|
المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات-«ملف» عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
1- ورقة النقاط الـ 20- 29/9/2025 2- من ورقة ترامب إلى القرار 2803- 17/11/2025 3- إسرائيل وورقة ترامب 4- الفلسطينيون وورقة ترامب 5- إعلان ترامب للسلام الدائم والإزدهار- 13/10/2025 6- قراءة في مجلس السلام .. السلام لمن؟ أيار (مايو) 2026
|
(1)
ورقة النقاط الـ 20- 29/9/2025
ورقة ترامب ذات النقاط الـ 20 .. بين اللغة والمفاهيم
■ اللغة بما تحمله من عبارات ومفاهيم، عنصر رئيسي في شرح الفكرة التي تحملها الوثيقة السياسية، إذ أياً كانت المحتويات واضحة، فإن اللغة تلعب دوراً في طبيعة هذا الوضوح وتطلعاته ومراميه؛ فالحديث عن حقوق الإنسان (على سبيل المثال) في خطاب للمفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، يختلف بالضرورة عن المفهوم الأميركي لحقوق الإنسان، حتى أن الناتو، بعد إنفراط عقد الإتحاد السوڤييتي، رسم لنفسه إستراتيجية جديدة للتدخل في شؤون الآخرين، حين إدعى أن واجبه الرئيسي بات حماية حقوق الإنسان؛ ما يعطيه «الحق» للتدخل في هذا البلد أو ذاك، إذا ما ثبت أن نظامه السياسي لا يصون حقوق الإنسان، وليست صدفة، في هذا السياق، أن يدعي الرئيس الأميركي الأسبق بوش الإبن، أن غزوه للعراق – 2003، كان لأجل إسقاط نظام لا يحترم حقوق الإنسان العراقي، بعد أن فشلت إدارته في أن تثبت أن الغزو تمَّ لامتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل.
ورقة ترامب لم تشذ عن هذه القاعدة، وإذا ما تأملناها وقرأنا مفرداتها، لاستطعنا أن نقرأ الخلفية السياسية للتدخل الأميركي لوقف الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، يتناقض مع الطبيعة السياسية للولايات المتحدة ومواقفها التاريخية من الصراع العربي والفلسطيني – الإسرائيلي.
فعلى مدى تاريخ هذا الصراع، وقفت الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل في حروبها ضد العرب: ضد مصر وسوريا والأردن عام 1967، وضد م.ت.ف ولبنان، من الأعوام 1972 حتى خروج المقاومة من لبنان عام 1982، وضد المقاومة الوطنية والإسلامية اللبنانية حتى الساعة، وضد اليمن في مساندته لقطاع غزة، وضد الجمهورية الإسلامية في إيران.
■ جاءت دعوة ترامب لوقف الحرب في قطاع غزة في مظهرها الخارجي، إستثناء، غير أن هذا الإستثناء لم يكن وليد إنقلاب في الإستراتيجية الأميركية من القضية الفلسطينية ومقاومة الشعب الفلسطيني عموماً، حيث إقتصرت ورقة ترامب على الأوضاع في قطاع غزة، وتجاهلت ما تتعرض له الضفة الغربية، من عدوان. أما بشأن الموقف من المقاومة، فقد كان موقفها واضحاً في تكتيكاته وعباراته، فقد رحب ترامب بموقف حماس الإيجابي من دعوته لوقف الحرب والنار، باعتباره المدخل الإلزامي للإنتقال إلى مشروعه الإستراتيجي في المنطقة، المتمثل بدمج إسرائيل في المنطقة واستكمال هيكلة الإقليم، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، تحت الرعاية والهيمنة الأميركية، وبما يمكن واشنطن من إغلاق الأبواب أمام النفوذ الروسي، وقطع الطريق على مشروع «الحزام والطريق» الصيني، و«معالجة» النفوذ الإيراني، إستكمالاً لجولة الاثني عشر يوماً العسكرية في حزيران (يونيو) 2025، والحرب التي تلتها بدءاً من 28/2/2026■
لماذا أوقف ترامب حرب نتنياهو على غزة؟
■ في الوقت الذي كان فيه بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة إسرائيل، يلقي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في دورتها الـثمانين بتاريخ 26/9/2025، متوعداً فيه قطاع غزة، مؤكداً عزمه على مواصلة حربه إلى أن يحقق إنتصاره «المطلق» على المقاومة في القطاع في إطار مشروعه لإعادة «هندسة الشرق الأوسط» وإقامة «إسرائيل الكبرى»، كان الرئيس الأميركي ترامب يعقد في واشنطن إجتماعاً مع زعماء 8 دول عربية وإسلامية، ليقدم ورقة من 21 نقطة فتشكل إطاراً لوقف الحرب في القطاع، والإنتقال إلى المفاوضات بين إسرائيل والمقاومة، وفتح صفحة جديدة تعكس رؤية ترامب للوصول إلى «سلام» إقليمي. وقد أصدرت الدول العربية والإسلامية الثماني بياناً رحبت فيه بورقة ترامب (21 نقطة) بعد أن أبدت عدداً من الملاحظات عليها.
■ في اليوم التالي، وكما بات معروفاً، دعا ترامب نتنياهو إلى البيت الأبيض، حين قدم له «الورقة» التي تشكل إطاراً لوقف الحرب. وتحت ضغوط ثقيلة من ترامب، بدت علاماتها واضحة على ملامح نتنياهو. نزل عند ضغوط ترامب وقدم إعتذاراً علنياً إلى رئيس وزراء قطر، عن العدوان الإسرائيلي على الدوحة في 9/9/2026 + وافق على الورقة المذكورة بعد أن أسقط منها الفقرة 21، التي تعلن صراحة عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته، واستعاض عنها بعبارة تجعل من هذا الحق مجرد إحتمال.
ومع موافقة نتنياهو على ورقة ترامب، التي أصبحت 20 نقطة، فاجأ ترامب الجميع بإعلانه المتفرد عن وقف الحرب، مقدماً ورقته إطاراً عاماً لهذا الحل، وسيؤدي العمل به، كما أوضح، أنه سيضع نهاية لـ«ثلاثة آلاف عام من الصراع في الإقليم»، فضلاً عن كونه السلام الذي لم يكن له مثيل في السابق، مشيداً بنفسه صانعاً للسلام في العالم، مدعياً أنه مع وقف الحرب في غزة، يكون قد نجح في صنع السلام الثامن منذ ولايته في 20/1/2025■
لماذا ورقة ترامب؟
■ من الطبيعي القول إن نتنياهو، ما كان له أن يوافق على ورقة ترامب، لولا الإعتبارات التالية:
– إقناع ترامب حليفه الإسرائيلي بالوضع الحرج الذي وصلت إليه الحرب، ملمحاً إلى عدم إستعداده لمواصلة دعم الجيش الإسرائيلي بالذخائر والعتاد، على غرار سلفه بايدن. وهذا يندرج في إطار رؤية ترامب لتحالفاته الدولية، من منظار مدى تكلفتها المالية للولايات المتحدة، على غرار موقفه في تخفيض مساهمة بلاده في موازنة حلف الناتو، ومطالبته بالمقابل، الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف رفع مساهماتها ولو على حساب الجانب الخدمي من موازناتها.
– رأيه الواضح في طبيعة العزلة التي دخلتها دولة إسرائيل بعد سنتين من حرب الإبادة الجماعية: عزلتها وعزلة الولايات في الأمم المتحدة، المظاهرات في عواصم العالم ضد إسرائيل، إتساع دائرة إعتراف دول العالم بالدولة الفلسطينية خاصة الأوروبية منها، محاكمة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، واستدعاء بنيامين نتنياهو وغالانت إلى الجنائية الدولية، تراجع نفوذ إسرائيل حتى داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك لدى الجمهوريين في الكونغرس، بعد ما شعروا أن الولايات المتحدة تدفع من حسابها السياسي ثمناً للأعمال الإسرائيلية في القطاع.
– وأخيراً وليس آخراً، إدراك البيت الأبيض أن السياسة الإسرائيلية بدت تنعكس سلباً على مصالح الولايات المتحدة، منها العدوان على الدوحة، باعتباره إحراجاً لواشنطن، وإدراكه أن التحالف السعودي – الباكستاني، إشارة إلى تراجع ثقة الرياض بدور واشنطن في المنطقة، وقدرتها على حماية دول الخليج بعد واقعة الدوحة. وفي السياق نفسه إن ترك الحبل على الغارب، وتجاهل آثار سياسة إسرائيل على الإقليم، من شأنه أن يعطل لواشنطن خطتها الإستراتيجية لاستكمال مشروع «تحالف أبراهام»، وإعادة تنظيم صفوف الإقليم تحت قيادتها، وإغلاق الأبواب أمام النفوذ الروسي في المنطقة، وسدّ الطريق أمام مشروع «الطريق والحزام» الصيني. فضلاً عن التخوف من إحتمال تنشيط إيران نفوذها بعد «حرب الـ 12 يوماً» – 6/2025.
