مشروع تابع لمنظمة “خاتم الأنبياء”، حيث اعترف الممثل للرئيس بان الحكومة لم تحول له مستحقاته.
برشكيان لم يخف غضبه. وقال ردا على هذه الادعاءات: “هل تنفذ المنظمة مشاريعها باموالها الخاصة؟. هي في نهاية المطاف تعمل بقروض تقدمها الحكومة”. ولم تقتصر مصادر التمويل على الحكومة فقط، بل تخضع المنظمة بالفعل لسيطرة حرس الثورة. هذه المنظمة تتمتع باحتكار شبه كامل للمشاريع الحكومية، الامر الذي يبعد الشركات والمؤسسات الخاصة التي تسعى للبقاء عن المنافسة. وقد أدى تحكم حرس الثورة وقوة الباسيج والجيش بمعظم قطاعات الصناعة والخدمات في البلاد الى خلق احتكارات قوية تدير اقتصاد وطني موازي وتعطي قروض للحكومة. وتحدد أولوياتها الاقتصادية التي تستمد منها سياستها الداخلية والخارجية.
تبدأ السنة المالية القادمة في ايران في 21 آذار القادم. وحسب مشروع الميزانية المقدم للبرلمان فانه يتوقع انخفاض المداخيل من النفط بنسبة 48 في المئة، لتصل الى حوالي 19 مليار دولار. في المقابل، يتوقع ارتفاع المداخيل من الضرائب لتمول نحو 50 في المئة من الميزانية، بدون تقديم أي توضيح عن كيفية تعامل المواطنين مع أي زيادة إضافية في الضرائب. ويتوقع أيضا تقليص نطاق الخدمات والاعانات والمساعدات المباشرة، القليلة أصلا، بشكل كبير.
حسب الأرقام الاسمية تظهر ميزانية هذه السنة انخفاض 7 في المئة في النفقات الحكومية، لكن وفقا لحسابات مركز أبحاث للسياسات مقره في دولة الامارات، يتوقع ان يكون الانخفاض الحقيقي، بعد تعديله وفقا للتضخم وسعر الريال، تقريبا 48 في المئة. ولدى ايران صندوق احتياط خارج الميزانية، صندوق التوفير الوطني الذي يحول اليه فائض مداخيل النفط، ولا يعرف حجم الأموال الموجودة في هذا الصندوق، الذي كان في السابق بعيدا عن تحويلات الحكومة، ومخصص لما يعرف بـ “الظروف الطارئة”، ولكن في السنوات الأخيرة اذن المرشد الأعلى علي خامنئي بسحب أموال من هذا الصندوق لتمويل النفقات الحكومية والتخفيف من شدة الصعوبات الاقتصادية. إضافة الى التلاعب الذي يقوم به بسعر صرف الرياض وطباعة كمية كبيرة من العملة غير المدعومة باصول من اجل تنفيذ سياسة “اقتصاد المقاومة”، التي تهدف الى مواجهة اثار العقوبات.
تشير الاحتجاجات التي اندلعت في كانون الأول الماضي الى ان ايران حتى بدون التهديد بالحرب، تعاني من ازمة اقتصادية عميقة ضعضعت استقرارها. ففي الأسابيع التي مرت منذ قمع الاحتجاجات لم تفعل الحكومة أي شيء لتهدئة الراي العام أو التعويض عن عمليات القتل او تقديم خطة اقتصادية للخروج من الازمة، والاهم من ذلك هو انه اذا كان النظام حظي في الحرب السابقة في شهر حزيران الماضي بتضامن الشعب الذي دعمه و”اظهر الولاء” مثلما وصفت القيادة، فانه بعد المذبحة الجماعية للمتظاهرين في الشهر الماضي فانه مشكوك فيه ان يبقى أي اثر لهذا التضامن، بشرط أن لا يؤدي الهجوم الأمريكي الى قتل جماعي لمئات أو الاف المواطنين.
في العام 2013 قررت ايران اجراء مفاوضات بهدف التوصل الى اتفاق، وكانت ظروفها الافتتاحية في حينه، الاقتصادية والعسكرية، ملائمة اكثر بكثير مما هي الان. لم تكن ايران تواجه تهديد عسكري مباشر أو غير مباشر، وكانت خزينتها الوطنية مليئة ولم تشاهد احتجاجات كبيرة تهدد استقرار النظام. فقد شمل الاتفاق النووي الذي وقعت عليه في 2015 تنازلات “وطنية” أو “أيديولوجية” مهمة، شملت رقابة دقيقة غير مسبوقة على المنشآت النووية وتقييد تخصيب اليورانيوم بمستوى 3.67 في المئة، وتعطيل الاف أجهزة الطرد المركزي ونقل اليورانيوم المخصب الذي كان لديها الى روسيا، ويمكن استخدام بعض بنود ذلك الاتفاق في أي اتفاق جديد شريطة التوصل الى الصيغة المثالثة التي تمكن ايران وترامب من الإعلان عن “نصر مطلق”.
——————————————
هآرتس 20/2/2026
تقديرات الجيش: حزب الله سيشارك في الحرب، وجولة تصعيد متوقعة في الضفة أيضا
بقلم: عاموس هرئيل
لا مجال للشك في الإشارات المتراكمة في الأيام الأخيرة. الولايات المتحدة تسرع استعدادها لشن هجوم عسكري واسع النطاق على ايران. وإسرائيل تتصرف وكانها جزء لا يتجزأ من هذه الخطط: ليست طرف ثانوي يتاثر بالتبادل الإقليمي للضربات، بل طرف سيشارك بفعالية في الحرب منذ بدايتها. ومثلما هو معلن سيتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القرار النهائي بشان مهاجمة ايران. ولكن اذا اندلعت مثل هذه الحرب فمن المؤكد انها ستكون حرب أمريكية – إسرائيلية مشتركة. يوجد لإسرائيل مصلحة استراتيجية عميقة في اسقاط النظام في ايران، وهي خطوة يمكن ان تغير ميزان القوة في الشرق الأوسط بشكل جذري.
