الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

هآرتس/ ذي ماركر 25/5/2026

العقد المقبل.. أكبر علامة استفهام تخيم على ميزانية الدولة: “دفاع” يستنفد “المالية”

بقلم: سامي بيرتس

الاتفاق المحتمل بين أمريكا وإيران حول إنهاء الحرب – لم تتضح شروطه بعد – يتشكل في ظل مواجهة إسرائيل لثلاث جبهات حرب لم تحسم بعد. حماس ضعيفة ولكنها تسيطر في غزة، وحزب الله الذي انهار بعد عملية “البيجرات” تعافى وما زال يخيف حكومة لبنان، وإيران ما زالت تمتلك قدرة نووية رغم ما تعرضت له في عملية “شعب كالأسد” و”زئير الأسد”. وقد أثبت استغلالها لمضيق هرمز، المورد الكبير الذي تملكه، أنه ناجح.

لهذا الواقع تداعيات أمنية وسياسية أيضاً، إضافة إلى التداعيات الاقتصادية التي لا تقل أهمية. فلن تقتصر هذه التداعيات على ردة فعل أسواق الأسهم وأسعار النفط التي ستبارك وقف الحرب، بل ستشمل بالدرجة الأولى ميزانية الدولة وما يترتب على ذلك من عجز وضرائب وميزانيات مدنية.

حتى قبل أن تتضح معالم نهاية الحرب، كان واضحاً أن ميزانية الدفاع ستشهد ارتفاعاً كبيراً في العقد القادم نتيجة صدمة أحداث 7 أكتوبر. ومع انفتاح ساحات القتال المذكورة آنفاً، ستزداد طلبات الجيش وقوات الأمن الأخرى صرامة. قد لا يتحقق نصر مطلق، لكن ستكون هناك متطلبات مالية كبيرة جدا.

لجنة نيغل التي نشرت توصيتها بشأن ميزانية الدفاع للعقد القادم في كانون الأول 2024، كتبت في تقريرها عن التهديد الإيراني: “هو تهديد خطير يجب إحباطه في أسرع وقت ممكن، بأي ثمن وبأي طريقة، مباشرة أو غير مباشرة”، كان هذا قبل عملية “شعب كالأسد” و”زئير الأسد”. لم يتم إحباط التهديد رغم الجهود الجبارة التي بذلت واستثمار أكثر من 50 مليار شيكل، وما ترتب على ذلك من ضرر اقتصادي يقدر بعشرات المليارات.

إذا تم تنفيذ التوصية بإحباط هذا التهديد، بأي طريقة وبأي ثمن، فسنكون على أهبة الاستعداد لجولات أخرى مع إيران، حتى لو سعى الرئيس ترامب إلى اتفاق لإنهاء الحملة الحالية. وإذا أدى الاتفاق الموقع مع الجمهورية الإسلامية إلى تخفيف العقوبات المفروضة عليها وإنعاش اقتصادها، فسيبدأ سباق تسلح إقليمي متسارع. قد تستفيد إسرائيل من ذلك كدولة مصدرة لمنظومات السلاح والذخيرة وأنظمة الدفاع الجوية، ولكنها ستضطر إلى تخصيص موارد كبيرة لتعزيز قدراتها.

إضافة للميزانية، لكن على أي أساس؟ 

الرقم الذي يشير إليه نتنياهو بين حين وآخر هو 350 مليار شيكل. هذه هي الإضافة لميزانية الدفاع في السنة القادمة، ومن المفروض أن تشمل 50 مليار شيكل من زيادة نجاعة الجيش الداخلية. وزارة المالية غير متحمسة لإضافة 350 مليار شيكل لميزانية الدفاع. ولكن يقلقها سؤال آخر: إضافة، لكن على أي أساس؟ إذا كنا نتحدث عن ميزانية الدفاع التي كانت قائمة قبل 7 أكتوبر والتي بلغت 70 مليار شيكل، فإنه أمر تحت السيطرة، أما إذا كانت هذه الزيادة ستضاف إلى ميزانيات الدفاع التي وضعت في سنوات الحرب، فهذا شيء مختلف كلياً. ففي هذه السنة مثلاً، تمت الموافقة على ميزانية دفاع تبلغ 112 مليار شيكل. ولكن بعد عملية “زئير الأسد” ارتفعت إلى 143 مليار شيكل. مع ذلك، تطلب المؤسسة الأمنية زيادة تبلغ 34 مليار شيكل. وإذا تمت الموافقة عليها فسيبلغ إجمالي ميزانية الدفاع 177 مليار شيكل هذه السنة.

قبل أسبوعين، طلبت وزارة الدفاع زيادة تبلغ 11 مليار شيكل، والآن تبلغ الميزانية المطلوبة 188 مليار شيكل. وقد زاد الطلب نظراً لتقديرات الحاجة إلى الحفاظ على منطقة أمنية موسعة في لبنان حتى نهاية السنة، والحاجة إلى 80 ألف جندي احتياط طوال السنة.

لذلك، يبرز السؤال المهم: ما هي ميزانية الدفاع الأساسية؟ وإلى أي مبلغ يجب إضافة الـ 350 مليار شيكل في العقد القادم؟ لا أحد يملك إجابة على هذا السؤال. وهو أكبر علامة استفهام تخيم على ميزانية الدولة لهذه السنة وللسنوات القادمة. أمور كثيرة ستحدد بناء على ذلك، مثل نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، والإنفاق على الخدمات المدنية، ومعدل العجز، ومتى وكيف سترفع الحكومة الضرائب على المواطنين. لن يحدث ذلك في ظل هذه الحكومة، لكن الحكومة القادمة ستكون ملزمة بذلك.

فقدان السيطرة

تعكس الفجوة بين طلبات المؤسسة الأمنية وما أقرته الحكومة حتى الآن ثلاث ظواهر معقدة: حرب طويلة ومتعددة القطاعات لا تنتهي، ونقص شديد في الجنود يستدعي تعبئة واسعة النطاق لقوات الاحتياط لفترة طويلة، وفرض العبء على فئة محددة والحاجة إلى مكافأتها، وكلها تعكس صدمة وطنية تملي الكثير من القرارات وتؤدي إلى فتح الخزينة العامة دون رقابة أو إشراف.

لقد أدى غياب الرقابة إلى تأخر المؤسسة الأمنية في تسديد مستحقات الصناعات الأمنية التي تشتري منها بمليارات الشواقل. فقد ذكرت شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية، وهي شركة مقاولات أمنية كبيرة، في تقاريرها المالية في الربع الأول من 2026، التي نشرت في هذا الأسبوع، أن “عدم اليقين بشأن ميزانية الدفاع يتسبب أحياناً بتأخير مؤقت في تسديد وزارة الدفاع لدفعات الصناعات الأمنية الكبيرة، بما فيها هذه الشركة، مقابل المنتجات والخدمات المقدمة لها. من جهة أخرى، لأسباب تتعلق بالميزانية، قد تدفع الوزارة بين حين وآخر دفعات للشركات مقدماً”.