وبذلك تكون ورقة ترامب والإعلان عن وقف الحرب والنار، وموافقة إسرائيل من جهة، والأطراف الفلسطينية المعنية من جهة أخرى، تكون المنطقة قد دخلت مرحلة جديدة، ذات تداعيات ستكون لها آثارها شديدة الوضوح، على الجسم الفلسطيني والإسرائيلي، وعلى عدد من دول المنطقة خاصة تلك ذات الصلة بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي■
(2)
من ورقة ترامب إلى القرار 2803
لماذا مجلس الأمن؟
■ رغم التأييد الواسع الذي حظيت به ورقة ترامب، دعت بعض الأطراف، خاصة العربية والإسلامية، والدول المرشحة للإشتراك في قوة الإستقرار الدولية، التي نصَّت عليها الورقة، أو تمويل صناديق إعادة الإعمار، أن تحال الورقة إلى مجلس الأمن لتأخذ صيغتها القانونية باعتبارها وثيقة صادرة عن الشرعية الدولية، مرجعيتها العليا هي مجلس الأمن، وليست المؤسسات التي تلحظ الورقة تشكيلها، وباعتبار القوة الدولية قوة تحت سقف الأمم المتحدة، توفر لها الفضاء الشرعي، كما في تشكيلات القوة الدولية المنتشرة في أنحاء من العالم، وبما يوفر لهذه القوة الحصانة الدولية، على غرار الحصانة الدولية التي تتمتع بها قوات الـ UNIFIL في جنوب لبنان، أو الـ UNDOF في الجولان السوري المحتل، وبما يتمايز عن قوة الحلف الأطلسي المنتشرة في كوسوڤو وصربيا، وبناء عليه أُحيلت ورقة ترامب إلى مجلس الأمن ليبت بها بالمصادقة أو الرفض أو التعديل.
■ قدمت الولايات المتحدة، عبر وفدها إلى الأمم المتحدة، مشروع قرار إستند في أبوابه إلى ورقة ترامب، التي أرفقت بالمشروع، لتصبح هي جزءاً منه، بموافقة مجلس الأمن؛ كما قدم الوفد الروسي مشروعاً بديلاً إفترق عن المشروع الأميركي بوضع ضوابط تأخذ بالإعتبار المصالح الفلسطينية، بديلاً لما جاء في المشروع الأميركي من فقرات تصف المقاومة بالإرهاب.
■ إتسم مشروع القرار الروسي في بعض فقراته، بالمرونة السياسية حين أخذ بالإعتبار المسار الذي قطعته ورقة ترامب، وحازت على تأييد الوسطاء والأطراف الضامنة، في ظل جو فلسطيني عام، أبدى ارتياحه لوقف الحرب والنار على غزة.
وفي الوقت نفسه؛ شدد المشروع الروسي على نقاط تعتبر أساساً لضمان الحقوق الوطنية المشروعة، منها:
1- تأكيده على «حل الدولتين»، باعتباره الحل المطروح دولياً، في ظل تجاهل ورقة ترامب، والمشروع الأميركي لأي ذكر للدولة الفلسطينية، مكتفياً بحق تقرير المصير، مشروطاً بإنجاز الإصلاحات المطلوبة من السلطة، تلبية لمطالب الجانبين الأميركي والأوروبي.
2- ربطه، ربطاً وثيقاً، بين مصير الضفة الغربية ومصير القطاع، مؤكداً في الوقت نفسه على تكليف السلطة الفلسطينية إدارة القطاع في المرحلة الإنتقالية، بديلاً للجنة الوطنية لإدارة القطاع.
3- أكد على شرعية فصائل العمل الفلسطيني في الإشتراك بإدارة القطاع، إلى جانب السلطة الفلسطينية وعبر مؤسساتها، خلافاً لما ورد في المشروع الأميركي من تحريم سياسي على حركة حماس.
4- أكد على دور خاص للأمين العام للأمم المتحدة في متابعة تطبيقات القرار، بما يضع المؤسسة الشرعية الدولية في مواجهة مجلس السلام ومحاولاته الإستفراد بالقرار.
■ كان واضحاً أن الأغلبية في الأمم المتحدة كانت لصالح المشروع الأميركي، خاصة الدول العربية والوفد الفلسطيني؛ وأمام هذا الوضع الذي يُنذر بسقوط مشروع القرار الروسي، كان الموقف الروسي (وكذلك الصيني) موقفاً مسؤولاً، حين وضع مشروعه جانباً وامتنع عن التصويت، ففاز المشروع الأميركي بـ13 صوتاً، من ضمنها الصوت العربي (الجزائر)، التي أصدرت بياناً أوضحت فيه أسباب موافقتها على المشروع الأميركي، لأنه كان المشروع الوحيد المرشح لوضع حد للحرب الإسرائيلية في القطاع. وفي 17/11/2025 صدر القرار الأممي رقم 2803، مرفقاً بمستند هو ورقة ترامب ذات النقاط الـ 20. وقد حقق القرار 2803 التالي:
- أعاد القضية إلى أصولها باعتبارها قضية فلسطينية، مرجعيتها الشرعية الدولية وليست قضية بين أطراف، مرجعيتها الولايات المتحدة أو غيرها من الأطراف الدولية.
- وضع القضية تحت الوصاية الدولية، ممثلة بمجلس الأمن، وليست تحت الوصاية الأميركية أو من يشاركها في الوصاية، وبالتالي تحولت هذه الوصاية من معناها «الإستعماري» إلى حماية دولية.
- الموافقة على ورقة ترامب لم تعد قراراً «سيادياً» لأي طرف بل هو قرار ملزم مرّر الورقة في نص القرار 2803 وأرفقت به.
- لم يعد قرار وقف إطلاق النار مجرد قرار بين طرفين يمكن لأحدهما التراجع عنه، بل هو قرار الشرعية الدولية تلزم كل الأطراف المعنية بوقف الحرب والأعمال العدائية، بما في ذلك الأطراف التي يمكن أن تكون أحد طرفي القتال أو أكثر.
- بات قرار الإنسحاب الإسرائيلي من القطاع قراراً دولياً ملزماً لحكومة إسرائيل، وأياً كانت المناورات للإشتراطات للتهرب، فإن أساسها هو الإلتزام بالإنسحاب إلى النقاط الدولية المحددة بين القطاع وغلاف غزة.
- باتت قوة الاستقرار الدولية، تحت أحكام الشرعية الدولية، ولم تعد قوة وصاية أجنبية، سيكون الإحتكاك المسلح معها تعدياً على الشرعية الدولية، وهذا من شأنه أن يشجع الدول العربية والإسلامية والشقيقة والصديقة للمشاركة في القوة، بما يضمن مصالح أبناء القطاع وشعورهم بالطمأنينة.
- إنه جعل من إعادة الإعمار قراراً دولياً، يتحمل مجلس الأمن مسؤولياته، خاصة في الجوانب المالية، وتوفير التمويل المطلوب.
- وضع سقفاً زمنياً لإنجاز القرار، وإعادة القطاع إلى ولاية السلطة الفلسطينية (خلال عامين).
- أضفى غطاء الشرعية الدولية على اللجنة الدولية لإدارة القطاع، وجعل منها إطاراً مؤقتاً مدته سنتان، يعود القطاع بعدها إلى ولاية السلطة الفلسطينية، ما يقطع الطريق على تمزيق وحدة أراضي الدولة الفلسطينية.
- أعطى مجلس الأمن نفسه صلاحية مراجعة تنفيذ القرار مرة كل 6 أشهر، وبالتالي ستكون محطات المراجعة مناسبات لوضع حد للتحايل الإسرائيلي، والمناورات الأميركية.
■ بالمقابل، وإلى جانب وصمه المقاومة بالإرهاب، فقد وردت في القرار 2803 نقاطٌ وفقرات حملت معان سلبية، منها:
- الإفتقار إلى تنظيم مراحل تطبيق خطة وقف الحرب، وإبقاء الأمور مفتوحة على الإحتمالات، ما أفسح للجانب الإسرائيلي الفرصة لتفسير معاني القرار ونصوصه، والسقف الزمني لكل مرحلة من مراحل تطبيقه، ما سيبقي الباب مفتوحاً أمام مناورات الجانب الإسرائيلي، وتقييد حرية المجلس التنفيذي.