مع ذلك، تصميم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على وضع إسرائيل في صدارة الصراع في هذه المرة، بعد ان دخلت بالفعل في حرب مع ايران في حزيران السنة الماضية، قد تكون له عواقب وخيمة. أولا، اذا لم يتوقف القتال بعد الهجوم الأول فقد تتطور حملة طويلة المدى تلحق ضرر كبير بالجبهة الداخلية الإسرائيلية. ثانيا، اكثر مما حدث في حرب العراق في 2003 فانه في نظر شريحة كبيرة من الشعب الأمريكي، يمكن اعتبار إسرائيل هي التي دفعت الولايات المتحدة الى حرب مكلفة، التي ليست بالضرورة على راس سلم أولويات بلادهم.
لا يوجد خلاف حول وحشية وضرر النظام في ايران. وازاحته عن الطريق ستعود بالنفع على الشعب الإيراني أولا وقبل كل شيء وعلى جيراننا، سواء كانوا اقرب أو ابعد. تكمن المشكلة في انه من خلال كل ما سمعناه من الأمريكيين حتى الان، من غير الواضح اذا كانت لديهم خطة منهجية ومنطقية لتحقيق ذلك. التاريخ الحديث لم يحقق أي نجاح (لحلف الناتو) في اجبار أي نظام على التغيير من خلال حملة تعتمد فقط على القصف من الجو الا في العام 1999 في كوسوفو. في كل الحالات الأخرى، كان التدخل العسكري البري الطويل ضروري، وهو امر يرفضه ترامب.
يبدو ان الأمريكيين ياملون ان يؤدي القصف الكثيف الى تجدد اعمال الشغب والمظاهرات، واسكات قوات حرس الثورة وقوات الباسيج الموالية للنظام، وإقناع ملايين المواطنين في ايران بالمخاطرة بحياتهم والخروج الى الشوارع من جديد. هذا رغم انهم شاهدوا كيف قتل النظام بوحشية آلاف من إخوانهم قبل اقل من شهرين. قد تستغرق مثل هذه الخطوة وقت طويل نسبيا. سيناريو آخر ربما يتخيله المخططون في واشنطن وهو ان تحرك عسكري أولي سيدفع النظام في طهران الى إعادة النظر في مواقفه. وربما حتى تخفيفها بشكل ملحوظ، اذا تم استئناف المفاوضات.
لكن ما يكاد لا يناقش، سواء في أمريكا أو في إسرائيل، هو الاعتبارات الكامنة وراء خوض الحرب. ففي إسرائيل تظهر وسائل الاعلام الحماس لاحتمالية انهيار النظام في ايران، بدون التطرق الى العواقب المحتملة. ويبدو ان الراي العام قد تعود على الحرب الدائمة ويتقبل تبعاتها. والسؤال المطروح للنقاش هو متى سيحدث ذلك (وكيف سيؤثر على خطط المواطنين الشخصية)، وليس ما اذا كان ضروري. أما في الولايات المتحدة ما زال الرأي العام لا يستوعب تماما فكرة احتمالية اندلاع حرب طويلة، وهي بالتحديد الحرب التي دائما عارضها الرئيس (بدأ ترامب تحركاته السياسية الأولى بمعارضة الحرب في العراق في 2003، وجزء من تحذيراته تحققت).
كالعادة، هناك اعتبارات سياسية، ولا يكترث ترامب أو نتنياهو باخفائها. ترامب يشعر بالقلق إزاء انخفاض شعبيته في الاستطلاعات، قبل اقل من تسعة اشهر على انتخابات نصف الولاية. وما زال يخشى من ان ينظر اليه بانه هو الذي تخلى عن جموع المعارضين الإيرانيين للنظام بعد ان وعد علنا بان “المساعدة قادمة” وانها لم تصل حتى الان. اما نتنياهو فيبدو انه يعتقد ان استمرار التوتر العسكري قبل الانتخابات (المقرر ان تجرى في نهاية تشرين الأول) سيكون في مصلحته. أولا، تخلق حالة الطوارئ الدائمة عدم اليقين لدى الناخبين، وشعور (خاطيء) بان نتنياهو وحده هو الذي يعرف كيفية التعامل مع الوضع. ثانيا، كل دقيقة لا يتناول فيها النقاش العام الإخفاقات التي أدت الى مذبحة 7 أكتوبر، تعتبر دقيقة ناجحة بالنسبة له.
يبدو ان التوقعات تميل الان بشكل واضح لصالح التقييم الذي يقول بان الازمة في الخليج ستؤدي الى مواجهة عسكرية. مع ذلك، لا يشترط ان تكون المواجهة على الفور. ففي ختام الجولة الثانية للمحادثات مع الإيرانيين في جنيف في يوم الثلاثاء الماضي، تحدث الامريكيون عن أسبوعين قبل الرد الإيراني. أمس صرح ترامب وقال: “سنعرف ذلك في غضون عشرة أيام”. ويتعلق هذا الامر أيضا بموعد وصول حاملة الطائرات “جيرالد فورد” الى المنطقة في نهاية الشهر الحالي.
ان تحديد موعد نهائي يهدف الى احباط تكتيك الإيرانيين المعتاد في المفاوضات، والمماطلة لكسب الوقت. ويامل الامريكيون ان يكون هذا، إضافة الى تعزيز القوة العسكرية، كاف لاقناع المرشد الأعلى علي خامنئي بالتخلي عن نهجه الراسخ وهو الاعتقاد بانه لا يجب جر ايران الى تقديم تنازلات تحت الضغط، لان ذلك لا يؤدي الا الى مزيد من الضغط. في الوقت الحالي لا توجد أي مؤشرات على استعداد النظام لاظهار أي مرونة حقيقية في مواجهة الطلبات الامريكية بشان الاتفاق النووي الجديد.