هذه الصياغة اللطيفة تنبع من الظروف. فالصناعات الأمنية تسجل أرباحاً قياسية وأعلى تراكم للطلب في تاريخها، ويزداد الطلب على منتجاتها. فما الذي يهم إذا تأخر زبونها الرئيسي بضعة أشهر في التسديد؟

هناك فقدان سيطرة يعد الأخطر يحدث في قوات الاحتياط. لقد تعهد الجيش الإسرائيلي في السابق بتقليص مدة خدمة الاحتياط، بل وحتى حصل على نصيب بمبلغ 8 آلاف وظيفة للخدمة الدائمة قصيرة الأجل لمدة تبلغ سنتين، بهدف تخفيف العبء على جنود الاحتياط، ولكن هذا لم يتحقق. ويعود ذلك إلى توسيع الجيش الإسرائيلي للمنطقة الأمنية في لبنان وفشله في استقطاب الحريديم للخدمة في الجيش، ومطالبة جنود الاحتياط العودة للخدمة مراراً وتكراراً. ولضمان قدرة الاحتياط على تحمل هذا النقص، يرتب لهم القادة المزيد من الإجازات حتى لا ينهاروا ويتوقفوا عن الحضور.

نتيجة لذلك، تصل تكلفة كل 10 آلاف جندي احتياط إلى حوالي 400 مليون شيكل في الشهر، أي تقريباً 5 مليارات شيكل في السنة. وكان من المفروض، حسب الخطة الأصلية، أن يبقي الجيش على ما معدله 40 ألف جندي احتياط على مدار السنة. ولكنه في الواقع يبقي على أكثر من ضعف هذا العدد.

لم تكشف بعد تفاصيل الاتفاق مع إيران، أو البنود المتعلقة بالساحة اللبنانية، التي تحاول إيران ربطها بالاتفاق الشامل. وتقود إدارة ترامب المفاوضات بمشاركة محدودة من قبل إسرائيل. وحسب الرئيس ترامب، “نتنياهو سيفعل ما أطلبه منه”. بكلمات أخرى، قد تجد إسرائيل نفسها أمام ثلاث ساحات لم يتم حسمها، ولكنها مكبلة، ولن يمنع ذلك المؤسسة الأمنية من المطالبة بأموال كثيرة استعداداً للحظة التي سترفع فيها القيود.

——————————————

هآرتس 25/5/2026

على قاعدة “درء الضرر”.. هل تمنح دول الخليج شبكة أمان لإيران أمام ترامب

بقلم: تسفي برئيل

يبدو أن لا أحد يراهن الآن على احتمالية تجدد الحرب، التي كانت قبل ثلاثة أشهر احتمالية كبيرة. لو نظرنا إلى التقويم لوجدنا أن ترامب لم يكن يرغب في شن هجوم قبل انتهاء موسم الحج، الذي يأتي بعده عيد الأضحى. ويتوقع أن يبدأ العيد الأربعاء ويستمر أربعة أيام. وقد استجاب ترامب بالفعل لطلب السعودية المبكر بعدم استئناف الحرب ما دام أكثر من مليون ونصف مليون حاج في السعودية، وأن الحرب قد تمنعهم من العودة إلى بلادهم.

جاءت التقارير التي تتحدث عن “تقارب في المواقف” بين إيران وأمريكا، وعن مسودة اتفاق “شبه نهائية”، تنتظر الرد الأمريكي، في أعقاب حملة وساطة كثيفة جرت الجمعة في طهران، شارك فيها إلى جانب وفد باكستان برئاسة رئيس الأركان عاصم منير، وفد قطري رسمي، للمرة الأولى منذ بداية الحرب. وإذا ما تحقق “تقارب جوهري” يفضي إلى صياغة “مذكرة تفاهم” فيتوقع تمديد وقف إطلاق النار لستين يوما آخر، تناقش فيها التفاصيل الفنية والملف النووي.

يبدو أن هذا الاختراق تحقق بعد موافقة إيران، التي كانت تشترط فصل التفاوض حول مضيق هرمز عن الملف النووي، على توحيد النقاش في الموضوعين في الوقت نفسه. كان موقف إيران أن ألا تجرى المفاوضات النووية إلا بعد التوصل إلى اتفاق حول وقف كامل للحرب في كل الجبهات، والحصول على ضمانات بعدم استئنافها، والاتفاق على كيفية تحرير أموالها وأصولها المجمدة في أرجاء العالم، التي تقدر بأكثر من 120 مليار دولار، إضافة إلى رفع العقوبات والتوصل إلى ترتيبات للتعويض عن الأضرار الناتجة عن الحرب.

في المقابل، صممت الولايات المتحدة حتى الآن على مناقشة الموضوع النووي أيضاً، الذي يشمل إخراج اليورانيوم عالي التخصيب من إيران، وحظر تخصيب اليورانيوم في إيران، واستخدام ذلك كأداة ضغط لفتح مضيق هرمز. يبدو أن ترامب، مثل إيران، اضطر إلى التنازل والموافقة على ما يوصف بأنه “اتفاق تدريجي”. وقد تشير مشاركة قطر في المحادثات، “كمساعدة وليس كوسيط” كما حددت إيران دورها، إلى نية التعامل مع الأموال المجمدة كخطوة تمهيدية و”خطوة لبناء الثقة”، من شأنها تقريب المواقف بين الولايات المتحدة وإيران.

ما زالت قطر تحتفظ بحوالي 6 مليارات دولار أمريكي تم تحويلها إلى حساب خاص من كوريا الجنوبية، بموجب اتفاق لتبادل الأسرى والمحتجزين الذي وقع في ولاية بايدن في 2023، الذي توسطت فيه قطر أيضاً. وحسب هذا الاتفاق، سمح لإيران باستخدام هذه الأموال لأغراض إنسانية فقط. ولكن عند اندلاع الحرب في غزة في 7 تشرين الأول، طلب بايدن من قطر تجميد الأموال بالكامل ومنع استخدامها لهذه الأغراض أيضاً. وقد استمرت قطر، التي تعرضت لهجوم بالصواريخ والمسيرات من إيران، أدى إلى تعطيل منشأة إنتاج الغاز الهامة في رأس لافان، التي تنتج حوالي 20 في المئة من الغاز الطبيعي السائل في العالم، في الحفاظ على اتصالها مع إيران طوال فترة الحرب، حتى لو لم تكن كوسيطة رسمية. وجدير بالذكر أنها “نسقت” مع إيران هجوماً “رمزياً” على قاعدة العديد الأمريكية الكبيرة على أراضيها، وذلك في أعقاب الهجوم على إيران في حزيران الماضي.

