لا يمكن التعاطي مع فرضية تغييب المرشد الإيراني علي خامنئي بوصفها لحظة انهيار تلقائي للنظام، كما يروّج بعض الخصوم أو يتمنى آخرون، فالنظام السياسي في إيران لا يقوم على شخص بقدر ما يستند إلى بنية مؤسساتية متماسكة، تتوزع فيها السلطة بين الحكومة ومجلس خبراء القيادة ومجالس عليا تضبط عملية الانتقال وفق آليات دستورية واضحة، وفي حال غياب المرشد لأي سبب، تُفعَّل هذه الآليات لضمان الاستمرارية، ما يجعل الحديث عن فراغ سياسي أو تفكك فوري أقرب إلى التبسيط الدعائي منه إلى التحليل الواقعي القائم على فهم طبيعة الدولة العميقة في إيران.
في هذا السياق، فإن تغييب رأس الهرم لا يعني بالضرورة حسم الصراع القائم أو إنهاء المواجهة، إذ أثبتت التجارب أن القوة الجوية، مهما بلغت كثافتها وتفوقها التقني، لا تسقط نظاماً متجذراً ما لم تقترن بقوة داخلية منظمة قادرة على قلب موازين السلطة من الداخل، وهو عنصر لا تبدو شروطه متوافرة حتى الآن، ما يرجّح أن أي مواجهة عسكرية مقبلة ستكون طويلة الأمد، مختلفة في طبيعتها وامتداداتها عن جولات سابقة محدودة، وستحمل تداعيات إقليمية ودولية أوسع، خصوصاً إذا ما اتجهت نحو نمط الحرب الشاملة، حيث إن توسيع دائرة الاستهداف ليشمل إسرائيل ودول الخليج والقواعد الأمريكية في المنطقة، يهدف إلى إيصال رسالة ردعية مفادها أن المساس بإيران أو بقيادتها سيؤدي إلى إشعال الإقليم بأكمله، مع احتمالات تدخل حلفاء طهران واستخدام أوراق استراتيجية لم تُستنزف بعد، وفي مقدمتها تهديد الملاحة في مضيق هرمز.
في المقابل، يبرز سيناريو آخر لا يقوم على سقوط النظام بل على استمراره مع تغيير في رأسه، أي وصول خليفة يمتلك مرونة سياسية ونفسية أعلى تتيح له الانخراط في تسوية أو صفقة كبرى تضع حداً لحرب طويلة ومكلفة، فبالنسبة للمرشد الحالي كانت أي تسوية تُفهم كخضوع للشروط الأمريكية والإسرائيلية بمثابة تجرّع “كأس السم”، بينما سيكون العبء التاريخي أقل ثقلاً على خليفة جديد، سواء أتى من داخل التيار المحافظ أو من الوسط أو حتى من التيار الإصلاحي، ما يجعل تمرير الصفقة أكثر قابلية على المستويات السياسية والإعلامية والشعبية. غير أن خطورة هذا المسار تكمن في أن ثمنه لن يكون داخلياً فحسب، بل سيدفع من رصيد القضايا العربية والإسلامية، إذ إن أي انزلاق نحو تفاهمات استراتيجية مع الولايات المتحدة، سواء عبر تحالف معلن أو عبر الاستجابة للشروط المفروضة، سيؤدي عملياً إلى تسهيل مشاريع تصفية القضية الفلسطينية وتسريع مسار صهينة المنطقة، بما يجعل المواجهة مع هذا الواقع أكثر تعقيداً وخطورة على المدى البعيد.
أما السيناريو الأسوأ، فيتمثل في انفجار داخلي شامل تقوده قوى معارضة تستثمر لحظة ضعف أو ارتباك أو يأس محتمل داخل القاعدة الاجتماعية المؤيدة للنظام، بما يفضي إلى إسقاطه بالكامل واستبداله بسلطة ذات توجهات متصهينة أو، في الحد الأدنى، متماهية مع المصالح الأمريكية، وهو تحول استراتيجي كامل في موقع إيران ووظيفتها الإقليمية، ستكون كلفته على قضايا الأمة، وفي مقدمتها فلسطين، باهظة إلى حد يصعب تعويضه أو احتواؤه في المستقبل المنظور.
في مقابل هذه السيناريوهات القاتمة، يبقى الاحتمال المأمول هو قدرة النظام على الصمود واستنزاف خصومه بما يفرض وقف الحرب، على أن يتبع ذلك مسار تفاهمات جديدة مع المحيط العربي والإسلامي، لا تقوم على منطق التبعية أو التكيّف مع مشروع الصهينة، بل على قاعدة المصالح المشتركة ومواجهة الأخطار الوجودية التي تستهدف المنطقة بأكملها.
في المحصلة، يعيش الإقليم حالة مخاض عميقة تتقاطع فيها حسابات القوة مع أوهام التفوق، وغرور القوة الذي يتلبّس المشروع الصهيوني يدفعه إلى صدامات مفتوحة مع الجميع بلا استثناء، بالتوازي مع مخاض دولي يعيد تشكيل موازين القوى والتحالفات، وفي ظل هذا التشابك المعقد، يصعب الجزم بأي السيناريوهات سيتحقق، غير أن الثابت الوحيد هو أن المشاريع القائمة على القهر والعدوان، مهما طال أمدها وكثرت تضحياتها، لا يمكن أن تنتصر على إرادة الشعوب إلى الأبد.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار الاخباري