من ناحية إسرائيل يكمن السؤال الرئيسي في مدى قوة التهديد الإيراني للجبهة الداخلية. ففي حرب الـ 12 يوم في حزيران الماضي ازداد حجم الدمار الذي الحقته الصواريخ البالستية الإيرانية بالمدن الإسرائيلية في المرحلة الأخيرة في الحرب. وفي الأشهر الأخيرة جاءت تقارير تفيد بان وتيرة إعادة تشغيل خطوط انتاج الصواريخ اسرع مما كان متوقعا (بل ان حاشية نتنياهو بدأت في تمهيد الطريق إعلاميا لتجدد الحرب في ايران على هذه الخلفية).
يبدو ان نقطة الضعف التي تواجه الإيرانيين تتعلق بعدد منصات الاطلاق. التي تم تدمير عدد كبير منها في شهر حزيران. اما العائق الاخر الذي يؤثر عليهم فيتمثل في الغياب شبه الكامل لانظمة الدفاع الجوية المتقدمة التي تسببت إسرائيل بالحاق اضرار كبيرة بها. الامر الذي يعني ظاهريا بان إسرائيل والولايات المتحدة ستتمتعان بحرية عمل شبه كاملة في سماء غرب ايران من بداية الحرب.
نظرة الى الشمال
احد أسباب نجاح إسرائيل ضد ايران في 2025 هو ابعاد حزب الله عن الساحة. ففي تشرين الثاني 2024 أجبر التنظيم الشيعي على الموافقة على وقف اطلاق النار مع إسرائيل في لبنان بعد قتل معظم قادته وعلى راسهم الأمين العام حسن نصر الله، وتدمير جزء كبير من ترسانته الصاروخية. على مدى اكثر من عشرين سنة بنى النظام في ايران حزب الله كقوة ردع وهجوم على إسرائيل تحسبا لاي هجوم. لم يكتف حزب الله بعدم ردع إسرائيل، بل طلب أيضا وحصل على اعفاء من الحرب نفسها عند اندلاعها.
لقد تغيرت الأمور منذ ذلك الحين، ويقدر الجيش الإسرائيلي ان حزب الله سيشارك هذه المرة في الحرب اذا اندلعت. أولا، تستخدم ايران ضغوط كبيرة على الزعيم الحالي الشيخ نعيم قاسم لاعادة جزء من الاستثمار في تنظيمه واطلاق الصواريخ على إسرائيل في حالة اندلاع الحرب. ثانيا، قد يكون لنعيم قاسم دافع خاص للتحرك. فمنذ فرض وقف اطلاق النار عليه اصبح حزب الله في مازق. الجيش الإسرائيلي يشن هجمات متواصلة في لبنان، جنوب نهر الليطاني وأماكن أخرى أيضا، ويتكبد التنظيم عشرات القتلى في هذه الهجمات شهريا، لكنه لا يرد حاليا على الهجمات الإسرائيلية على الاطلاق.
الان يتبلور وضع جديد قد يغري حزب الله لمحاولة تغيير الواقع على طول الحدود. فقد تضررت قدرات الحزب الصاروخية بشكل كبير في الحرب مع الجيش الإسرائيلي ولم تتم استعادة هذه القدرات منذ ذلك الحين، لكن قد يحاول الحزب اشعال جبهة ثانوية في الحرب من خلال عمليات على طول الحدود، أو في جنوب لبنان، ضد المواقع الخمسة التي انشاها الجيش الإسرائيلي وما زال يسيطر عليها داخل أراضي لبنان منذ بداية الحرب.
وقد حذرت إسرائيل مؤخرا حزب الله من خلال آلية المراقبة اللبنانية في لبنان من انها سترد بقوة كبيرة اذا حاول مهاجمتها. مع ذلك، اذا اندلعت حرب إقليمية فان من شأنها أن تشمل حزب الله، الامر الذي يستدعي نشر القوات الجوية والاستخبارات العسكرية وقيادة الجبهة الداخلية أيضا في الجبهة الشمالية. في هذه الحالة يتوقع ان يهاجم سلاح الجو اهداف لحزب الله في بيروت وفي البقاع بهدف تقليص قدراته العسكرية بشكل اكبر.
الحكومة في لبنان يبدو انها مترددة في هذه المسالة، لانها تخشى من الحاق المزيد من الضرر بالمدنيين والبنى التحتية اذا تم استئناف القتال. من جهة أخرى، فان جهود الحكومة والجيش لنزع سلاح حزب الله واجهت صعوبات، وقد يؤدي انخراط التنظيم الشيعي بشكل اكبر في القتال الى تعزيز الشرعية في أوساط أبناء الطوائف الأخرى لتحرك طموح اكثر من قبل الحكومة ضد الحزب.
ما لم يتم قوله
اذا ما اتخذت الولايات المتحدة قرار بالهجوم في القريب، فهذه ستكون اول حرب تشنها في المنطقة في شهر رمضان. وقد تؤدي حرب في هذا التوقيت الى زيادة التعاطف مع ايران في العالم الإسلامي بدرجة معينة. أيضا قد تكون لها تاثيرات سلبية على الوضع في الساحة الفلسطينية. ففي الضفة الغربية يسود التوتر عشية شهر رمضان في ظل الصعوبات الاقتصادية وخطوات الضم التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية والمستوطنون والاثار المتاخرة للحرب في قطاع غزة.
يقر الجيش الإسرائيلي بوجود تصعيد مضطرد في الضفة الغربية على مدى فترة من الزمن، لكنه لا يتوقع حاليا انفجار سريع في ظل الاحداث الجارية فيها. وقد تاتي الشرارة من الخارج، مثلما في حالة اندلاع حرب إقليمية. بشكل عام ينظر الى حلول شهر رمضان في هذا الوقت كعامل ردع. في خضم فترة اقتصادية واجتماعية صعبة ومضطربة، ونظرا للاحتكاك المستمر مع الجيش والمستوطنين، فمن المرجح ان يفضل كثيرون في الضفة الغربية فترة راحة هادئة تسمح لهم بالتركيز على المشاركة في مناسبات شهر الصوم ومراعاة عاداته.