- ترك باب التلاعب بحدود الإنسحاب الإسرائيلي مفتوحاً، بحيث أبقى لإسرائيل إقامة طوق أمني على حدود القطاع بعد الإنسحاب، بذريعة توفير ضمانة بعدم العودة لـ«الإرهاب» في غزة.
- منح مجلس السلام (برئاسة ترامب شخصياً) والمجلس التنفيذي (برئاسة ملادينوڤ وشراكة توني بلير وجاريد كوشنر وستيڤ ويتكوف) الصلاحيات التامة في التخطيط لإعادة إعمار القطاع، وحل باقي القضايا.
- ترك الباب مفتوحاً أمام التفسيرات المختلفة لمسعى «مجتمع السلام» وتدمير البنية التحتية للإرهاب، ما يبقي المجال مفتوحاً أمام الجانب الإسرائيلي لطرح القضية كل يوم بشكل مختلف وجديد، ويبقي موضوع السلاح حجة معلقة في الهواء، تعطل تنفيذ خطة الانسحاب، خاصة وأن القرار يرهن الإنسحاب الإسرائيلي مع خطوات ترقين السلاح وتصفية البنية التحتية لـ«الإرهاب».
- أبقى الباب مفتوحاً أمام تدخل «قوة الإستقرار» بالشأن الأمني الداخلي، حيث أعطاها واجب دعم الشرطة الفلسطينية بعبارات غامضة.
- مقابل الصلاحيات الممنوحة لمجلس السلام والمجلس التنفيذي وضع حداً لصلاحيات اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، بحيث تبقى لجنة تكنوقراط، بمهمات خدماتية، ما يبقي ملادينوڤ هو المرجعية الأعلى.
- رهن عودة القطاع إلى ولاية السلطة الفلسطينية، بعد إنهاء المرحلة الإنتقالية (ومدتها سنتان)، بمدى إلتزام إنجاز السلطة ببرنامج الإصلاح الذي فرضته على الجانب الفلسطيني الإدارة الأميركية نزولاً عند الموقف الإسرائيلي، الذي ينوي جعل مسألة الإصلاح أمراً تعجيزياً، يعلق عليه المسار الفلسطيني نحو تحقيق المصير.
- أبقى مسار تطبيق القرار بلا مرجعية فلسطينية، لا في السلطة ولا في قطاع غزة، ما يضع الحالة الفلسطينية أمام إستحقاقات سياسية كبرى، تتطلب الإرتقاء إلى مستواها، حكمة ودراية، وبعد نظر■
القرار 2803 في السياسة والتطبيق
■ القرار 2803 ليس مجرد نص، بل مشروع سياسي يطال مصير شعب خرج من حرب الإبادة الممنهجة للحياة والديار، والنفوس والأعصاب، في ظل إفتقاره إلى قيادة موحدة، واستراتيجية مواجهة موحدة، وآليات عمل يومي موحدة، تربط بين الإستراتيجيا وبين التكتيك، وبحيث لا يطغى التكتيك على الإستراتيجي أو يقيد الإستراتيجي التكتيك ويعطل روحه العملية. وتؤكد تجربة مرور 6 أشهر على قرار وقف النار في 9/10/2025، أن غياب القيادة الفلسطينية الموحدة، ألحق ضرراً شديداً بالحالة الفلسطينية في قطاع غزة، فوقف إطلاق النار لم يلزم الجانب الإسرائيلي حتى الآن، ما زالت عمليات القتل اليومي، والنسف الممنهج للمباني، والتلاعب بالخط الأصفر، والتأسيس لمواقع عسكرية دائمة على الجانب الشرقي من الخط الأصفر، وتمييع الحد الزمني لكل مرحلة من مراحل تطبيق القرار، … ما زالت، هي وغيرها، موضع مماطلة وتحايل من الجانب الإسرائيلي، في ظل غياب قيادة موحدة، وإطار للضامنين لا يملك سوى القدرة على الشكوى، وصلاحيات غير محدودة لرئيس المجلس التنفيذي في تفسير مراحل التطبيق وتفاصيلها وآلياتها.
■ وإذا ما أردنا الذهاب أكثر في قراءة تجربة الأشهر الستة، علينا أن نلاحظ أن إدارة ترامب تابعت مصالح الولايات المتحدة في الملفات الدولية على حساب الإهتمام بالملف الفلسطيني، وأنه والحال هكذا، يمكن للأحداث الدولية أن تغطي على الحدث الفلسطيني، ليس في قطاع غزة فحسب، بل كذلك في الضفة الغربية، بحيث ينشغل العالم كله، بما في ذلك حالتنا العربية، على حساب الإهتمام بالملف الفلسطيني ومتابعته. ولقد مثلت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، مثلاً صارخاً غابت تحت نيران قذائفه وذخائر حرائقه القضية الفلسطينية، وفي القلب منها مسار قطاع غزة. ولولا الملاحظات الإنتقادية التي صرح بها ممثل الخارجية الروسية في 1/4/2026 على السلبيات الصارخة في تطبيق القرار 2803، لبقي الوضع على ما هو عليه، العالم منشغل بإيران والحرب ضدها، والإحتلال منهمك في رسم وقائع ميدانية، خلف الخط الأصفر في القطاع، من شأنها أن تعيق تطبيقات القرار 2803، فدولة الإحتلال والإستعمار الإستيطاني لم تعد تخفي مشروعها في إعادة هندسة الشرق الأوسط في إطار قيام «دولة إسرائيل الكبرى»، على أنقاض المشروع الوطني الفلسطيني، وتقويض أسس قيام الدولة الفلسطينية وحق تقرير المصير.
■ وفي هذا السياق لم يعد نتنياهو يخفي أن حكومته باتت تعتمد «القوة» لإنجاز مشروعها، وأن «القوة» لم تعد وسيلة للدفاع عن الذات أمام الخطر الزاحف، بل باتت وسيلة لإنجاز الأهداف الإسرائيلية في فلسطين (الضفة والقطاع والقدس) والدول العربية المجاورة؛ كما أنه لم يعد يخفي أهدافه، بـ«توسيع حدود إسرائيل» في حديث صريح عن جنوب لبنان، بمدى 10 كيلو متر كحد أدنى، يمكن من سيطرة إسرائيل، بنفوذها العسكري، حتى نهر الليطاني، وإدامة إحتلال إسرائيلي للجولان العربي، فضلاً عن الشريط الذي استولت عليه إسرائيل بعد 8/12/2024، «من جبل الشيخ حتى اليرموك» كما قال نتنياهو.
■ بالمقابل علينا أن نلاحظ أن ثمة حراكاً إقليمياً فاعلاً ومؤثراً، دون أن تكون له آثاره على أوضاع المنطقة، ومن هذا الحراك اللقاء الرباعي العربي الإسلامي في العاصمة الباكستانية (إسلام أباد)، إلى جانب البلد المضيف مصر والسعودية وتركيا. وإذا ما أخذ هذا التحرك أبعاده الفعلية والحقيقية، فلسوف يكون له آثاره الإقليمية الصارخة.
كما أن العربية السعودية من جهتها لم تعد ترى في التطبيع مع إسرائيل أمراً إيجابياً، خاصة بعد حرب الإبادة في القطاع، والهمجية الإسرائيلية التي باتت تشكل عنواناً للحراك الإسرائيلي الإقليمي.
وتركيا بدورها من بوابة عضويتها في الناتو، وعلاقتها بسوريا، لن تقف مكتوفة الأيدي أمام التهديد الإقليمي الإسرائيلي، والعبث بالإستقرار السوري، وإعادة رسم خرائط سوريا الحدودية، ومنازعتها نفوذها على الوضع الجديد في الدول المجاورة■
ما العمل؟
■ ما يتوجب الإشارة إليه، بداية، أن الحركة الوطنية الفلسطينية وبعد طول تجربة توصلت إلى قناعة أن الحوار الوطني، وحده، هو الوسيلة إلى الوصول إلى تفاهمات وتوافقات في مواجهة الإستحقاقات السياسية التي تواجه القضية ومصير الشعب الفلسطيني، غير أن المعضلة لم تعد في الدعوة إلى الحوار، والذي يستجاب لها أحياناً، ويتم تجاهلها أحياناً كثيرة، إن المسألة تتعلق بالإرادة الوطنية قبل كل شيء، وبالتالي، هل هناك إرادة وطنية جامعة لدى كل الأطراف، للذهاب إلى حوار وطني شامل وجامع، ينتهي إلى مخرجات وتوافقات، يلتزم بها الجميع.