 قد تتولى قطر الآن إدارة ترتيب الإفراج عن بعض أموال إيران المجمدة، والعمل كجهة تمثل موقف دول الخليج في المفاوضات، قبل أي اتفاق سيوقع بين إيران وأمريكا حول مستقبل ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز وأمن الملاحة في الخليج بشكل عام. وقد أوضحت هذه الدول التي تحملت وطأة الهجمات الإيرانية للرئيس ترامب بأنها لا تنوي البقاء في موقع المراقب وانتظار توقيع اتفاق بدون معرفتها، لأن ذلك سيضر بمصالحها. هذا يعني بشكل أساسي طلب إيران الاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز وتحصيل رسوم عبور من كل ناقلة وسفينة تمر فيه. ويعارض ترامب هذا الطلب بشدة (حتى الآن)، حيث يبدو أنه لا ينوي مناقشة طلب إيران بالتعويضات. مع ذلك، ستسعى إيران التي تقدم سيطرتها على المضيق كجزء من “حقها السيادي”، وليس فقط ورقة مساومة، إلى تحقيق أكبر فائدة مالية ممكنة من ذلك. ترغب إيران في التمسك بالملف النووي كأداة ضغط للحصول على الاعتراف بسيطرتها على مضيق هرمز، الذي لم يعد مجرد مصدر دخل محتمل لها، بل أصبح رصيداً حاسماً في تحديد انتصارها في الحرب.

ويفسر النظام الإيراني ذلك في وسائل الإعلام لديه بأن ترامب لا يهتم باستئناف الحرب، وأنه مستعد لدفع ثمن باهظ مقابل “استعراض النصر”. وفي آذار الماضي، نشرت رسائل مسربة لمجموعة خاصة في تلغرام، نسبت لوزير الخارجية السابق جواد ظريف، الذي شغل أيضاً منصب المستشار الخاص للرئيس الحالي مسعود بزشكيان، وكان في السابق رئيس وفد التفاوض حول الاتفاق النووي الذي وقع في 2015. وكتب ظريف بأن “الرئيس الأمريكي لا يصبر على الخطط الطويلة والتقنية، وأن تلميحاته الايجابية قد تكون أكثر فائدة، مثل إعلان إيران بإنهاء حالة العداء بين إيران والولايات المتحدة بعد 47 سنة”.

 لا يتوقع من النظام الإيراني أن يكرر الأناشيد التي يشير إليها ظريف، لكن تفسيره لسلوك ترامب يعكس تفسير النظام، الذي يتوقع منه الآن نقل مبدأ “الثبات” من الساحة العسكرية إلى طاولة المفاوضات. وقد وصف أنور قرقاش، المستشار السياسي لرئيس دولة الإمارات، أسلوب عمل إيران بأنه “مفاوضات مفرطة”، ما تسبب -حسب رأيه- في تفويت فرص كثيرة. ويأمل قرقاش ألا تقتصر المفاوضات الحالية على وقف إطلاق النار، بل علاج جذور الصراع، والأهم إعادة الوضع في مضيق هرمز إلى ما كان عليه قبل الحرب.

 تشعر دول الخليج بقلق من انخراط الرئيس في “مفاوضات مفرطة”. ومع ذلك، خلافاً لإسرائيل التي تعمل على إقناع ترامب بإنهاء المناورات الدبلوماسية والعودة إلى هجوم واسع وسريع، تبدو دول الخليج قلقة من استئناف الحرب أكثر من قلقها من حل دبلوماسي جزئي وغير كاف. وإن عدم قطع علاقاتها مع إيران رغم الهجمات (دولة الإمارات أغلقت سفارتها في طهران ولكنها لم تعلن عن قطع العلاقات)، والاستمرار في إجراء محادثات مع كبار المسؤولين في إيران، بل ومشاركتها بشكل غير مباشر في جهود الوساطة، قد تشير إلى أنها ستوفر لإيران “شبكة أمان” لتنفيذ الاتفاق مع الولايات المتحدة.

هذه الشبكة قد تشمل أيضاً ترتيبات مشتركة لإدارة الملاحة في الخليج. ورغم عجز هذه الدول عن منع مهاجمة إيران، لكنها أثبتت قدرة تأثير على واشنطن لوقف إطلاق النار وتمديده، ومنع ترامب من كسر القواعد.

 تشير المحادثات التي أجراها ترامب مع زعماء السعودية وقطر والإمارات ومصر وتركيا، إضافة إلى نتنياهو، إلى أنه قد استوعب ضرورة التشاور مع هذه الدول وتبديد شكوكها حول انحيازه لإسرائيل.

 من جهة أخرى، لا يملك زعماء هذه الدول أي نفوذ للضغط على إيران حول الملف النووي، المتوقع أن يدخل ترامب في مفاوضات شاقة دون ضمانات أو تنازلات، باستثناء التهديد باستخدام القوة إذا خرقت إيران الاتفاق. مع ذلك، خطر هذا التهديد لا يقارن بخطره قبل الحرب عندما أجريت في ظلها المفاوضات السابقة بين الولايات المتحدة وإيران. من غير المعروف بعد ما إذا كانت إيران قد وافقت على نقل اليورانيوم المخصب إلى خارج أراضيها وإلى أين، ومن الذي تنازل عن قضية تخصيب اليورانيوم، وما هي طبيعة ونطاق آلية الرقابة الدولية المكلفة بمنع تخصيب اليورانيوم. من المفروض مناقشة هذه القضايا خلال المفاوضات التي ستمتد 60 يوماً. ويفضل عدم الوقوف مع ساعة توقيت.

——————————————

يديعوت أحرونوت 25/5/2026

إسرائيل في قراءة للتفاهمات بين واشنطن وطهران: الصورة أعقد بكثير

بقلم: رونين بيرغمان

تتضمن مسودة الاتفاق، وفقًا لعدة مصادر، إنهاء الحرب، ووقف إطلاق النار، ورفع الحصار الاقتصادي والحظر، وتحرير أصول إيرانية بقيمة 25 مليار دولار، والدخول في مفاوضات لمدة تتراوح بين 30 و60 يومًا لحل الملف النووي. لكن المسودة لا توضح كيفية إبرام الاتفاق، أو ما إذا كانت إيران ستلتزم بأي شيء مسبقًا بشأن هذه القضية. لاحظ المتابعون أن نتنياهو كتب في تغريدته أمس: “اتفقنا أنا والرئيس ترامب على أن أي اتفاق نهائي مع إيران يجب أن يزيل التهديد النووي”. اتفاق “نهائي” أي ليس الاتفاق الذي سيوقعونه الآن.

وإذا بدا هذا مألوفًا لكم، فليس ذلك من قبيل الصدفة؛ فقد صرّح نتنياهو في أكتوبر من العام الماضي بأنه اتفق مع ترامب على أن تقوم حماس، في الاتفاق النهائي معها، بنزع سلاحها، وتجريد قطاع غزة من السلاح، ونفي نفسها طواعية. وكما نعلم، لم يُوقّع اتفاق نهائي، ولا تزال حماس تسيطر على غزة. إذا كان هذا هو النموذج، فإن لدى نتنياهو وإسرائيل ما يدعو للقلق، وليس من المؤكد أن نثق بتغريدة الوزير ميكي زوهر، الذي ادّعى: “ثقوا بنتنياهو. إنه يعرف ما يجب فعله. لن تمتلك إيران أسلحة نووية. انتهى الأمر”. هدفه، في جوهره، هو القول إن أي شيء تمتلكه إيران ليس سلاحًا، لنقل مواد انشطارية قابلة للاستخدام في القتال، مقبول.