ما تقلل وسائل الاعلام في إسرائيل الكتابة عنه هو عمق المعاناة الاجتماعية التي تمر على الفلسطينيين في الضفة الغربية. فقد كان لاندلاع الحرب في 7 تشرين الأول تداعيات اقتصادية واسعة النطاق، حيث أدت المذبحة في القطاع الى قطع العلاقة الاقتصادية بين الضفة الغربية وإسرائيل بدرجة كبيرة، وتوقف العمل القانوني للفلسطينيين في داخل الخط الأخضر بشكل شبه كامل، أيضا توقف تحويل أموال الضرائب الفلسطينية للسلطة، الامر الذي فاقم الوضع الاقتصادي في الضفة بشكل كبير.
نظرا لهذه الصعوبات اضطرت عائلات كثيرة في الضفة الى بيع الذهب والمجوهرات، بل وحتى الأراضي، من اجل البقاء. وبات راس المال اكثر تركيزا في يد شريحة ضيقة في المجتمع، الامر الذي يعمق الفجوة الاقتصادية ويفاقم الإحباط. وتسبب الازمة المستمرة ظواهر اجتماعية مقلقة مثل ارتفاع حاد في الجرائم واحداث العنف داخل العائلة وازدهار الدعارة كمصدر دخل وزيادة في حالات الطلاق وما شابه. كل هذه العوامل تساهم في التفكك السريع والمفاجيء لوحدة العائلة التقليدية. وقد كشف ملخص أجرته قوات الامن الفلسطينية في 2025، بان عدد الاعتقالات على أساس جنائي تضاعف ثلاث مرات ووصل الى 12 الف اعتقال في السنة.
الحرب في ايران يمكن ان تؤدي الى تصاعد الهجمات التي ينفذها ارهابيون افراد وخايا محلية كبادرة تضامن مع الإيرانيين ومحاولة لتقويض الامن الداخلي في إسرائيل وفي المستوطنات. من ناحيته يستعد الجيش الإسرائيلي الى تبني اجراءات اكثر صرامة في انفاذ القانون تشمل اغلاق بعض المناطق ووضع نقاط تفتيش على طرق الضفة الغربية وزيادة الاغلاقات على طول خط التماس.
——————————————
هآرتس 20/2/2026
كل خطوة تتخذها الحكومة والجيش في الضفة الغربية تهدد حل الدولتين
بقلم: هاجر شيزاف
يدرك كل من له عقل في راسه بانه من الغباء الاعتقاد بان ضم الضفة الغربية سيكون بواسطة اعلان. ان تحركات الحكومة تجعل الضم واقع ملموس الان وبشكل علني. وقد اكدت المحادثات التي اجريتها مع دبلوماسيين في الفترة الأخيرة اثناء مؤتمر ميونيخ للامن ما كنت اعتقده: الجميع، باستثناء ربما المواطنين في إسرائيل، يعرفون حجم الماساة التي تنكشف امامنا. وعندما سئلت عن سبب عدم رفض المجتمع الدولي للتحركات التي يدينها بنفسه، حصلت على عدة إجابات، وكان الاستنتاج الواضح منها واحد: لقد تمت التضحية بالضفة الغربية على مذبح خطة ترامب في قطاع غزة والنظام العالمي المتغير.
ان أي محاولة لتفسير تحركات إسرائيل في الضفة الغربية في السنوات الثلاثة الأخيرة ستبدو بالفعل كقائمة طويلة من التفاصيل البيروقراطية، لكن مهم معرفة جوهرها: النقل السريع للأراضي الى إدارة الدولة ومنع الفلسطينيين من الوصول اليها، سحب الصلاحيات والأموال من السلطة الفلسطينية مع الاضرار بالسكان الذين يعتمدون على رواتبهم منها كمصدر دخل، هدم بيوت الفلسطينيين وتجميد هدم البؤر الاستيطانية، تسهيل شراء الأراضي من قبل المستوطنين بشكل كبير وإلغاء الانتقادات الموجهة لمعاملات التحايل.
أيضا يشمل ذلك تغيير هيكلية السيطرة في الضفة الغربية ونقلها من السلطة العسكرية الى السلطات المدنية، تعيين مستوطنين واشخاص من اليمين المتطرف في مناصب رئيسية، التطهير العرقي في مناطق ج على يد المستوطنين الذين ياتون من بؤر استيطانية تمولها الدولة وتحصل على الحماية العسكرية، تفكيك مخيمات اللاجئين، الغاء الانسحاب من شمال الضفة الغربية، العقاب الجماعي للمزارعين الفلسطينيين من قبل الجيش.
إضافة الى ذلك اثناء الحرب تلاشت أي حدود فاصلة متبقية بين الجيش والمستوطنين، وازداد غض نظر النيابة العسكرية عن تورط الجنود في الجرائم، والشرطة سمحت بازدياد العنف ضد الفلسطينيين بوتيرة غير مسبوقة. بكلمات أخرى، على ارض الواقع تتم عملية الضم بكل معنى الكلمة تقريبا، باستثناء الإعلان الرسمي، الامر الذي يتيح لترامب ونتنياهو مجال للنفي، ويخدم مصالح المستوطنين وممثليهم في الحكومة.
تظهر المحادثات مع الدبلوماسيين بان الكثيرين منهم يعرفون الوضع على حقيقته، لكن نظرا لان هدفهم النهائي هو ضمان استمرار إسرائيل في التقدم عبر مراحل خطة ترامب في غزة، فان رغبتهم في استخدام الضغط عليها بخصوص الضفة الغربية تتضاءل. الأوروبيون يشعرون بالفعل ان نفوذهم محدود مقارنة مع دول الخليج التي تتمتع بنفوذ اكبر على إدارة ترامب، التي تعتمد عليهم في تنفيذ خطتها في غزة، التي تسمى “خطة السلام”، حتى من قبل الذين يعرفون انها ليست كذلك.