إن تجربة السنوات الماضية، لا تقدم ما يشير إلى مثل هذا الإحتمال؛ ومع ذلك لا زلنا نرى أن الممر الإجباري للرد على سؤال ما العمل؟ هو الجلوس إلى طاولة حوار وطني شامل تضم الجميع، دون شروط مسبقة، يحضرها الأمناء العامون لفصائل العمل الوطني وأعضاء اللجنة التنفيذية في م.ت.ف، وهيئة رئاسة المجلس الوطني، هي الخطوة الأولى الضرورية والملحة للدخول في معالجة الوضع الفلسطيني، والوصول إلى معافاته.
أما الخطوة الثانية فهي التوافق على أن القضية الوطنية الفلسطينية لا تزال تمر في مرحلة التحرر الوطني لشعب تحت الإحتلال، يعمل بشكل يومي على تقويض المشروع الوطني الفلسطيني. وهنا، وبناء على اعتماد العلاقات الكفاحية والمعايير النضالية المستمدة من تجارب حركات التحرر في العالم، وفي مقدمها العلاقات الديمقراطية بين الأطراف، والتشاركية في اتخاذ القرار، والإلتزام بما يتم التوافق عليه، ونبذ كل أشكال التفرد والإستفراد، أو إضعاف الهيئات والمؤسسات الوطنية، أو تعطيلها لصالح القرار المخالف لمبادئ العلاقات الوطنية لحركات التحرر■
(3)
إسرائيل وورقة ترامب
[■ ينبغي أولاً إعادة التذكر أن ترامب أرغم نتنياهو على الموافقة على ورقة النقاط الـ20، بعد أن كان الأخير قد تعهد، قبل ساعات، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بمواصلة الحرب إلى أن يحقق النصر المطلق على القطاع. وبالتالي، فلم يكن غريباً أن يلجأ نتنياهو إلى المناورات، الواحدة تلو الأخرى، للتحايل على تطبيق الإتفاق، وصولاً إلى فرض معاييره هو، وتفسيراته هو، لفقرات ورقة ترامب، وأن يرسم هو من جانبه منفرداً، الإستحقاقات المطلوبة من حكومته، إن في تطبيق المرحلة الأولى من الإتفاق، أو المرحلة الثانية:
– فبعد التفاوض على وقف إطلاق النار، وإعادة إنتشار الجيش الإسرائيلي داخل القطاع، أصرت حكومة نتنياهو على عدم إخلاء رفح في الجنوب، ومحور فيلادلفي، أي المناطق المحاذية للجانب المصري، بذريعة قطع الطريق على أية محاولة لتهريب السلاح من الجانب المصري إلى القطاع.
كذلك في السياق نفسه، أبقت إسرائيل على إحتلالها حوالي 53% من القطاع شرقاً، دون أن ترسم علامات فاصلة تبين الخط الأصفر الذي أصبح الفاصل بين منطقتين. وفي إطار الحركة اليومية لجيش الاحتلال، لجأت إسرائيل إلى إدخال تعديلات بقوة الأمر الواقع على مسار الخط الأصفر، الذي تحول إلى خط «برتقالي»؛ إرتفعت مساحات السيطرة الإسرائيلية خلفه من 53% إلى 64% من مساحة القطاع:]
وقف إطلاق النار
■ أخلت إسرائيل بالإلتزام بقرار وقف النار في 9/10/2025. توقفت حرب الإبادة الجماعية بمظاهرها السابقة التي كانت تحصد يومياً عشرات الشهداء والجرحى، بينما إطلاق النار إستمر متقطعاً في أنحاء مختلفة من القطاع، حيث شكل الخط الأصفر مصيدة، إستغلت قوات الإحتلال غياب علاماته، لتتهم أبناء القطاع بتجاوزه، وإطلاق النار عليهم، وواصلت قوات الاحتلال قصف المنازل غير المهدمة، الواقعة غرب الخط الأصفر، حتى ولو كانت مأهولة بالسكان، ما أدى إلى القضاء على عوائل بأكملها؛ وبذريعة انتهاك الفلسطينيين لقرار وقف النار، ارتكبت قوات الإحتلال أكثر من مجزرة في خانيونس وشمال القطاع، بل ودفعت دورياتها المؤللة عبر الخط الأصفر إلى داخل القطاع، لتستهدف المواطنين العزل، ومراكز الإيواء بذريعة أنها شكلت مخبأً لقادة المقاومة، وضعتهم إسرائيل على لائحة المطلوبين، متجاوزة بذلك مفهوم وقف النار، وشروط الإلتزام به، أي أن سكان القطاع لم يشعروا لحظة واحدة بالأمان، وأبقوا على حالة الترقب اليومي، إحساساً دائماً لديهم، يستشعرون الخطر الداهم، ممثلاً في قوات الإحتلال المنتشرة شرقاً■
عمليات النسف والتدمير
■ رغم قرار وقف النار، واصلت قوات الإحتلال عمليات نسف المنازل والأبنية التي ما زالت سالمة، خاصة في المنطقة التي بقيت فيها قواتها، مستعينة بالقصف المدفعي والعربات المفخخة، غادرت في كثير من الأحيان الخط الأصفر، بذرائع مكشوفة منها نسف ما تبقى من مباني لأنها تحجب الرؤية عن المواقع الأمامية للجيش الإسرائيلي المنتشرة على الخط الأصفر، أعمال تهديم تندرج في إطار خطة تمهيد القسم الشرقي من القطاع، لإقامة دائمة لقوات الاحتلال، عبر تقطيع المنطقة إلى مربعات، وتشييد إنشاءات عسكرية، تمهد للبقاء الأطول في القطاع.
كما صرحت بعض الدوائر أنها إجراءات تمهيدية لبناء مشاريع مستوطنات، بالتواصل مع مستوطنات غلاف غزة (شرقاً) لفرض أمر واقع، يمكن إسرائيل من ابتلاع مساحات واسعة من القطاع، بذرائع أمنية، منها التحوط من هجوم 7 أكتوبر جديد على المستوطنات■
تبادل الأسرى: الفاشية المفضوحة
■ أبرزت عملية تبادل الأسرى الأحياء والأموات، مدى التعنت الإسرائيلي وعمق الوحشية الإسرائيلية. ففي الوقت الذي خرج فيه الأسرى اليهود بدت عليهم علامات الصحة والعافية، تعبيراً عن مدى اعتناء آسريهم بهم وتوفير احتياجاتهم اليومية من غذاء ودواء وملابس، وشروط إقامة آمنة، بالمقابل خرج الأسرى الفلسطينيون منهكين، مرضى، بحاجة إلى فترات علاج طويلة ليستعيدوا عافيتهم، دليلاً على طبيعة السجون الإسرائيلية ومدى افتقارها إلى الحد الأدنى من شروط الإقامة السليمة التي نصّت عليها المواثيق الدولية، واتفاقيات جنيف الخاصة بالأسرى.
من جهة أخرى عاد الأسرى اليهود إلى عوائلهم، يستأنفون حياتهم، بالمقابل أبعد الأسرى الفلسطينيون من الضفة الغربية، بعضهم أعيد إلى غزة، لمنفى سياسي له، وبعضهم الآخر نقل إلى القاهرة، التي استقبلتهم وأمنت لهم الإقامات «المؤقتة»، وما زال العديد منهم «لاجئاً» في العاصمة المصرية، ممنوعاً من العودة إلى الضفة الغربية وعائلته، كذلك ممنوع على عوائلهم أن تلتحق بهم في الخارج، وهو ما زال يبحث عن مأوى دائم له، خارج القاهرة دون جدوى.
■ أما بشأن الأسرى الأموات، فإن القضية بدت أكثر بشاعة؛ فالمقاومة من جهتها استعادت جثث الأسرى اليهود من المقابر السرية التي أودعوا فيها، وسلمتهم إلى جيش الاحتلال عبر المنظمات الدولية، أما دولة الاحتلال فقد نقلت إلى الجانب الفلسطيني مئات الجثامين المشوهة أو الممزقة، مجهولة الهوية، لا تحمل أية علامات تدل على هوية أصحابها، حملت جثامين بعضهم علامات على سرقة أعضائها الداخلية في المختبرات الإسرائيلية، تكدست في المستشفيات الفلسطينية، لا تملك الوسائل العينية للتعرف على أصحابها، بعضها حمل علامات ساعدت أهله على التعرف عليه، غير أن معظمها كان مجهول الهوية، الأمر الذي أرغم المستشفيات والدوائر المعنية مكرهة على مواراة الباقين الثرى في مقابر جماعية، أعطي لكل جثمان رقم، واحتفظت له وزارة الصحة بملف خاص، ضم صوراً كتوثيق، تحوطاً لما يمكن فعله في المستقبل، حين تتوفر وسائل البحث والتدقيق■
المعابر مغلقة حتى إشعار آخر
■ نصت ورقة ترامب (التي وافق عليها نتنياهو وجرى تعديلها بناء لطلبه) في مرحلتها الأولى على فتح المعابر إلى قطاع غزة، وهي 7 معابر، في الجنوب والشرق والشمال، وعلى أن تدخل إليه عبرها شاحنات الإغاثة، رفض جيش الإحتلال منح التجار العدد الكافي من رخص الإستيراد، ما يفي بحاجة القطاع، كما رفض السماح لشاحنات الوقود، وتلك التي تحمل وسائل الإيواء كالمنازل الجاهزة والصالحة للإتقاء من المطر.