لكن بالأمس، في مساء اليوم الذي بدأت فيه شائعات “اتفاق” بين الولايات المتحدة وإيران بالانتشار، كان من الجدير التذكير بقاعدة قديمة راسخة، وفي هذه الحالة تحديدًا، قاعدة دقيقة للغاية: هذا لا ينتهي إلى أن ينتهي. وفي الشرق الأوسط، وخاصة مع إيران هذه الأيام، حتى عندما يبدو كل شيء قد انتهى، فمن المحتمل جدًا أن تكون هذه مجرد بداية، وليست بالضرورة بداية لأمور جيدة.

حتى الآن، الصورة التي تتبلور من المعلومات المتوفرة لدينا أكثر تعقيدًا بكثير من العناوين الرئيسية التي تتحدث عن اتفاق وشيك. هناك اتصالات ومسودات ووسطاء، وهناك رغبة أمريكية قوية، تكاد تكون يائسة، في التوصل إلى اتفاق. كما أن هناك أجزاءً من القيادة الإيرانية، بما في ذلك عناصر تُعتبر عادةً من الصقور، تُدرك أن استمرار الصراع قد ينتهي بكارثة لهم. لكن لم يتم توقيع أي اتفاق حتى الآن. بل ليس من الواضح حتى وجود مسودة نهائية متفق عليها يمكن توقيعها.

يُخيّم على كل هذا شخصيةٌ خفية، تكاد تكون غير مرئية، أصبحت في الأسابيع الأخيرة أحد العوامل المحورية في تحديد مصير الحملة: مجتبى خامنئي.

بحسب المعلومات المتوفرة لدى إسرائيل، فإن المرشد الأعلى، أو بالأحرى الشخص الذي يُنتظر منه الموافقة النهائية، لم يُعطِ موافقته بعد على الاتفاق الذي يجري العمل عليه. ويُقال للوسطاء إن الإيرانيين يدّعون أن الصيغة المطروحة تتوافق مع التوجيه العام المُعطى لهم لإجراء المفاوضات. لكن هذه هي لبّ المشكلة: فالتوجيه العام ليس موافقة نهائية. وفي نظامٍ يمر فيه القرار النهائي عبر سلسلة من المذكرات والمبعوثين والسرية الأمنية ودائرة محدودة للغاية من الأشخاص، قد تكون الفجوة بين “إحراز تقدم” و”التوصل إلى اتفاق” شاسعة.

هذا ليس مجرد إجراء شكلياً. وليس، على الأقل وفقًا للتقديرات الإسرائيلية، مجرد تأخير تقني أو مراسم بيروقراطية للموافقة النهائية، هذا نمط تكرر عدة مرات خلال المفاوضات: تقترب الفرق الإيرانية من التوصل إلى تفاهم مع الأمريكيين، ويقتنع الوسطاء بأن الفجوات تتقلص، ثم تأتي رسالة جديدة من القيادة العليا تُعرقل كل شيء. وصف أحد المصادر الأمر بسخرية لاذعة: “أخذنا نظامًا وحولناه إلى ما يشبه اللا نظام”. هذه العبارة مهمة ليس فقط لسخريتها من خطة الإطاحة بالنظام الذي كان سبب الحرب برمتها، بل لأنها تُشير إلى مشكلة استراتيجية حقيقية. فإذا لم يكن هناك مركز صنع قرار مُتاح، وإذا لم يكن هناك عنوان واضح يُمكن الضغط عليه، وإذا لم يكن هناك طرف خارجي يملك نفوذًا حقيقيًا على من يملك الكلمة الأخيرة، فسيكون من الصعب التوصل إلى اتفاق أو إنهاء الحرب.

في الأسبوع الماضي، كانت الولايات المتحدة على وشك الرد على الهجوم. كان الأمريكيون يستعدون لهجوم واسع النطاق ومُشترك وقوي، كان من المُفترض أن يبدأ الأربعاء أو الخميس. وفي إسرائيل، على الأقل، أُعلنت حالة التأهب القصوى. تضمنت الخطط التي عُرضت على ترامب مجموعة واسعة من الأهداف: كبار المسؤولين (إن وُجد من يُمكن استهدافه)، ومنظومة الصواريخ الباليستية، والأنفاق التي تُخفيها، والبنية التحتية للطاقة، وشبكة الكهرباء، وغيرها من الأصول التي يلحق ضربها الضرر بالنظام الإيراني ويقلص قدراته.

وعندها توقف ترامب.

صرّح في البداية بأنه أجّل هجومًا كان من المقرر شنّه الثلاثاء لإتاحة مزيد من الوقت للمفاوضات استجابةً لطلبات من قادة عرب. في إسرائيل، ووفقًا لمصادر مطلعة على التفاصيل، لم يُعتمد هذا التاريخ إطلاقاً. كان التقييم السائد هناك أن ترامب قدّم موعد الهجوم بأثر رجعي يومًا واحداً ليُظهر نفسه كشخص استجاب لدعوات الاعتدال، ومنح الدبلوماسية فرصة أخرى. تبع ذلك تأجيلات أخرى: من الأربعاء إلى الخميس، ومن الخميس إلى السبت، ثم فجأة، إعلان عن اتفاق.

لكن ثمة فرق بين إعلان اتفاق واتفاق مكتوب. أحيانًا فرق جملة واحدة، أحيانًا فرق توقيع واحد. وفي هذه الحالة، ربما فرق شخص واحد.

بحسب تقرير من المحادثات، يعتقد الأمريكيون أن المرشد الأعلى متفق مع “النموذج العام” للاتفاق. لكنهم يقرّون أيضاً، على الأقل في المحادثات المغلقة، بأن مسألة تحوّل هذا النموذج إلى اتفاق فعلي لا تزال قائمة. فلا توجد أي وثيقة موقعة حتى الآن، وهناك بعض الصيغ التي لا تزال قيد النقاش. كما توجد قضايا جوهرية لم تُحسم بعد: ما مصير المواد المخصبة، ومدة المفاوضات بشأن الجزء الثاني – الاتفاق النووي، وما إذا كان سيتم التطرق إلى الصواريخ، ومن سيتولى عملية التحقق، وكيف ومتى.

هنا تكمن إحدى النقاط الرئيسية من وجهة نظر إسرائيل. إذا ما أبقى الاتفاق المُزمع توقيعه، إن تم توقيعه، إيران على مخزون كبير من المواد الانشطارية أو عالية التخصيب، أو سمح لها بالاحتفاظ ببنية تحتية معرفية، وأجهزة طرد مركزي، ومنشآت، وأنظمة صواريخ دون آلية تفتيش صارمة وفورية، فسيكون من الصعب للغاية على نتنياهو تقديم ذلك كإنجاز. لقد وعد بإزالة التهديدات الوجودية، لا إدارتها. وتحدث لسنوات عن تفكيك القدرات. ووعد بتغيير جذري في التوازن الاستراتيجي. إذا تم التوصل في نهاية المطاف إلى اتفاق يقتصر في جوهره على التجميد، أو التأجيل، أو صياغة غامضة، أو إطار عمل لمواصلة المفاوضات، فسيكون ذلك ضربة قاصمة للرواية التي قدمها للرأي العام الإسرائيلي والعالمي. إذا ترك الاتفاق مسائل المواد المخصبة، والصواريخ، وعمليات التفتيش، وتوقيت تحقيق الاختراق، في صياغة مبهمة، فسيكون من الصعب للغاية الادعاء بتحقيق الهدف.