في حين ان الحرب في غزة دفعت مسؤولين أوروبيين الى التهديد بتجميد اتفاق الشراكة مع إسرائيل (الذي يشكل اطار التجارة والتعاون بينها وبين الاتحاد الأوروبي)، فان مصدر دبلوماسي قال لي بانه يصعب تصور حدوث ذلك ردا على التطورات في الضفة الغربية. ومن العوامل الأخرى التي يشير اليها الدبلوماسيين والتي تصعب على منع إسرائيل من فعل ما تشاء هو اقتراب موعد الانتخابات في إسرائيل، الامر الذي يدفع بتسلئيل سموتريتش الى تسريع خطوات الضم تحسبا لاختفائه المحتمل من الساحة السياسية، واهمال إدارة ترامب لما ينظر اليه بانه “تفاصيل”.
الان يعاني كل النظام الدولي من الصدمة ويحاول إعادة تقييم بقاء هيئات مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو) والأمم المتحدة، ومستقبل غرينلاند وأوكرانيا، والتعامل مع التوترات بين دول الخليج بشان السودان واليمن، ومستقبل النظام في ايران. ان المصالح بعيدة المدى لدول العالم في مواجهة إدارة ترامب تقلل الرغبة في اتخاذ أي إجراءات تتجاوز التنديد، وبالتالي يتم تهميش قضية الضفة الغربية.
لقد وصف مسؤول سابق رفيع المستوى في المؤسسة الأمنية ما يحدث في الضفة الغربية بانه “عاصفة كاملة”: الحرب في غزة، حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل ورئاسة ترامب. وبحسبه فان سموتريتش، الذي أعطاه نتنياهو سلطة إدارة الضفة الغربية، يقوم باحداث تغييرات بعيدة المدى تغيرها جذريا، ومن بين هذه التغييرات نقل الاستشارات القانونية من الجيش الى وزارة العدل، الامر الذي أدى الى تغيير جذري في صلاحيات الدولة في المناطق المحتلة، وقرار استئناف الاستيطان ناهيك عن نقل صلاحية اصدار رخص البناء في الخليل، الامر الذي سيزيد سيطرة المستوطنين على الفلسطينيين في المدينة التي تعتبر رمز للفصل العنصري.
أي خطوة تتخذها الحكومة والجيش في الضفة الغربية تهدد حل الدولتين او اتفاق أوسلو وتخفي اكثر مما تظهر، الامر الذي يتيح لنا التحدث عن الخوف من شيء لم يحدث حتى الان، وان حدوثه في المستقبل سيكون بمثابة نهاية القصة. ولكن المجرمين لا يعلنون في العادة عن جريمتهم قبل تنفيذها، واذا كان يمكن تنفيذها في ظل حرف الانتباه فهذا افضل.
من النظام القديم لم يبق الا ما يخدم إسرائيل – اتفاق أوسلو، حل الدولتين وما يسمى بالطبيعة المؤقتة للحكم العسكري. كل شيء باستثناء ذلك قابل للتفكيك والازالة. هناك ترقب عالمي بان تمهد الانتخابات في إسرائيل الطريق لتغيير موقفها من الفلسطينيين. وبالنظر الى ان الإشارة الصريحة الى الاحتلال تعتبر تضليل حتى في نظر من يعتبرون انفسهم وسط – يسار ، فان تغيير الوضع في الضفة الغربية لن يكون امرا سهلا.
——————————————
معاريف 20/2/2026
الهجوم الأمريكي الاسرائيلي يمكن أن يوقظ الاحتجاجات ويسقط النظام الايراني
بقلم: بن كسبيت
كلنا قلقون. أوراق الشجر تتطاير برياح الحرب. القلق يتسلل عبر فتحات التنفس وعناوين النشرة الإخبارية. يسيطر على الوعي، على الوعي الباطني لحد فقدان الوعي. المتراسلون على الواتس اب الذين يصدرون الرسائل على مدى ساعات اليوم، الاستجداءات للحصول على تلميح او كسرة تقدير متى سيحصل هذا، هل حقا في نهاية هذا الأسبوع ام في منتصف الأسبوع القادم. هل يوجد احتمال ان يردوا ضدنا ام اننا نحن سنرد ضدهم قبل ذلك. وصياغات أخرى لا تنتهي من السؤال ذاته: متى الحرب؟ هل مرة أخرى سيطلقون علينا صواريخ باليستية؟
هذا طبيعي، لكنه مبالغ فيه أيضا. جدا. وينبغي أن نقول الحقيقة: احد لا يعرف متى سيحصل هذا. بمعنى يوجد بالذات واحد يعرف. هو سيقرر لكن برأيي الواحد الذي يعرف أيضا، لا يعرف. وحسب شهادته سيقرر في اللحظة الأخيرة، وهو قادر على أن يقرر كل شيء. هو ليس مقيدا بأي شيء. بخلاف كل اسلافه، الرؤساء الأمريكيين (العاديين) ليس لهذا الرئيس قوانين، قواعد، توازنات، كوابح، ثبات او كياسة. يفعل ما يروق له. أحيانا هذا جيد لنا. أحيانا هذا رائع لنا. أحيانا لا.
لدى رئيس امريكي عادي كان يمكن التقدير الى أن يسير هذا. كان يمكن الفهم الى اين هذا يسير. كان يمكن اجمال الأمور والمعرفة بان الى هناك هذا يسير. اما لدى الحالي، فلا يمكن. لقد اجتذب الى هذا الحدث مع ايران بالصدفة. الوعد إياه الذي أعطاه للمتظاهرين الحجوم الوحشية للمذبحة، “شبه الهجوم” في الليلة إياها بين الأربعاء والخميس والقول ان “المساعدة على الطريق”.