حكومة نتنياهو عطلت القرار، وربطت تنفيذه بأمرين: إستعادة الأسرى الأحياء والأموات جميعاً، ونزع سلاح المقاومة، بقيت المعابر مغلقة حتى بعد أن استعادت إسرائيل أسيرها «الضائع».
بعد الإعلان من قبل الأطراف الضامنة لورقة ترامب، الانتقال إلى المرحلة الثانية من الإتفاق، كان يفترض معالجة التقصير في المرحلة الأولى المتعلق بالمعابر، غير أن نتنياهو، من جانبه، وفي إطار سياسة التضليل والمماطلة، ربط بين فتح المعابر ونزع سلاح المقاومة، مهدداً بأنه إذا لم يتم هذا فإن جيشه على استعداد لفعل ذلك، مثيراً بذلك سخرية المعارضة الإسرائيلية والمراقبين، وهو الذي فشل في إنجاز ذلك يوم كانت المعارك في ذروتها، ويوم كان القطاع كله تحت الإحتلال.
■ أدت الضغوط على نتنياهو من قبل الأطراف الضامنة إلى فتح «جزئي» للمعابر، إذ فتح معبر كرم أبو سالم بين مصر وإسرائيل لتمر عبره الشاحنات، التي لم يتجاوز معدلها اليومي 145 شاحنة معظمها بضائع للتجار، بينما نصت الإتفاقية على إدخال ما لا يقل عن 600 شاحنة يومياً، عملاً بإتفاق 19/1/2025 بين إسرائيل والمقاومة، ما يعني في السياق أن المساعدات لم تتدفق بحرية إلى القطاع، بل بقيت تحت السيطرة الإسرائيلية، حيث أعطيت الأولوية لبضائع التجار مقابل ضرائب وأتاوات لدخولها من خلال المعبر الإسرائيلي.
ولم ينجح صانعو الإتفاق في حلحلة قضية كرم أبو سالم، رغم تدني الحالة الاجتماعية للنازحين، وتفشي خطر سوء التغذية، وشبح الجوع، وتقلبات الطقس التي أغرقت القطاع بمياه الأمطار، وأودى البرد بحياة العشرات من الأطفال والمسنين والحوامل والمرضعات والمرضى.
■ أما معبر رفح الذي كان يفترض أن يفتح على مصراعيه للعابرين، فقد خضع لشروط دولة الإحتلال، خصّص المعبر لمغادرة الجرحى والمرضى ومرافقيهم إلى الخارج للعلاج، مقابل السماح ما يعادل أعداد المغادرين، شرط أن يكونوا من الذين غادروا لأسباب صحية أو طبية. وقد أثبتت الأرقام أن المغادرين أكبر عدداً من العائدين، والذين ما زال منهم الآلاف بانتظار العودة وهم نازحين إلى مصر.
أما ما ورد في الإتفاق عن حرية العبور للجميع، دون مساءلة، أو مطاردة لأحد، فقد عطلته دولة الإحتلال مصرة على الإمساك بمعابر القطاع وبحره وفضائه، معتقلاً جماعياً، رغم تحفظ الوسطاء، وما زال القطاع يفتقر إلى الأمن والأمان الغذائي والصحي والمالي■
لجنة إدارة غزة أم حكومة منفى؟!
■ مسألة اللجنة الوطنية لإدارة غزة، تختلف في محتواها ومضمونها السياسي عن باقي المسائل الواردة في ورقة ترامب، فهي واحدة من المؤسسات الهيكلية للوضع الجديد في القطاع، ترتبط بمؤسستين هما المجلس التنفيذي برئاسة نيكولاي ملادينوڤ، ومجلس السلام برئاسة الرئيس ترامب شخصياً، وبناء عليه يفترض أن يتوفر لهذه اللجنة حصانة سياسية كالحصانة السياسية لباقي المؤسسات، وأن يكون لأعضائها صفة دبلوماسية يستمدونها من الجهة المعنية بإدارة القطاع، بتكليف من خطة صادق عليها مجلس الأمن في قراراه 2803. في هذا السياق يمكن أن نسجل أنه تم تشكيل اللجنة بتشاور فني بقي محصوراً بين الأطراف الضامنة، وإلى جانبها إسرائيل التي مارست لغة الإعتراض على بعض الأشخاص المرشحين للعضوية، بذريعة أنهم ينتمون للسلطة الفلسطينية، وهذا مخالف لموقف نتنياهو القائم على رفض أي تمثيل لفتح أو حماس في أية تشكيل لإدارة القطاع. حضرت الأطراف الضامنة، وحضرت إسرائيل وغابت المرجعية الفلسطينية، ممثلة بالسلطة الفلسطينية، كما جرى تغييب أطراف المقاومة الذين إكتفوا بالاطلاع على تشكيل لجنة غزة من الجانب المصري، ورغم أن فصائل المقاومة أبدت ملاحظات على بعض أعضاء اللجنة إلا أن هذه الملاحظات بقيت في إطار الرأي ليس إلا.
■ من جانب آخر، وحتى كتابة هذه السطور، لم تنتقل اللجنة إلى القطاع لمزاولة مهامها، وقد عطلت دولة الإحتلال كافة المواعيد التي حددت لها. دولة الإحتلال جعلت من لجنة إدارة غزة ذريعة وورقة مساومة ومقايضة، بين السماح لها بالإنتقال إلى القطاع، وبين نزع سلاح المقاومة، بحيث تحسم مسألة السلاح أولاً، بعدها تنتقل اللجنة إلى غزة، وهذه المقايضة هي واحدة من حيل نتنياهو للتعطيل، الأمر الذي يكاد يحول اللجنة إلى حكومة منفى في القاهرة، لا تملك وسيلة تمكنها من الإنتقال إلى القطاع. في الوقت الذي يعرف به الضامنون قبل غيرهم، أن مسألة السلاح ونزعه وتحييده أو جمعه، وسوى ذلك رهن بتشكيل القوة الدولية من جهة، وبالإتفاق على «حل» مسألة السلاح من جهة أخرى، خاصة وأن ورقة السلاح هي واحدة من الأوراق الثمينة في يد المقاومة والقاهرة من جهة أخرى، إذا ما أجيد التعامل معها بحكمة ودراية وبنظرة مستقبلية■
(4)
الفلسطينيون وورقة ترامب: إنقسام وتشتت
■ هنا لا بد من وقفة تفصيلية لإلقاء الضوء على حراجة الموقف الفلسطيني، في محطة ذات طابع إستراتيجي، لها تداعياتها، ليس على المشروع الوطني الفلسطيني فحسب، أو على خارطته السياسية والحزبية والإجتماعية، بل وكذلك على خارطة الإقليم وأطرافه الإسلامية كتركيا وإيران وباكستان، وعلى الموقع الإسرائيلي الذي يطمع نتنياهو أن يحتله، تحت مبدأ إعادة «هندسة الشرق الأوسط»:
أولاً- إن التمهيد للإعلان عن ورقة ترامب كأساس لـ«وقف الحرب والنار»، والإنتقال إلى الحل السياسي، قدمت إلى دول عربية وإسلامية، لم يكن من بينها الجانب الفلسطيني، وأن هذه الدول أدلت بدلوها في نقاش الورقة مع ترامب دون إستشارة الجانب الفلسطيني أو موافقته، وهذا من شأنه أن يبرز ضعف المؤسسة الوطنية الفلسطينية، ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية.
ثانياً- إن الرئيس ترامب، حين عرض ورقته على نتنياهو وضغط عليه للقبول بها، كان حريصاً في الوقت نفسه على تمييز الموقف الإسرائيلي باعتباره حليفاً لواشنطن، فأسقط من الورقة، بناء على طلب نتنياهو، البند الـ21، الذي يؤكد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، واستعاض عنها بعبارات تتحدث عن الإحتمال بدلاً من اليقين، وافق ترامب على هذا التعديل الإستراتيجي في الورقة شديد الخطورة، حتى دون أن يستشير الأطراف الثماني التي وافقت عليها بصيغتها الإجمالية، ودون أن يصدر عن هذه الأطراف الـ8 أي إحتجاج، أو دعوة لإعادة النقاش مرة أخرى، بعد التعديل الكبير الذي أدخل عليها، أما الصوت الفلسطيني فبقي منخفضاً إزاء هذا التعديل، خاصة أنه لم يكن من «المعنيين» بالموافقة على الورقة أو رفضها.