لكن هنا أيضاً، يجب توخي الحذر: من السابق لأوانه حسم الأمر؛ فالاتفاق قد ينهار، قد يرفض مجتبى، وقد يندم ترامب على ذلك، وقد يصمد الإيرانيون لبرهة أخرى على طاولة المفاوضات، وقد يهمس المتشددون في واشنطن وإسرائيل والخليج في أذن ترامب بأنه “انتهى به الأمر ساذجًا”، وأنه خُدع، وأنه حصل على اتفاق ضعيف للغاية. وقد يُفشل ترامب نفسه الاتفاق.

لكن حتى في هذه الحالة، لا ضامن لحصول إسرائيل على ما تطالب به. فانهيار المفاوضات قد يؤدي إلى هجوم أمريكي إسرائيلي واسع النطاق، أو جولة محدودة، ثم تأجيل آخر، ثم ماذا بعد؟ على الأرجح محاولة جديدة من ترامب لانتزاع تنازلات من الإيرانيين. في هذه المرحلة، أي شخص يبحث عن اليقين في المنطقة الواقعة بين واشنطن وطهران و”القدس” والدوحة وإسلام آباد، يبحث في المكان الخطأ.

إسرائيل تراقب كل هذا من الخارج، ولعل هذا أحد أكثر جوانب القصة إثارة. نتنياهو، الرجل الذي جعل من إيران مشروع حياته السياسي والأمني، يجد نفسه معزولًا إلى حد كبير. يضطر الإسرائيليون إلى جمع المعلومات من مصادرهم، عبر محادثات مع شخصيات إقليمية، ومن خلال تلميحات جزئية لما يجري بين واشنطن وطهران والوسطاء. إن أقرب حليف للولايات المتحدة في هذه الحملة ليس بالضرورة حاضرًا في الغرفة التي تُصاغ فيها العبارات الأخيرة للاتفاق. هذا وضع يكاد يكون مستحيلاً: فقد سعت إسرائيل لسنوات إلى مواجهة إيران، واتخذت إجراءات عسكرية واستخباراتية، ودفعت ثمنًا استراتيجيًا باهظًا، وشكلت تحالفات، وحذرت من المشاريع النووية والصاروخية، والآن، في لحظة قد يُرسي فيها اتفاق جديد، لا تملي إسرائيل شروطه، ولا حتى تشارك في تحديدها (وأحيانًا لا تكون على دراية كاملة بما تم الاتفاق عليه).

وبالطبع، يحاول نتنياهو التأثير. فهو يضغط على ترامب لاتخاذ خطوة أوسع. وقد أبلغ كبار مسؤولي الجيش الإسرائيلي زملاءهم في القيادة المركزية الأمريكية أنه إذا لم يكن ترامب ينوي شن هجوم واسع النطاق وكبير، فمن الأفضل عدم القيام بأي شيء والحفاظ على الوضع الراهن، وترك إسرائيل أمام خيار جولة أخرى في المستقبل. من وجهة نظرهم، قد يكون الهجوم الجزئي والمحدود وغير المقنع أسوأ من عدم شن أي هجوم على الإطلاق: فهو سيقضي على عنصر الردع دون تغيير الواقع.

لكن ترامب يريد اتفاقًا. على الأقل في هذه المرحلة، يبدو أنه يرغب به بشدة، رغم شعوره بأن الإيرانيين يضغطون عليه. هذه تحديدًا أخطر منطقة في السياسة الخارجية: رئيس يريد تجنب الحرب، لكنه لا يريد أيضاً أن يبدو ضعيفًا. نظام إيراني يتفهم الضغط الأمريكي، لكنه قد يسيء تقدير صبر ترامب. ورئيس وزراء إسرائيلي يحاول الضغط من أجل تحرك عسكري، لكنه يعتمد على قرار جهة أخرى.

لذا، في الوقت الراهن، الجملة الأكثر دقة هي أيضاً الأبسط: لا يوجد اتفاق بعد. هناك مسيرة. هناك مسودة. هناك ضغط. هناك حالة تأهب. هناك مواد مخصبة يجب إخراجها، تخفيفها أو سد طريقها أو مراقبتها. هناك صواريخ تطالب إسرائيل بعدم استبعادها من المشهد. هناك رئيس أمريكي يريد إبرام اتفاق سلام. هناك رئيس وزراء إسرائيلي قد يكتشف أن الحرب التي استثمر فيها كل رصيده السياسي تنتهي بصيغة لم يكتبها. وهناك مجتبى، الرجل الذي لم ينطق بالكلمة الأخيرة بعد.

وهذه هي النقطة الأساسية: إلى أن ينطق بها، إلى أن يوقعها ترامب، وإلى أن تصبح الوثيقة واقعاً، فالأمر لم ينتهِ. لا باتفاق، ولا بحرب.

——————————————

يديعوت أحرونوت 25/5/2026

اسمه مجتبى لا “مشتبى”.. للثنائي الفاشل: هزيمة بحجم هديركما

بقلم: ناحوم برنياع

تخيل: رئيس أقوى دولة في العالم، الرجل الذي تعهد بإعادة أمريكا إلى عظمتها، يجلس وهو يقضم أظافره منتظرًا ردًا من شخص وأحد “يتيم علي خامنئي”. لا يستطيع حتى تذكر اسمه الأول: مشتبى؟ مجتبى؟ مجبتى؟ أخبرني، هل هو حقيقي؟ هل أنت متأكد أننا لم نقتله؟

مع ذلك، يجلس منتظرًا أخبارًا من طهران. إنه كالرجل الذي وعد بالقفز من سطح السيرك، وعندما وصل إلى القمة، لم يتحرك. “اقفز الآن!” صاح من راهن عليه. أجاب الرجل: “لا جدوى من القفز، ولكن كيف ستخرج من هنا؟”.

 إن انتظار ما سيقوله المرشد الأعلى يُعد إنجازًا عظيمًا لإيران. عندما أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية “الغضب الملحمي” (زئير الأسد بالعبرية)، لم يتخيل قادتهما قط أن تكون إيران، بعد ثلاثة أشهر تقريبًا، في وضع أفضل مما كانت عليه في بداية العملية. إذا تحقق الاتفاق المذكور الآن، فسيكون الضرر أشد وطأة: ستتدفق المليارات إلى جيوب النظام. ستأتي الهزيمة بحجم عظمة الغضب وعظمة الزئير.