وبالفعل، هذه طريق طويلة. دونالد ترامب لم يخططها. بل علق فيها. من ناحيته كل شيء انتهى منذ زمن بعيد. اعلن عن نصر مطلق، نهائي ورباني بعد أن انزلت قاذفات الـ B2 خاصته بضع قنابل خارقة على مجال فوردو وكان يخيل لنا جميعا انه أنهى. لكن منذئذ كل شيء يحصل بسرعة لا يمكن التحكم بها. تسلق الى شجرة عالية جدا. من جهة أخرى لم تغرس بعد الشجرة العالية التي لا يمكن لترامب ان ينزل عنها بالسرعة إياها التي تلق عليها. من ناحيته كل شيء ممكن. اذا قرر بان الاتفاق مع ايران هو صبابة، فعندها هكذا سيكون. وحتى اذا كان الاتفاق سيئا. ومثلما صرخ على فولوديمير زيلينسكي بان “أوكرانيا شنت الحرب ضد روسيا”، ومثلما من كل زعماء العالم وقع بالذات في عشق واحد هو رجب طيب اردوغان.
هكذا هو ترامب. وبخلاف ما حصل مع براك أوباما، سيتعين على بنيامين نتنياهو أن يسير مع كل قرار. مع كل الاحترام لإيران، لديه عفوا على الرأس. اذن نحن متعلقون بترامب تماما. هذا هو الوضع، وحتى الان هذا ليس سيئا حقا. في هذه اللحظة قلبه في المكان الاصح. الامريكيون يواصلون حشد حول ايران قوة هائلة. هذا لا يزال بعيدا عن القوات التي حشدت في حينه قبل اجتياح العراق او أفغانستان، لكن في حينه كانت اجتياحات برية. اما هذه المرة فيبدو أن الحديث يدور عن معركة عسكرية وحصار بحري. يبدو ترامب كمن هو مصمم على تغيير النظام في ايران. اذا نجح هذا معه فهذا هو الفعل الأهم للحصول على جائزة نوبل للسلام. جدية ترامب حقيقية وينبغي الصلاة لان تبقى هكذا، لكن ان نكون أيضا واعين لامكانية ان لا.
كل إسرائيلي صهيوني يجب أن يأمل في أن يحسم ترامب في صالح هجوم امريكي قوي وطويل الأمد في ايران. فايات الله يوجدون الان في نقطة الدرك الأسفل والأخطر منذ الثورة في 1979. هم يائسون. لا توجد لهم أدوات، لا توجد وسائل. ليس لهم كيف ينقذوا أنفسهم من هذه الحفرة التي سقطوا فيها. هم يحتاجون الى الوقت، الى المال. ليس لهم وقت وليس لهم مال. اتفاق مع أمريكا، حتى لو كان اتفاقا انتقاليا مؤقتا سيعطيهم الوقت والمال.
لاجل اسقاطهم هناك حاجة لدفعة صغيرة واحدة أخرى. الهجوم الأمريكي، الذي حسب كل المنشورات كفيل بان يكون إسرائيليا أيضا يمكنه أن يوقظ من جديد الاحتجاج ويوقظ قوى داخلية غافية وشبكات داخلية منظمة تنضم الى موجات الهجمات من الخارج وتنهي هذا النظام الدموي. ينبغي الامل في ان تكون كل أجهزة الاستخبارات الممكنة اعدت هذا. الفرصة الحالية لن تتكرر. هذا حدث واضح لمرة واحدة، ربما حتى مرة في القرن. إزالة التهديد الإيراني عن إسرائيل وعودة ايران الى اسرة الشعوب هما لعبة تغيير على مستوى توراتي. ليس فقط لإسرائيل بل للمنطقة كلها.
بدلا من الخوف من هذا، ينبغي الامل بهذا. بدلا من التخوف ينبغي الطلب. القلق الوجودي الذي يدق في قلوب الكثيرين جدا منا، زائد. نعم، الحرب هي امر سيء، بل وخطير أيضا. لكن إبقاء ايران كتهديد موقوت يواصل التخطيط لابادتنا واحاطتنا بحزام ناري، هذا حدث خطير اكثر بكثير. الحرب ضد الشيطان، ضد القوى الظلامية، ضد دولة كبرى هي أيضا قوة عظمى إقليمية وضعت لنفسها هدفا استراتيجيا واحدا الا وهو شطب إسرائيل عن وجه البسيطة – هي حرب مقدسة.
صحيح أننا يمكن أن نصاب. لكننا سننجو. إسرائيل هي الدولة المهددة الأكثر في العالم لكنها أيضا الدولة الأكثر تحصينا في العالم. بفارق هائل عن كل باقي الدول. في الزمن الذي انقضى منذ الأسد الصاعد نجحنا في استكمال معظم ما كان ينقصنا. استخلصنا الدروس. منظومات الاعتراض تعلمت بشكل سريع وتحسنت. محظور الاستخفاف بالايرانيين. هم أيضا يعملون ويتحسنون لكن وسائلهم محدودة.
ايران هي دولة في حالة افلاس مستمر، في انهيار متسارع للبنى التحتية، في حصار دولي، في الجولات السابقة كان يفترض ان يطلقوا علينا مئات الصواريخ دفعة واحدة. وبالاجمال اطلقوا عشرات. توصلوا الى استنتاج بان اطلاق 30 صاروخ دفعة واحدة هو الأكثر نجاعة من ناحيتهم. اذا اخترق اثنان، ثلاثة منها غلاف الدفاع هذا يكفيهم. هكذا كان في المرة السابقة. منذئذ وحتى اليوم وضع ايران لم يتحسن بل العكس. قدراتنا بالذات تحسنت.
——————————————
إسرائيل اليوم 20/2/2026
حماس طلبت من منصور عباس قبل الحرب ان يشارك نتنياهو في الائتلاف
لا تذهب مع بينيت – اذهب مع نتنياهو
بقلم: عمِيت سيغال
قبل خمس سنوات رنّ هاتف رئيس القائمة العربية الموحدة (راعم)، ومن الطرف الآخر جاء طلب مفاجئ. وحتى اليوم، رغم التصريح عن قائمة مشتركة، لا يزال عباس معنيًا بدخول الائتلاف. وأيضًا: ما الذي جعل لابيد يقول هذا الأسبوع: “لم أعد واثقًا أننا سنفوز”؟
🔷 بوليصة تأمين
قال منصور عباس الحقيقة في مقابلة مع دانا فايس عندما كشف أنه تلقى في عام 2021 اتصالًا من قطر لإقناعه بعدم الذهاب مع بينيت بل مع نتنياهو. لكن الحقيقة الكاملة أكثر إثارة: الاتصال جاء من قطر، لكنه لم يكن من جهة قطرية رسمية، بل كان على الخط قيادي في حماس. وقد رأى هذا القيادي أن نتنياهو يميل إلى مواصلة التهدئة والتفاهمات غير المعلنة، بينما قد تنجرّ حكومة جديدة إلى عملية عسكرية في غزة.