ثالثاً- تبدت حراجة الموقف الفلسطيني، مرة أخرى، حيت تم الإعلان عن الورقة، باعتبارها المشروع الرسمي للحل في قطاع غزة، مع تأشيرة واضحة إلى موافقة 8 دول عربية وإسلامية + إسرائيل عليها، وهي ورقة حملت في طياتها قضايا كبرى تتعلق ليس بوقف النار وتبادل الأسرى وإعادة الإنتشار الإسرائيلي، وهي قضايا أمنية لها أهميتها في القطاع، بل هناك قضايا ذات طابع وطني أسمى، تتعلق بمصير القطاع وعلاقته بالضفة الغربية، منها مثلاً مسألة من يدير قطاع غزة، من يشكل الشرطة الفلسطينية، وما هو دور القوة الدولية للاستقرار، لذلك بدت الحيرة على مواقف بعض الأطراف التي كادت أن تنزلق إلى رفض الخطة، باعتبارها تحمل في طياتها وصاية على القطاع، تعيده إلى ماضي دولة الإنتداب.
الجبهة الديمقراطية أصدرت في 30/9/2025، أي اليوم التالي لصدور ورقة ترامب موقفاً دعت فيه إلى التمييز بين القضايا ذات العلاقة بالمقاومة، والقضايا ذات العلاقة بمصير القطاع وانعكاس ذلك على المشروع الوطني، فأكدت موافقتها على التعاطي بشأن قضايا: الأسرى، ووقف النار، وإعادة الإنتشار خارج الخط الأصفر، وفتح المعابر، أما القضايا الأخرى كترقين السلاح، وإدارة القطاع، وإعادة الإعمار وغيرها، فدعت إلى التفاوض عليها في إطار وطني جامع، تحت سقف م. ت. ف، باعتبارها قضية وطنية جامعة من الطراز الأول.
رابعاً- من الأهمية بمكان أن نشير إلى محاولات القاهرة، رأب الصدع الفلسطيني، وتقديم الموقف الوطني الفلسطيني موحداً أمام أطراف الصراع، إسرائيل والولايات المتحدة. وفي هذا السياق، بذلت القاهرة أكثر من محاولة، للوصول إلى حوار يضم الجميع، من داخل م. ت. ف وخارجها، للتوافق على إستراتيجية لمواجهة إستحقاقات الحل، ورسم التكتيكات اللازمة، غير أن السلطة الفلسطينية من جانبها، كانت ترفع في وجه هذه الدعوات إشتراطاتها التعجيزية، لموافقة الأطراف الفلسطينية، دون إستثناء، على إلتزامات السلطة الدولية، أي بتعبير آخر، إلتزامات السلطة أمام «إتفاق أوسلو» ودون أي نقاش: «سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد»، وهو شعار تراجعت فيه السلطة الفلسطينية خطوة إلى الوراء، حين استبدلت شعار سلاح واحد بشعار جهاز أمني واحد، إنسجاماً مع إلتزاماتها أمام الولايات المتحدة وإسرائيل بسلطة أو دولة منزوعة السلاح.
تعنت السلطة ورفضها الدعوات المصرية وتعطيلها، أدى لإحداث فراغ قيادي فلسطيني في إدارة المفاوضات والمشاورات حول تطبيقات إتفاقات وقف النار، وصار البديل للمرجعية الفلسطينية الموحدة، مشاورات تجريها القاهرة من جهة مع أطراف المقاومة والمعارضة الفلسطينية، ومن جهة أخرى مع السلطة الفلسطينية، غير أن هذه المشاورات لم تعوض غياب المرجعية الفلسطينية إلى جانب الأطراف الأخرى في إتفاق «وقف إطلاق النار»، خاصة في الجانب المتعلق برسم مصير قطاع غزة في المرحلة الثانية من الاتفاق؛ الأمر الذي عاد على الحالة الفلسطينية بأضرار كثيرة، بحيث بات حدود الموقف الفلسطيني في لحظة ما من لحظات التطبيق، الشكوى بالبيان الصحفي والتصريح الإعلامي، وتقديم المذكرات إلى الأطراف الضامنة. صوت الإعتراض الفلسطيني كان خافتاً وضعيفاً لافتقاره إلى التمثيل الموحد للحالة الوطنية.
خامساً- بفعل التعنت والإصرار على التفرد بالقرار السياسي، أضاعت السلطة الفلسطينية على الحالة الوطنية فرصة تاريخية، كان من شأنها إغلاق الفجوة الكبيرة في الاتفاق والتي تهدد في مسارها التطبيقي، بسلخ القطاع عن الضفة الغربية، ونعني بذلك تعطيل السلطة الفلسطينية الإقتراحات لتشكيل حكومة وفاق وطني، تكون هي المعنية بإدارة شؤون القطاع، إلى جانب الضفة الغربية، بعد وقف النار وبمرجعية م.ت.ف، وبالتالي لفتح المرحلة الإنتقالية الواردة في الاتفاق ومدتها سنتان، شرط الإستجابة لمتطلبات إصلاح النظام السياسي الفلسطيني، وفقاً للرؤية الأميركية.
كما رفضت السلطة إقتراحاً بديلاً يقوم على تشكيل لجنة لإدارة قطاع غزة، تتشكل من وكلاء الوزارات المقيمين في القطاع، يترأسها وزير من الوزارة القائمة، وبحيث يتمتع بصلاحيات نائب رئيس الوزراء، ويكون القطاع مكان إقامته.
كما رفضت السلطة الفلسطينية إقتراحاً بإدخال تعديلات على الحكومة القائمة حكومة محمد مصطفى، وأصرت على إبقاء الأوضاع على ما هي عليه، في خطوة لم يعد المراقب بحاجة إلى الكثير من التأمل، ليدرك أن السلطة الفلسطينية ترفض من حيث المبدأ أي لقاء مؤسساتي مع المقاومة الموسومة بالإرهاب، وفقاً لمعايير الولايات المتحدة وإسرائيل، كي لا ينقلها هذا التوافق إلى مربع سياسي، لا ترى فيه ما يصون مصالحها الطبقية والفئوية، يسودها وهم أن ما جاء في الورقة، من إشارة إلى إنهاء المرحلة الإنتقالية خلال سنتين، تستعيد بعدها السلطة إدارة القطاع ضمانة لمصالحها منفردة دون «التورط» في توافقات وطنية لا تحوز على ارتياح الجانب الأميركي ورضاه.
سادساً- إرتكبت السلطة الفلسطينية أخطاء سياسية فادحة في رسم مواقفها اليومية من مجريات الأمور في قطاع غزة بعد وقف النار، فقد واصلت دعوتها المقاومة الفلسطينية إلى تسليم سلاحها، إلتقت بذلك مع الدعوات الإسرائيلية التي جعلت من شأن نزع السلاح حجة لتعطيل مسارات تطبيق الإتفاق، كما قدمت للجانب الأميركي الغطاء السياسي ليدلو هو أيضاً بدلوه في مسألة السلاح، فيطلق الإنذار تلو الإنذار، داعياً المقاومة إلى تسليم سلاحها في مواعيد قصيرة الأمد، كأربعين يوماً مثلاً، في وقت لم تتبلور فيه لا الصيغة ولا لآلية لحل مسألة السلاح، في الوقت نفسه، إعتبرت المقاومة أن حل مسألة السلاح وليست مسألة فنية أو أمنية، بل هي قضية سياسية من الطراز الأول، لا يمكن حلها إلا في إطار سياسي واضح المعالم.
فالسلاح هو سلاح المقاومة الفلسطينية، في إطار معركة التحرر الوطني التي يخوضها الشعب الفلسطيني.
والسلاح أمر مشروع ما دامت الأرض الفلسطينية تحت الاحتلال، ولا يمكن بحث مصير السلاح دون بحث مصير الاحتلال، أي الانسحاب الإسرائيلي وحدوده، وأية ضمانات تكفل للشعب الفلسطيني حمايته من أي عدوان إسرائيلي لاحق. وإذا كانت القوة الدولية هي الضمانة، كما هو وارد في الاتفاق، فإن مسألة السلاح رهن بوصول القوة الدولية وانتشارها، والإتفاق على مهامها بما في ذلك موقفها من أي خرق إسرائيلي أمني أو ميداني لخط الحدود.