قبل شهر بالضبط، في مقال مشترك نُشر في ملحق السبت لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، وصفتُ أنا ورونين بيرغمان تسلسلًا زمنيًا لفشل مُحتم. في 11 شباط، التقى نتنياهو مع ترامب ومساعديه في غرفة العمليات بالبيت الأبيض. وكشف نتنياهو عن خطته الحربية: كان جوهر الخطة، ومحركها، هو الإطاحة بالنظام. طلب من ترامب إذناً بعرض يقدمه رئيس الموساد، دادي برنياع، على الشاشة في الغرفة، عبر فيديو من إسرائيل.

أفاد برنياع عن سنوات من التحضيرات، باستثمارات هائلة، للخطوة الكبرى: غزو ميليشيا كردية من العراق، وغزو قوات من أقليات أخرى في الوقت نفسه، وانضمام معارضي النظام، الذين غذّتهم إسرائيل بالدعاية، من الداخل. سلاح الجو سيحمي الزحف نحو طهران. سينهار النظام: فلدى إسرائيل مرشح للسلطة انقلب عليهم سرًا، وفي حكمه ستتخلى إيران عن برنامجها النووي، ووكلائها، وإرهابها. وسيكون النصر تامًا.

ترامب التزم الصمت. كان الجو وديًا. انطلق نتنياهو إلى إسرائيل بشعور أن مهمته في الحياة قد أُنجزت. في اليوم التالي، في نقاش داخل الغرفة نفسها بالبيت الأبيض، مع النخبة السياسية والأمنية الأمريكية، ودون وجود إسرائيليين، تمت الموافقة على الخطة دون جوهرها، دون آلية تنفيذها. وصف رئيس وكالة المخابرات المركزية خطة الإطاحة بالنظام بأنها “مهزلة”. ووصفها وزير الخارجية روبيو بأنها “هراء”. أما ترامب، فقد التزم الصمت، تاركًا الأمور تستقر في الأذهان، دون أن يؤيدها أو ينتقدها.

 فكّر ترامب في فنزويلا: استبدال حاكم بآخر، في عملية سرية وسريعة ومنسقة مسبقًا، دون وقوع خسائر بشرية تُذكر. وفكّر نتنياهو في سوريا: مسيرة مسلحة ومؤمّنة، تنهار خلالها معاقل النظام في غضون أيام أمام قوتها. وفكّر نائب الرئيس فانس في خليج الخنازير – العملية التي أُرسل خلالها آلاف المنفيين الكوبيين بالقوارب إلى كوبا، في محاولة فاشلة وبائسة للإطاحة بنظام كاسترو.

لماذا أعود إلى مناقشات 11 و12 شباط؟ لأنها استدعت نقاشًا ثالثًا بين ترامب ونتنياهو، حول احتمالات نجاح الهجوم، والمنطق الكامن وراءه في حال إلغاء خطة الإطاحة بالنظام. كان كل طرف يفهم ما يريد فهمه – فعندما بدأ الهجوم في 28 شباط، تصرف نتنياهو وكأن الخطة قد تمت الموافقة عليها بالكامل: فقد وجّه سلاح الجو لتوجيه الطائرات والذخيرة لقصف نقاط تفتيش الباسيج في طريقها إلى المنطقة الكردية، بهدف فتح ممر آمن للمهاجمين؛ وفي العراق، استعدت الميليشيات الكردية للغزو – كل ذلك وفقًا للخطة. وعندما حان وقت التنفيذ، استخدم ترامب حق النقض (الفيتو)، وحُسمت الأمور.

مما علمته عن الخطة، أُقدّر أنها كانت خطأً متهورًا، مجرد أحلام في طور التكوين. قد أكون مخطئًا – من المشكوك فيه أن نعرف الحقيقة يومًا، لكن وجود الخطة على الأقل أعلمنا بوجود التخطيط والتفكير الاستباقي. فمن دون خطة بديلة، نغرق في حرب أبدية على ثلاث، وربما أربع جبهات، نسيطر على أراضٍ ليست لنا، بجنود لا نملكهم، في حرب دموية، ضد أعداء لا نعرف كيف نردعهم، ودون توفير أمن حقيقي لمواطنينا. إسرائيل تحت رحمة رئيس أمريكي متقلب المزاج، أجوف، ويائس. ترامب يدرك تمامًا من يخدم مصالحه. وعد مؤخرًا قائلًا: “بيبي رجل طيب، سينفذ ما أقوله له”.

عندما سمع موشيه ديان هذا النوع من الإطراء، علّق قائلًا: “رجل طيب بالمعنى الأسوأ للكلمة”. يجب على إسرائيل أن تخرج نفسها من الفخ الإيراني، ونتنياهو هو الرجل الأخير القادر على إنقاذها.

——————————————

إسرائيل اليوم 25/5/2026

“مسألة وقت”.. ستكون الحرب الثالثة سريعة وعنيفة تفتك بكل ما هو إيراني

بقلم: البروفيسور إيال زيسر

بعد أقل من سنة من حملة “الأسد الصاعد” ونحو شهر ونصف من انتهاء حملة “زئير الأسد”، تجد إسرائيل نفسها إلى جانب الولايات المتحدة في بداية جولة قتال متجددة، ثالثة في عددها. لا يزال ترامب متردداً في اتخاذ القرار، لكن في ضوء المعضلة التي يقف أمامها – إما الهجوم أو الاستسلام – تبدو جولة القتال التالية مسألة وقت.

في مثل هذه اللحظات المحملة بالمصائر، من المهم الوقوف بصلابة ووحدة تتمنى النجاح للجيش الإسرائيلي في مهام الدفاع والهجوم الذي كلف بها، أمام العدو الذي لعله الأخطر علينا منذ إقامة الدولة. لكن في الوقت نفسه، ينبغي التأكد أيضاً من أن تكون جولة القتال الثالثة ضد إيران مختلفة عن سابقتيها، وأولاً وقبل كل شيء بألا نضطر للعودة بعد بضعة أشهر إلى جولة قتال أخرى، رابعة، وبعدها في غضون بضعة أشهر إلى جولة خامسة، وهلمجرا.

الحرب ضد إيران ليس حرب الخيار الأولى التي خرجت إليها إسرائيل طوال حياتها. فقبل 70 سنة سبقتها حرب سيناء، التي خرجنا إليها في أكتوبر 1956 بهدف إزالة التهديد الذي شكله علينا آنذاك الحاكم المصري جمال عبد الناصر، الذي جرف وراءه العالم العربي كله باسم القومية العربية والصراع ضد إسرائيل. فقد ارتبط دافيد بن غوريون في حينه ببريطانيا وبفرنسا بهدف توجيه ضربة إلى ناصر تؤدي إلى انهيار نظامه. هذا هدف لم يتحقق، لكن حرب سيناء منحتنا فترة طويلة من هدوء استمر 11 سنة، ومفاعل ديمونا الذي حصلنا عليه من الفرنسيين. وبعد هذا كله، استغلت إسرائيل فترة الهدوء والتهدئة لبناء قوتها وعظمتها، ولكن الأمر نفسه هو ما فعله ناصر أيضاً، الذي عاد ليفرض تهديداً جديداً على إسرائيل في أيار 1967.