مرّت خمس سنوات، ولم تعد حماس تعمل لصالح حكومة يمين كاملة (أو شبه كاملة). لكن الظروف الأساسية لم تتغير. لا يزال عباس يرغب في دخول الحكومة بأي ثمن، بينما يسعى خصومه في المجتمع العربي إلى قائمة مشتركة ترفع نسبة التصويت العربي. فالإحصاءات لا تكذب: اتحاد عربي يمنح ما لا يقل عن 13 مقعدًا وينتهي دائمًا في المعارضة؛ أما الانقسام فيمنح حتى 10 مقاعد، لكنه يتيح لعباس التأثير من الداخل. ويعتقد مقربوه أن بالإمكان هذه المرة الوصول إلى 16 مقعدًا بفضل “عامل إضافي”: إقصاء بن غفير من الحكومة. وسيقال للناخبين إنه حتى لو قامت حكومة وحدة يهودية، فإن “عوتسما يهوديت” ستبقى خارجها.
لكن ذلك لا يُرضي عباس. فعندما انفصل عن شركائه قبل خمس سنوات، قال لهم: “أنتم تريدون إسقاط كل حكومة وحلّ كل كنيست”. وهو يتذكر جيدًا كيف ساهمت أحزاب حدش وتعال وبلد في إنهاء حكومة التغيير. لذلك ينوي وضع أكبر قدر ممكن من العراقيل أمام تشكيل قائمة مشتركة. فخمسة مقاعد مضمونة في اليد أفضل لديه من خمسة عشر “على الشجرة” بطابع انعزالي.
المفاجأة أن كلاً من بينيت ونتنياهو لا يرغبان في قيام قائمة عربية موحدة. لكل منهما استطلاعاته. في معسكر التغيير يعتمدون على معظم استطلاعات قنوات التلفزيون، التي تُظهر أنه من دون اتحاد عربي تصبح المعارضة على بُعد مسافة قصيرة من 61 مقعدًا.
أما نتنياهو فيعتمد على استطلاعات الليكود، التي تمنح معسكر اليمين 59 أو 60 مقعدًا. فوجود كتلة عربية كبيرة يشبه شراء بوليصة تأمين باهظة ضد الكوارث:
تمنع الخصم من تحقيق الأغلبية، لكنها تقلّص حجم معسكرك. وكما هو معروف، فإن نتنياهو وبينيت كانا سيشترِيان بآخر شيكل لديهما ليس بوليصة تأمين، بل بطاقة يانصيب.
🔷 الليكود الذي يمين الليكود
قال رئيس المحكمة العليا يتسحاق عميت: “الديمقراطية لا تموت بضربة واحدة، بل بمئة ضربة صغيرة”. وبالمثل، فإن الضم لا يأتي بإعلان واحد، بل بمئة خطوة صغيرة. هذا الأسبوع خطت الحكومة خطوة ليست صغيرة: فتحت المجال أمام شركات إسرائيلية لشراء أراضٍ في يهودا والسامرة وتسجيلها، لأول مرة منذ عام 1967.
باستثناء يائير غولان الذي علّق على الأمر في مقابلة إذاعية، لم ينبس أحد من قادة المعارضة بكلمة: لا لابيد، ولا آيزنكوت، ولا غانتس، وبالتأكيد لا ليبرمان أو بينيت. وعندما يُقال إن المجتمع الإسرائيلي يتجه يمينًا، فالمقصود ليس فقط التصويت لبن غفير أو نتنياهو، بل أن خطوات كانت في قلب الجدل أصبحت اليوم شبه إجماع.
مثال آخر: إذا حدثت معجزة بعد الانتخابات وشكّل نتنياهو حكومة مع ليبرمان وبينيت، إضافة إلى سموتريتش والأحزاب الحريدية، فستُعرّف كحكومة وحدة وطنية واسعة. قبل عقد من الزمن، عندما انضم ليبرمان إلى حكومة مشابهة، اهتزّت البلاد من “حكومة اليمين المتطرف”، وتحدث الراحل روني دانيال عن احتمال ألا يبقى أولاده في البلاد.
هذا هو السياق لتحذير لابيد هذا الأسبوع: “لم أعد واثقًا أننا سنفوز”. يواجه معسكر التغيير تحديًا ديمغرافيًا: منذ الانتخابات الأخيرة أُضيف 600 ألف ناخب جديد – رقم قياسي منذ قيام الدولة – معظمهم من الحريديم، والتيار الديني القومي، وسكان الأطراف، والعرب. في المقابل، توفي أو غادر البلاد 200 ألف شخص، وهو رقم قياسي أيضًا. الفارق يعادل مقعدين إلى ثلاثة صافيًا.
يستفيد معسكر التغيير من تنظيم مبكر وفعّال يمنع ضياع الأصوات، بينما تُهدر تسعة مقاعد تحت نسبة الحسم في أحزاب لا تستبعد نتنياهو (سموتريتش، هندل، غانتس). لكن التقدير أن هذه الأصوات لن تضيع في النهاية. ورغم أن جدول الأعمال يتركز على قضية تجنيد الحريديم، فإن عودة عودة وعباس والطيبي إلى الواجهة بدأت تؤثر مجددًا في حسابات التصويت.
ما قصده لابيد أن النصر ليس مضمونًا، وهو محق. ويرى أن “يش عتيد” يجب أن تقود المعسكر، وهذا قابل للنقاش. لكن من الواضح أنه لا يمكن حسم المعركة دون أصوات يمينيين خاب أملهم من نتنياهو، يريدون الاستيطان في يهودا والسامرة، وإصلاحًا قضائيًا مخففًا، وقانون تجنيد أكثر صرامة.