فضلاً عن ذلك، فإن ورقة ترامب لا تتحدث عن نزع السلاح، بل عن «تحييد»، «ترقين»، «تسريح»، هذا السلاح، وهي كلها تعابير تفترض حلاً لسلاح المقاومة، يبقى عهدة لدى أحد الأطراف الضامنة، مصر مثلاً، باعتباره ملكاً للشعب الفلسطيني من حقه أن يسترده عند الضرورة (أي تحت خطر الغزو الإسرائيلي واجتياحه للقطاع)، أما مسألة تسليمه إلى الدولة الفلسطينية، فهذا أمر مؤجل إلى حين قيام هذه الدولة، ورسم معالمها، بموجب مبادئ التوافق الوطني، كما نصت على ذلك وثائق م.ت.ف، وعلى الأخص «إعلان الإستقلال» في 15/11/1988■
(5)
إعلان ترامب للسلام الدائم والازدهار
13/10/2025
[■ مسافة واسعة تفصل بين «إعلان ترامب للسلام والمساواة» (إعلان شرم الشيخ)، وبين الواقع السياسي الذي ولد فيه هذا الإعلان، كما تفصل في الوقت نفسه، بينه وبين ما شهدت الولايات المتحدة والعالم على يديها من تطورات. فالإعلان حافل بكلمات قلما وردت على لسان الرئيس الأميركي ترامب، بل هي في سياقها الخاص، غريبة عن قاموسه اللغوي، والمفردات التي يستعيرها للتعبير عن أفكاره إزاء قضايا الولايات المتحدة الداخلية، وإزاء قضايا العالم، بما في ذلك الأوضاع في المنطقة العربية، وفي قلبها القضية الفلسطينية، مع التنبيه، أن هذا الإعلان صدر في شرم الشيخ في إحتفال دولي، حضره ملوك وأمراء ورؤساء دول وحكومات، كان ترامب على رأسهم، للإحتفال بولادة «السلام» في قطاع غزة، الذي أعلن فيه في 9/10 من العام ذاته.
وبالتالي إذا ما قارنا بين ما جاء في الإعلان، وبين المسار الذي اتبعته تطبيقات وقف الحرب والنار، وبين الإعلانات السياسية على لسان ترامب نفسه، وشريكه في التحالف الإقليمي نتنياهو، لوجدنا أنفسنا أمام عالمين مختلفين، وأننا أمام واحدة من كبرى عمليات التزوير السياسي المفضوح:]
ماذا في النص؟!
■ نحن أمام نص أبدع كاتبوه في استدعاء ما في جعبتهم من تعابير، هدفها الإيهام بأننا انتقلنا من حرب ضروس هدفها الإبادة الجماعية لأبناء قطاع غزة على يد قوات الغزو والإحتلال الإسرائيلي، إلى عالم مليء بالسلام والأمن والإستقرار والإزدهار؛ ففيه وردت عبارة «السلام» 13 مرة، وعبارة الاستقرار وردت مرتين، وعبارة الازدهار 7 مرات، وعبارة الأمن 5 مرات، والكرامة والتسامح مرة واحدة.
علينا بداية أن نلاحظ أن «إعلان شرم الشيخ» هذا، سرعان ما توارى خلف النسيان، ولم يأتِ أحد على ذكره، باعتباره واحداً من الوثائق المعنية بترجمة «ورقة ترامب» ومقتضيات العمل بها. وكان هذا أمراً طبيعياً، لسبب بسيط، هو التناقض الواسع وغير المحدود بين ما جاء في الإعلان من دعوات سلام، وتنمية ورخاء، واستقرار. ما بين السياسات التي يتبعها صاحب الورقة على الصعيد الإقليمي والعالمي، التي تتعاكس مع هذه الدعوات.
■ لقد كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، صاحب مشروع السلام في قطاع غزة، عن استراتيجيته السياسية في العالم، عبر الوثيقة المشهورة التي أصدرها بعنوان «إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة»، وهي تقوم على عنصرين رئيسيين هما «القوة والمال»، فالولايات المتحدة هي أقوى دولة في العالم – يقول ترامب – وهي أغنى دولة في الوقت نفسه، بالتالي عليها أن تفعل فائض «القوة والمال» لديها في مشاريع وسياسات تعزز موقعها باعتبارها القطب الأكبر والأقوى، وباعتبار رئيسها زعيماً للعالم الحر، على حد تعبير الناطقة باسم البيت الأبيض.
وعلى هذا الأساس رسم ترامب ميدان ممارسة «القوة ونفوذ المال» في القاطع الغربي للكرة الأرضية، أي ما بين المحيط الأطلسي من جهة، والمحيط الهندي – الباسيفيكي من جهة أخرى، إضافة إلى الإستيلاء على جزيرة غرينلاند، بذرائع أمنية وأطماع إقتصادية، وعليه تراجع دور أوروبا في حسابات ترامب، كذلك تدني مستوى التحالف مع عدد من الدول الآسيوية، ككوريا الجنوبية واليابان وتايوان، والتي بات عليها كلها أن تضاعف موازناتها «الدفاعية» لصون أمنها. فالولايات المتحدة كما يصرح ترامب ليست معنية أن تتكبد الخسائر للدفاع عن حلفائها. وهكذا أصبحت دول الكاريبي وأميركا اللاتينية في مرمى أطماع الإدارة الأميركية، أي أنه إعلان حرب على هذه المناطق، عليها أن تعيد ترتيب أوضاعها وأن تعيد النظر بسياساتها لتندرج في خدمة الإستراتيجية القومية للولايات المتحدة.
■ وهكذا شهدنا إختطاف رئيس ڤنزويلا مادورو وزوجته في عملية خاصة، أسفرت عن إخضاع ڤنزويلا لنفوذه والشروع بنهب نفطها بملايين البراميل يومياً، ما جعل النفط الأميركي يتجاوز حدود الـ55% من أسواق النفط في العالم، وبما يقطع الطريق على النفوذ الروسي والعربي السعودي في منظمة آيباك، ويعزز القوة الإقتصادية للولايات المتحدة في مواجهة خصومها، خاصة الصين الشعبية.
ثم فرض الحصار العام على جزيرة كوبا، بهدف إسقاط نظامها الإشتراكي وإعادة تشكيله على أسس تمكن الولايات المتحدة من إحتواء الجزيرة، وإلحاقها بالنفوذ الأميركي سياسياً وإقتصادياً.
وفي هذا السياق أخذت بعض الدول تعيد النظر بحساباتها، مثل كولومبيا التي عقدت مع ترامب تفاهماً أدرجها في صف النفوذ الأميركي.
أما البرازيل، والتي تنظر إليها واشنطن بعين حمراء، فقد قررت خوفاً رفع موازنتها الدفاعية، تحسباً لأي عمل عدواني أميركي ضدها.
■ أما في منطقة الشرق الأوسط، التي إنطلق منها وعنها «إعلان شرم الشيخ»، فقد شهدت حرباً أميركية – إسرائيلية عدوانية ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، طالت نيرانها دول الخليج وتساقطت شظاياها على أكثر من عاصمة، خاصة عمّان وبغداد وصنعاء وأنقرة والقاهرة وإسلام أباد.
أما أهداف الحرب العدوانية، فقد كانت مفضوحة منذ اللحظة الأولى: إسقاط النظام الإيراني بالقوة، واحتواء إيران، والهيمنة على ثرواتها ونهبها، وإزاحتها من صف التنافس على النفوذ في المنطقة لتخلي المكان لدولة إسرائيل.
■ أما في إسرائيل، فقد يبدو الحديث عن «السلام» في إسرائيل شكلاً من أشكال المخاتلة واستغباء العقول، خاصة وأن رئيس حكومة تل أبيب لم يتوقف منذ أكتوبر 2023 عن التهديد بإعادة «هندسة الشرق الأوسط» بـ«القوة»، في سياق بناء دولة «إسرائيل الكبرى»، والإستيلاء على الضفة الغربية وقطاع غزة وغيرها من الأراضي العربية المجاورة.
فرغم التوقيع على ورقة ترامب لوقف الحرب والنار، إلا أن جيش الاحتلال لم يتوقف عن استهداف قطاع غزة بنيران القتل الجماعي والإغتيالات، والحصار الاقتصادي، ونسف وتدمير المباني، وفي إمتداد حرب الإبادة الجماعية، دون أن يتدخل الراعي الأميركي، ودون أن تغير تدخلات الوسطاء الآخرين من نتيجته، فضلاً عن التلاعب بمعايير تطبيق المرحلة الأولى والمرحلة الثانية من الإتفاق.
في الوقت نفسه؛ واصلت قوات الإحتلال استهداف لبنان بأعمالها العدائية رغم توقيعها إتفاقاً مع بيروت في نوفمبر 2024، وتجديد الإلتزام بقرار مجلس الأمن 1701. ومع إندلاع الحرب العدوانية ضد إيران، إنتهزت إسرائيل الفرصة لتوسيع مساحات إحتلالها للجنوب اللبناني في ظل تبجح إسرائيل بأن نتنياهو هو أول من نجح في توسيع مساحة إسرائيل في إصرار عنيف على عدم العودة إلى خطوط الفصل، لا على الجبهة السورية ولا على الجبهة اللبنانية.