على هذه الخلفية، من المهم أن نفهم ما حققناه وما لم نحققه في جولاتنا السابقة ضد إيران، وكيف يمكننا أن نستخدم لصالحنا جولة المواجهة الحالية التي يملي توقيتها الرئيس ترامب لاعتباراته هو. فبعد كل شيء، ترامب يجلس في واشنطن البعيدة، على رأس القوة العظمى الأقوى القادرة على احتواء النجاح وحتى الفشل – مثلما حصل للأمريكيين في حرب فيتنام، أو عقب غزو العراق وأفغانستان. أما نحن هنا، في الشرق الأوسط، فالحديث يدور عن مسألة حياة وموت.

الجولة الأولى من القتال ضد إيران، حملة “الأسد الصاعد”، تركزت على محاولة وقف السباق الإيراني نحو النووي. وبافتراض أن إيران كانت بعيدة مسافة أسابيع قليلة عن تطوير القنبلة، فقد تمكنت إسرائيل من وقف السباق قبل لحظة من نهايته وتأخير الإيرانيين أشهراً عديدة بل وربما أكثر من ذلك، في جهد استئناف رحلتهم إلى النووي. وبعد هذا، فإن جزءاً من المنشآت التحت أرضية بقيت سليمة وتمكنت طهران من الاحتفاظ باليورانيوم الذي أنتجته.

الجولة الثانية من القتال تركزت على ضرب سلسلة القيادة السياسية والعسكرية لإيران وتدمير الكثير من قدراتها العسكرية. كانت لهذه الضربة مغزى هنا أيضاً، لكنها مؤقتة، وكان بوسع إنتاج الصواريخ الإيرانية أن يستأنف في غضون أشهر أو بضع سنوات. وبالنسبة للتصريحات عن تدمير سلاح الجو أو الأسطول الإيراني فهي لا تتطابق مع الواقع؛ إذ لم يكن لإيران أسطول بحري أو سلاح جو حقيقي إلا إذا أحصينا طائرات الفانتوم التي زودتها الولايات المتحدة للشاه قبل 50 سنة. وبعامة، فقد استهدفت الخطوة الأمريكية الإسرائيلية التسبب بثورة الشعب الإيراني، لكن لا يمكن التعويل على انهيار النظام الإيراني في محددات زمنية معقولة ومريحة من ناحيتنا.

 يتبين من هذا كله أن الجولة الثالثة يجب أن تكون مختلفة وليست المزيد من الأمر ذاته، وعليها أن تؤدي إلى ضربة ذات مغزى بالنظام الإيراني وبناه التحتية، بحيث يصعب عليه البقاء لزمن طويل. ليس لنا ما نخشاه، وليس للإيرانيين مفاجآت في الكم باستثناء تلك القدرات التي استخدموها ضدنا في الجولات السابقة، لذا علينا نزع القفازات وإدارة حرب قصيرة وفتاكة، لن يجرؤ أي إيراني في أعقابها على التفكير بجولة أخرى.

——————————————

هآرتس 25/5/2026

فشل ذريع.. ترامب بـ”انسحاب فاخر” وإسرائيل بعجزها أمام “حزب الله”: هل انتصر هرمز؟

بقلم: عاموس هرئيل

إن الاتفاق المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران في حال توقيعه سيمثل انسحاباً أمريكياً فاخراً من الخليج. أيضاً سيعكس تراجع نفوذ إسرائيل على سلوك ترامب. لم توقع بنود الاتفاق بعد، وما زالت تفاصيله غير معروفة بالكامل. ولكن في هذه المرحلة، يبدو أن أفضل السيناريوهات سيتحقق فيه ضبط كبير في المشروع النووي الإيراني من دون التطرق إلى المشكلات الأخرى المطروحة (الصواريخ البالستية ودعم المنظمات الإرهابية في الشرق الأوسط، وفي أكثر السيناريوهات طموحات إسقاط النظام في إيران). هذا يختلف كلياً عن وعود النصر التي أطلقها نتنياهو عندما أعلن الحرب.

في العام 2015 عندما وقعت إدارة أوباما الاتفاق النووي مع إيران وتعرضت لانتقادات واسعة، ألقى نتنياهو خطاباً نارياً في الكونغرس، متجاوزاً الأعراف المتعارف عليها بين الحكومات، وبعد ثلاث سنوات أقنع الرئيس ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي. كانت النتائج متفاوتة، وفي أفضل الحالات: لم تساعد سياسة “الضغط الاقتصادي” التي اتبعها الرئيس تجاه الإيرانيين في ردعها، وشرع النظام في مراكمة اليورانيوم المخصب حتى بلغ المخزون 440 كغم بمستوى 60 في المئة.

نجح نتنياهو في إقناع ترامب مرتين: الأولى عند إطلاق الحملة الأولى في إيران في حزيران الماضي (حيث أعطى الأمريكيون الضوء الأخضر وهاجموا المنشأة النووية تحت الأرض في فوردو)، وفي شباط الماضي (حيث كانت هذه المرة هجوماً شاملاً ومشتركاً). ولكن ربما كان النجاح الأخير؛ فقد اعتقد ترامب، لأسباب يصعب فهمها، بأن الحملة الحالية لن تدوم إلا بضعة أيام، ولم يستعد على الإطلاق لاحتمالية إغلاق مضيق هرمز. وعندما طالت الحملة، لا سيما عندما تبين أن إيران قادرة على تعطيل تصدير النفط من الخليج بشكل كامل، فقد الرئيس صوابه.

هذا ما شاهدناه في فترة الشهر ونصف الأخيرة، من تصميم إيراني، وتهديدات أمريكية فارغة، وأخيراً ما يظهر الآن أنه اتفاق وسط. في الخلفية، كان هناك دائماً احتمال أن يصمم النظام بشدة، ويدفع ترامب إلى الزاوية، ويتوصل في النهاية إلى استنتاج يفيد بأنه لا خيار أمامه إلا استئناف الهجوم العسكري. ولكن في ظل الانتقادات وتراجع شعبيته في الداخل، وعدم جدوى التحركات العسكرية، وتحفظ معظم الحلفاء في الخليج، يبدو أن الرئيس حسم أمره أخيراً.

لا شك أن الكثير من الإسرائيليين استقبلوا النبأ (الذي هو في الوقت الحالي نبأ غير مكتمل) بسرور أمس. فالشعب في إسرائيل متعب بعد أكثر من سنتين ونصف من الحرب المتقطعة، وأكثر من 2000 قتيل، ولم يرض أي أحد احتمال استئناف إطلاق النار في الوسط والجنوب، بينما يكاد إطلاق النار يكون متواصلاً في الشمال. ولكن مسألة مصير مخزون اليورانيوم وما سيحسم بشأن حق التخصيب في الأراضي الإيراني تعدّ مسالة حاسمة لأمن إسرائيل في المستقبل. وإذا تمكن ترامب من فرض اتفاق معقول في هذا الشأن، فسيكون لذلك أهمية كبيرة.