وكما يُقال، القذيفة التي تقتلك هي التي لا تسمع صفيرها. ما يهدد معسكر التغيير ليس الخلافات الداخلية ولا الأحزاب الهشة، بل احتمال ظهور حزب جديد: ليكوديون سابقون، يمين لم يتلطخ بأحداث 7 أكتوبر. موشيه كحلون توصّل هذا الأسبوع إلى صفقة ادعاء تتيح له العودة؛ يولي إدلشتاين يدرس خياراته؛ وغلعاد أردان، السفير السابق لدى الأمم المتحدة، يظهر أكثر في الاستوديوهات.
🔷 ما لا يُرى
تباهى العميد عوفر فينتر بحلّ طوّره حين كان قائد لواء غفعاتي في عملية “الجرف الصامد” لمواجهة الأنفاق – حلّ لا يزال محظورًا كشف تفاصيله واسمه العملياتي. كان مناسبًا لعام 2014، لكن الأنفاق تطورت منذ ذلك الحين، وتعلمت حماس.
مع اندلاع الحرب الحالية، همس فينتر في أذن أحد قادة الفرق. طريقة التدمير التي طُوّرت منذ ذلك الحين تشبه الديمقراطية: أسوأ الطرق، باستثناء كل البدائل الأخرى.
لكن خبرًا صادمًا ومقلقًا اختبأ في خطاب رئيس الوزراء هذا الأسبوع: لعدة أشهر قيل إن الجيش دمّر تقريبًا جميع الأنفاق في غزة؛ ثم خلال وقف إطلاق النار قيل فجأة 60%. وجاء نتنياهو ليعلن: هناك 500 كيلومتر من الأنفاق في القطاع، دمّرنا 150 كيلومترًا منها. أي أن 70% من الأنفاق لا تزال قائمة
——————————————
هآرتس 20/2/2026
المسجد الأقصى في “قضم” زماني ومكاني.. واليمين الإسرائيلي: حتى لا يسموها حرباً دينية
بقلم: أسرة التحرير
منذ بداية الحرب، تفعل شرطة إسرائيل تحت الوزير الكهاني بن غفير كل شيء لاستفزاز الجمهور الفلسطيني في إسرائيل وفي شرقي القدس، وبقوة أكبر بعد تعيين قائد لواء القدس الجديد، اللواء ابشالوم بيلد، مقربه. حتى الآن، فشلت الجهود ولم ينجرّ الجمهور العربي وراء الاستفزازات. بمناسبة شهر رمضان، تضاعف الشرطة جهودها. فمنذ بضعة أسابيع وهي تنكل بالسكان الفلسطينيين في شرقي القدس. فقد اقتحمت الشرطة مناسبات ثقافية، بينها مسرحية للأطفال، بث فيلم ومعرض رسومات فأغلقتها بالقوة؛ وأصدرت أوامر إبعاد لمئات السكان من شرقي المدينة عن الحرم؛ وحثت بلدية القدس على تصعيد وتيرة هدم المنازل؛ وانطلقت إلى “حملات إنفاذ” في أحياء شرقي المدينة، تضمنت اقتحام مئات من أفراد الشرطة، اعتقالات، إغلاق طرق، إلغاء تعليم، تحرش وإصدار مخالفات. إضافة إلى ذلك، تواصل الشرطة السماح لنشطاء الهيكل القضم في الوضع الراهن في الحرم حين سمحت لهم بإدخال صفحات صلاة، الصلاة، الرقص، الغناء والانبطاح في مكان يعتبره مئات ملايين المسلمين مسجداً. الوضع الراهن، وغني عن الذكر، خلقته إسرائيل كي تمنع النزاع الإسرائيلي الفلسطيني من أن يتحول إلى حرب دينية.
كلما اقترب رمضان كثرت الأعمال التي هدفها تقليص حرية الفلسطينيين في القدس وإهانتهم. فقد اعتقلت الشرطة حراساً من الأوقاف بدعوى أنهم كانوا يحوزون ألعاباً نارية، رغم أنها ألعاب نارية مصادرة بل إن بعضها ألقي به إلى القمامة وتكبد الحراس حتى عناء ترطيبها لمنع استخدامها. وفي اليوم الأول لرمضان، اقتحم أفراد الشرطة مركزاً جماهيرياً قديماً في البلدة القديمة. برج اللقلق، مركز يجري دورات للأطفال، يستضيف مجموعات رياضية ويدير نادياً للعجائز. أغلقته الشرطة بأمر إداري اشتباهاً بتلقيه مالاً من السلطة الفلسطينية لغرض التزيين لرمضان. إضافة إلى ذلك، في صلاة التراويح الأولى بالمسجد الأقصى دخل أفراد الشرطة إلى المسجد وتجولوا باستعراض بين المصلين. وفي الغداة، مددت الشرطة ساعات فتح الحرم لليهود، كتعويض عن إغلاقه في الظهيرة بسبب صلوات في رمضان – قضم إضافي في الوضع الراهن.
إن بن غفير هو الوزير الأكثر فشلاً في تاريخ دولة إسرائيل – أمس أحصينا 55 شخصاً قتلوا في غضون أكثر بقليل من شهر ونصف – رقم قياسي رهيب آخر تحطم. أحد أسباب الفشل المدوي هذا هو توجيه الشرطة إلى أعمال إهانة واستفزاز للمواطنين الفلسطينيين بدلاً من تنفيذ أعمال حفظ النظام. لم يتبقَ في الشرطة حتى الآن من يقف في وجه هذه الموجة العكرة. في الماضي درج نتنياهو، كرئيس وزراء، على كبح خطوات خطيرة وغبية في الحرم، لشدة المأساة، لا نتوقع شيئاً ممن عين كهانياً يدق طبول الحروب في المنصب الأكثر حساسية.
—————–انتهت النشرة—————–