■ الخلاصة: إعلان السلام «إعلان شرم الشيخ» لم يكن سوى محاولة لذر الرماد في العيون، شكل وثيقة تزوير للواقع العملي الذي تنتهجه السياسات الأميركية والإسرائيلية، وإذا كان من النتائج الإيجابية لورقة ترامب هي وقف الحرب، فإن الوقائع المتتالية والدامغة تؤكد أن ما يتم التخطيط له لتطبيق ورقة ترامب، يحمل في طياته مخاطر جمة على القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية، فضلاً عن كون «الإعلان» ستاراً لإخفاء جرائم الحرب في فلسطين ولبنان وسوريا وإيران■
(6)
السلام … السلام لمن؟
■ في مراجعة مدققة لميثاق «مجلس السلام»، نلاحظ أنه لا يأتي على ذكر قطاع غزة أو الضفة الفلسطينية، وحتى المنطقة المسماة «الشرق الأوسط» (غرب آسيا)، رغم أن «فكرة» هذا المجلس ولدت في سياق الحديث عن حل ما للحرب الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة (حرب أكتوبر 2023)، وفي إشارة إلى أن مشروع الحل سيعود على القطاع بالسلام والإزدهار والإستقرار، وبين أن الرئيس الأميركي ترامب هو صانع السلام في العالم (علينا أن نذكر كيف أنه رشح نفسه لنيل جائزة نوبل للسلام).
الميثاق يتحدث عن السلام كأمر مطلق، يسود العالم كله، وبالتالي هو مجلس للسلام للكون كله، رئيسه هو الرئيس الأميركي، ما يضعه في تضاد مع مجلس الأمن في الأمم المتحدة، وبذلك يترجم ترامب سياسته من الأمم المتحدة وقراراتها وميثاقها، في تقرير «مجلسه» بديلاً للمنظومة الدولية، وكأنه يدعو بشكل ما إلى إعادة صياغة هذه المنظومة الدولية التي يمكن أن تشكل قيداً على سياساته، في ظل تمتع أربعة أطراف، إلى جانب الولايات المتحدة بحق النقض.
■ وفي تأكيد على ذلك؛ يمكن النظر إلى الصيغة التوافقية (نسبياً) لموافقة مجلس الأمن على القرار 2803، مرفقاً بورقة ترامب لوقف الحرب في قطاع غزة، نموذجاً شديد الوضوح، إذ لولا أن روسيا والصين لم تمتنعا عن التصويت، ولجأتا إلى ممارسة حقهما في النقض، لسقطت ورقة ترامب، وسقط معها القرار 2803، وأعيدت تحركات ترامب في ملف قضية غزة إلى نقطة الصفر.
إذن نحن أمام ميثاق لمجلس السلام، يتجاوز غزة وقضيتها، ويفيض بمسؤوليته عن السلام إلى أرجاء الكون، وكأن الهدف الأبرز من هذا التشكيل، هو القفز بالرئيس ترامب، من صانع للسلام في قضية غزة إلى صانع للسلام في العالم كله، في خطوة من شأنها أن ترضي غروره وعنجهيته ونزعاته الفردية، وأن تشكل له غطاء لحروبه ضد الآخرين (الحرب ضد فنزويلا + العرب + إيران + الحرب ضد كوبا + التهديد بالاستيلاء على غرينلاند بالقوة + كشف عن نواياه لضم كندا + تغيير اسم خليج المكسيك إلى خليج أميركا + الإشارة (ولو مرة واحدة) إلى إطلاق اسم ترامب على مضيق هرمز، وهو أمر غير مستبعد إذا ما نجح في حل مسألة المضيق وفقاً لأهوائه)■
الرئيس مطلق الصلاحيات
■ يمكن لنا، بكل ثقة، أن نطلق على مجلس السلام اسماً آخر هو «مجلس الرئيس»، فالرئيس هو الذي وضع ميثاق المجلس، وعيّن نفسه رئيساً عليه، وهو صاحب الصلاحية، دون غيره ولوحده، في تعديل الميثاق حين يرى ذلك ضرورةً.
وهو صاحب الصلاحية المتفردة في قبول الأعضاء وفصلهم، وهو الذي وضع شروط العضوية: العضوية الكاملة مقابل اشتراك مالي قدرة مليار دولار، مقابل العضوية المراقبة (لا صلاحية لها في التصويت) لمن يعجز عن دفع هذا المبلغ، ما يعني بوضوح أن مجلس السلام لا يضم في عضويته سوى الملوك (الأغنياء منهم) ورؤساء الدول الكبرى (التي ترى لنفسها مصلحة في عضوية هذا المجلس)، وكبار الأغنياء وكبار رجال الأعمال، إذا أغوتهم مشاريع إعادة الإعمار في قطاع غزة وغيرها من المشاريع.
لا يذكر الميثاق شيئاً عن صلاحية الأعضاء، إن كانوا كاملي العضوية أو المراقبين، وبالتالي فنحن أمام صيغة لا سابق لها، تقدم نفسها بديلاً لمجلس الأمن الدولي، ولا يستبعد أن تقدم نفسها في لحظة ما، بديلاً للإدارة الأميركية، إذا ما تعثرت أعمال وقرارات هذه الإدارة، وتصادمت مع أغلبية ديمقراطية في الكونغرس في لحظة سياسية معنية.
ويزيد من وضوح أهداف المجلس، أن الأساس المحوري لهذا المجلس، الثلاثي توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، وشريك الولايات المتحدة في حربها وغزوها للعراق، و«منسق» للجنة الرباعية الخاصة بالقضية الفلسطينية والذي تم تعيينه (على الدوام) بقرار أميركي، وفاء له على تبعيته المطلقة للسياسة الأميركية.
أما «المؤسس» الثاني فهو المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، رجل العقارات المعروف والمقرب من ترامب، ومبعوثه إلى أطراف الدنيا الأربعة: القضية الفلسطينية + قضية أوكرانيا + الحرب على إيران والباب مفتوح على مصراعيه لمهام إضافية، وإلى جانبه شريكه في اصطياد المشاريع المالية والعقارية، صهر الرئيس ترامب جاريد كوشنر، الرفيق الملازم لويتكوف في «حل» قضايا العالم على طريقة الرئيس ترامب.
مجلس السلام أطل برأسه في منتدى دافوس، ثم أحال الصلاحيات إلى الثلاثي بلير، ويتكوف، كوشنر، يعمل بتوجيهاتهم السيد نيكولاي ميلادينوف في مباحثاته لتطبيق ورقة ترامب■
خلاصة
■ أثبتت الوقائع اللاحقة، خاصة في مباحثات السفير ملادينوڤ مع فصائل المقاومة لتطبيق خطة غزة، أن مجلس السلام لم يشكل إطاراً منتظماً يأخذ على عاتقه مسؤولية الإشراف على تطبيقات الخطة، وأن صلاحياته أصبحت كأمر واقع، وبقرار من الرئيس ترامب إلى ملادينوڤ (ممثلاً للمجلس) وعدد من المستشارين أبرزهم، كما أوضحنا، ويتكوف وكوشنر وبلير وإلى جانبهم القائد الأميركي لقوات الإستقرار الدولية (المقيم في رامات غات – مركز مراقبة تطبيق الإتفاق)، والتي ما زالت حتى مطلع أيار (مايو) تعاني صعوبة في التشكيل، ما أبقى القطاع تحت سطوة الإحتلال الإسرائيلي، من خلف الخط الأصفر – البرتقالي.
إن اختصار مجلس السلام بفريق أميركي، ودون فعل ملموس للمجلس التنفيذي، المكلف بتطبيق خطة غزة والإشراف عليها، منح الحكومة الإسرائيلية، في ميزان تفسير الاتفاق وتطبيقه، وزناً جعل من اقتراحات نتنياهو في بعض الحالات هو الموقف الرسمي لملادينوف، على سبيل المثال وضع قضية السلاح وضرورة «تسليمه» شرطاً للإنتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، في وقت لم يبدِ فيه ملادينوف أي فعل عملي بوقف النار الإسرائيلية، وفتح الباب لدخول لجنة إدارة القطاع إلى غزة، وحل العَطب على المعابر. هذه الخلاصة تتطلب من الفريق الفلسطيني المفاوض أن يرسم الخط المطلوب ضبط إنحياز مجلس السلام المكشوف لصالح إسرائيل، عبر تعزيز العلاقة مع الوسطاء (مصر، قطر، تركيا) والأطراف الضامنة■
أيار (مايو) 2026