يبدو أن أموراً أخرى لم تتحقق. يتعامل ترامب مع الصواريخ البالستية كمشكلة إسرائيل، ولا يعطي أي اهتمام لـ “وكلاء” مثل حزب الله. أما عن استقرار النظام، فيتوقع التوصل إلى تسوية تدريجية بعشرات مليارات الدولارات ورفع العقوبات عن قطاع النفط، ما سيضخ ميزانيات كبيرة في الخزينة، وربما يفيد حماس وحزب الله أيضاً. ففي كانون الثاني الماضي وسط موجة الاحتجاجات الكبيرة، ظهر النظام وكأنه يترنح، لكن في الوقت الحالي، في ظل قمع وحشي ممارس، لا بادرة تذكر على تجدد الاحتجاجات.

ما يتم تقريره في الخليج سيؤثر أيضاً على ما يحدث في لبنان. إسرائيل، خلافاً لتصريحات القادة العلنية، تعجز عن التعامل مع حزب الله. يسبب إيقاع المسيرات المفخخة إصابات بين جنود الجيش الإسرائيلي كل يوم، بل وحتى قتلى كل بضعة أيام. استراتيجية إسرائيلية الحالية في لبنان، إذا وجدت أصلاً، انهارت في هذه المرة. يواصل حزب الله هجماته، وخلافاً للحملة السابقة في خريف 2024 هو لا يفكر أبداً في الاستسلام.

الخلاصة، نتنياهو بعيد جداً عن كل وعوده للشعب بشأن الحرب؛ فلا يمكنه انتقاد ترامب علناً فيما يتعلق بإيران، ويكتفي بتصريحات فاترة تحت غطاء مصادر سياسية لا تتجرأ على تحميل المسؤولية للإدارة الأمريكية. أما في لبنان وقطاع غزة، فإن إنجازات الجيش الإسرائيلي التكتيكية، التي كانت مثيرة للإعجاب في بعض النواحي، لم تترجم إلى واقع استراتيجي دائم ومحسن، وذلك بسبب خشية رئيس الحكومة من الظهور بمظهر المتصالح أو المسالم. ويظهر بوضوح غياب التغطية الإعلامية المقنعة. ويبدو أن مكتب رئيس الحكومة لم يصُغ بعدُ صفحة الرسائل المحدثة، وأن وسائل الإعلام مضطرة إلى التملص من التناقض الواضح لكل مشاهد ومستمع.

بشكل عام، فشل 7 أكتوبر الذريع ما زال يخيم على المشهد الإعلامي. فقد حدثت المذبحة نتيجة استغلال حماس لنقاط ضعف الجيش الإسرائيلي و”الشاباك”، لكن نتنياهو لا يمكنه التهرب من المسؤولية، وهو يعجز عن تفسير سبب استقالة أو إقالة معظم افراد المؤسسة الأمنية، بينما هو مصمم على التمسك بمنصبه إلى الأبد. ستكون الانتخابات القادمة آخر حملة لإعادة إحياء الذاكرة. سيحاول حزب الليكود وأحزاب الائتلاف إقناع الناخبين في عدم الخوض في أسباب المذبحة والمسؤولين عنها. ولحرف مسار النقاش، قد يكون من الضروري أيضاً اللجوء إلى قضية أمنية. تكمن صعوبة نتنياهو في حاجته إلى موافقة ترامب، الذي يحاول في الوقت نفسه احتواء التوتر في إيران ولبنان، وهو غير متأكد أبداً من موافقته على تصعيد جديد بمبادرة من إسرائيل في قطاع غزة.

——————————————

معاريف 25/5/2026

البيت الأبيض لم يعد ورقة رابحة: التحول الذي يثير قلق نتنياهو ومحيطه

بقلم: متي توخفيلد

سيحاول استراتيجيو حزب السلطة الآن إنقاذ حملته الانتخابية، في أعقاب الانقلاب المفاجئ في السياسة الخارجية لأكبر حليف لإسرائيل.

العلاقة الوثيقة مع البيت الأبيض، التي كان من المفترض أن تكون الواجهة الأساسية لحملة الليكود الانتخابية، تتحول هذه الأيام إلى مصدر قلق سياسي عميق. ففي الوقت الذي يستعد فيه المشهد السياسي للمرحلة الأخيرة قبل انتخابات أكتوبر، فإن التقارير عن تقارب بين واشنطن وطهران تقلب حسابات نتنياهو.

إذا كان الرئيس ترامب يُعتبر في السابق أهم أصل انتخابي لرئيس الوزراء، باعتباره الشخص الذي أتاح تنفيذ عمليات عسكرية غير مسبوقة ضد إيران، فإن تحوله الحالي نحو الاتفاقات ووقف إطلاق النار يضع علامة استفهام حول إمكانية استخدام صورته كركيزة دعائية. كما أن الغضب الشعبي المحتمل من السياسة الأمريكية الجديدة قد يحول “العلاقة الخاصة” من ميزة إلى عبء إعلامي وسياسي.

الأزمة الحالية تتناقض بالكامل مع التقديرات المتفائلة التي سادت مكتب رئيس الوزراء قبل أشهر قليلة فقط. وتشير معلومات داخلية إلى أن نتنياهو، استنادًا إلى تقارير استخباراتية وإلى موجة الاحتجاجات التي اجتاحت المدن الإيرانية، قدّر أن العملية العسكرية “زئير الأسد” ستكون نقطة التحول التي ستؤدي إلى إسقاط حكم آيات الله.

وكان الطموح لا يقتصر على إزالة التهديد النووي فقط، بل التمهيد لخطوة تاريخية تتمثل في التطبيع مع قيادة إيرانية جديدة، وإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل ثورة عام 1979. حتى إن نتنياهو خطط للجدول الزمني بحيث يترسخ هذا الإنجاز الكبير قبيل موعد الانتخابات مباشرة.

إلى جانب الرؤية المتعلقة بإيران، كانت الخطة الاستراتيجية أوسع بكثير. فقد سعى رئيس الوزراء إلى الوصول إلى صناديق الاقتراع بعد أن تكون الحملات العسكرية على جميع الجبهات – ليس فقط ضد إيران، بل أيضًا في مواجهة حزب الله في لبنان وحماس في غزة – قد انتهت بنجاح وحسم كامل.

وكان الهدف تقديم “حقائق على الأرض” و”نصر عسكري شامل” للناخب الإسرائيلي، بدل الاكتفاء بوعود للمستقبل. لكن قرار الإدارة الأمريكية التوجه نحو وقف إطلاق النار والتفاهمات الدبلوماسية أوقف الزخم العسكري، وترك هذه الأهداف معلقة في الهواء.

حتى الآن، يسود الصمت داخل مقر الحملة الانتخابية. والصمت المفروض على كبار المسؤولين الحكوميين منذ التطورات الأخيرة يعكس حجم الاضطراب. فالخطط الأصلية، التي استندت إلى الحسم العسكري وتغيير موازين المنطقة، جرى عمليًا دفنها.

ويجد استراتيجيو الليكود أنفسهم الآن مضطرين إلى بلورة رواية بديلة بسرعة، في محاولة لإنقاذ الحملة من المأزق الذي وصلت إليه نتيجة التغيير المفاجئ في السياسة الخارجية لأكبر حلفاء إسرائيل.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article