المسار : في خطوة أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الفلسطينية والحقوقية في لبنان، أقدمت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” على توقيف عدد من موظفيها عن العمل، على خلفية مشاركتهم في مراسم تشييع شهداء، ما فتح باب الانتقادات مجددًا أمام سياسات الوكالة تجاه العاملين لديها.
وبحسب معطيات حصلت عليها “قدس برس”، شملت قرارات التوقيف كلًا من المعلم الشيخ ماهر الصديق، والصيدلي هاني عوض، والممرض محمد وهبة، وآذن إحدى المدارس وليد دهشة، حيث جرى توقيفهم عن العمل لمدة ستة أشهر بدون مرتب إلى حين إنتهاء التحقيق، وبرّرت إدارة “أونروا” هذه الإجراءات بما اعتبرته مخالفة للأنظمة والقواعد الوظيفية، في إشارة إلى مشاركتهم في التشييع.
رفض واسع واتهامات بـ”التعسف”
القرار قوبل برفض واستياء في أوساط العاملين والناشطين داخل المخيمات الفلسطينية، الذين اعتبروا أنّ فصل الموظفين على خلفية مشاركتهم في واجب اجتماعي وديني يمثّل انتهاكًا صريحًا للحقوق الفردية، وتعديًا على القيم المجتمعية الراسخة في البيئة الفلسطينية.
ويرى متابعون أنّ المشاركة في تشييع الشهداء لا تندرج ضمن النشاطات السياسية أو المخالفات المهنية، بل تُعدّ جزءًا من النسيج الاجتماعي والوطني، ما يجعل معاقبة الموظفين بسببها خطوة “غير مبرّرة” وتعكس تشددًا إداريًا متزايدًا داخل الوكالة.
تداعيات على الواقع الوظيفي
وتثير هذه القرارات مخاوف متزايدة لدى العاملين في “أونروا”، في ظل شعور متنامٍ بعدم الاستقرار الوظيفي، خاصة مع تكرار الإجراءات التأديبية التي طالت موظفين خلال الأشهر الماضية.
ويخشى كثيرون من أن تؤدي هذه السياسات إلى خلق بيئة عمل متوترة، وانعكاسات سلبية على الأداء داخل المؤسسات التعليمية والصحية التابعة للوكالة.
كما يحذّر ناشطون من أنّ استمرار هذه الإجراءات قد يدفع باتجاه تصعيد نقابي أو تحركات احتجاجية، في حال لم تُبادر إدارة الوكالة إلى مراجعة قراراتها وفتح قنوات حوار مع ممثلي العاملين.
في ضوء ذلك، تتصاعد الدعوات من أطر نقابية وفعاليات شعبية إلى إدارة “الأونروا” للتراجع عن قرارات الفصل، وإعادة الموظفين إلى عملهم، مع التأكيد على ضرورة احترام كرامة العاملين وعدم المساس بحقوقهم الأساسية.
كما يطالب ناشطون بضرورة وضع آليات واضحة توازن بين التزامات العمل وحقوق الموظفين الاجتماعية، بما يمنع تكرار مثل هذه الأزمات التي تنعكس سلبًا على استقرار المؤسسات والخدمات المقدّمة للاجئين.
توتر متصاعد داخل مؤسسات الأونروا
وتأتي هذه القضية في سياق أوسع من التوتر القائم بين إدارة “أونروا” والعاملين لديها في لبنان، حيث شهدت الفترة الأخيرة سلسلة من القرارات التأديبية التي طالت موظفين على خلفيات مختلفة، ما أثار انتقادات متزايدة من قبل هيئات نقابية وحقوقية.
ويشير مراقبون إلى أنّ هذه السياسات، في حال استمرارها، قد تُفاقم حالة الاحتقان داخل الجسم الوظيفي، وتؤثر على جودة الخدمات التعليمية والصحية التي تعتمد عليها شريحة واسعة من اللاجئين الفلسطينيين، في ظل أوضاع اقتصادية وإنسانية صعبة يعيشها المخيمات في لبنان.
وتُعدّ وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” الجهة الدولية الأساسية المسؤولة عن تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين منذ تأسيسها عام 1949، بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، عقب نكبة عام 1948.
وتعمل الوكالة في خمسة أقاليم هي: لبنان، سوريا، الأردن، الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث توفّر خدمات التعليم والرعاية الصحية والإغاثة الاجتماعية لملايين اللاجئين.
وفي لبنان، يعيش مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين في 12 مخيمًا رسميًا، أبرزها عين الحلوة، برج البراجنة، شاتيلا، نهر البارد والبداوي، إلى جانب تجمعات غير رسمية.
ويعتمد قسم كبير منهم بشكل شبه كامل على خدمات “الأونروا”، في ظل القيود القانونية التي تحدّ من فرص عملهم، وحرمانهم من عدد من الحقوق الأساسية، ما يجعلهم من أكثر الفئات هشاشة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي.

