المسار : يعكس نشر القوات الباكستانية ظهور نموذج أمني إقليمي جديد، تعتمد فيه قوى الشرق الأوسط بشكل متزايد على الشراكات مع دول إقليمية مؤثرة وذات حضور، بدلًا من الاعتماد كليًا على القوى العظمى الخارجية…
يمثل وصول قوات باكستانية إلى حضرموت تطورًا تتجاوز أهميته المهام العسكرية المباشرة الموكلة إليها على الأرض؛ إذ يأتي هذا الانتشار ضمن سياق إقليمي أوسع يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية، وتزايد حالة عدم اليقين بشأن موازين القوى المستقبلية في الشرق الأوسط، وتصاعد جهود الفاعلين الإقليميين لبناء ترتيبات أمنية جديدة قادرة على حماية مصالحهم في ظل بيئة استراتيجية سريعة التغير. ومن هذا المنطلق، يعكس الوجود الباكستاني في شرق اليمن مسعىً سعوديًا أوسع لترسيخ نفوذه في مناطق ذات أهمية استراتيجية، خصوصًا بعد تحجيم دور الإمارات فيها، وتأمين الأصول الاقتصادية الحيوية، وإرساء بنية أمنية قادرة على مواجهة التحديات الناشئة، بدءًا من التنافسات الإقليمية وصولًا إلى التهديدات التي تستهدف البنية التحتية للطاقة وطرق التجارة البحرية.
تحتل حضرموت موقعًا مهمًا ضمن جغرافية اليمن وشبه الجزيرة العربية؛ باعتبارها أكبر محافظات اليمن، حيث تمتد من الحدود السعودية إلى بحر العرب وتضم بعضًا من أثمن موارد البلاد من الهيدروكربونات، وبذلك تمثل حضرموت مفترق طرق استراتيجيًا يربط بين إنتاج الطاقة، والوصول البحري، والأمن عبر الحدود. يمنح موقعها أي جهة فاعلة فيها نفوذًا على ممرات النقل المهمة والأصول الاقتصادية، بينما يوفر في الوقت نفسه منصة لتشكيل النظام السياسي اليمني المستقبلي. ولذلك، ينظر صناع القرار السعوديون إلى حضرموت على أنها أكثر بكثير من مجرد محافظة يمنية بعيدة عن المركز؛ إذ إن المحافظة تعمل بشكل متزايد كمنطقة عازلة تحمي الجناح الجنوبي للمملكة العربية السعودية، ومستودع للموارد الاقتصادية ذات القيمة الاستراتيجية طويلة الأجل، وساحة رئيسية تتشكل فيها ملامح توزيع السلطة داخل اليمن.
من المهم الإشارة إلى أن الرقم المتداول حول إرسال 50 ألف جندي باكستاني إلى اليمن (تتراوح التقديرات بين 10 آلاف و50 ألفًا) يتطلب إشراك وحدات متعددة تشمل قوات مشاة ميكانيكية، وقوات خاصة، ووحدات دفاع جوي، وعناصر هندسة عسكرية ولوجستية، إضافة إلى فرق تدريب ومستشارين عسكريين مكلفين بحماية المنشآت الاستراتيجية وتأمين المطارات وحقول النفط ومراكز القيادة. كما أن الحديث عن قوة بهذا العدد والعتاد يعكس في جوهره القدرة التعبوية التي تمتلكها باكستان بموجب شراكتها الدفاعية المتنامية مع السعودية، أكثر مما يعكس وجودًا ميدانيًا قائمًا بالفعل، إذ إن مثل هذا الحجم من القوات يمثل قوة قادرة على إدارة مناطق واسعة، وتأمين البنية التحتية الحيوية، والمساهمة في بناء منظومات أمنية محلية مرتبطة بالمصالح السعودية في شرق اليمن وجنوب شبه الجزيرة العربية.
عمومًا، يتزامن الاهتمام السعودي المتزايد بحضرموت مع فترة اكتسب فيها التنافس الإقليمي داخل اليمن أبعادًا جديدة؛ خصوصًا بعد أن تطور الصراع اليمني من مواجهة تقليدية بين الحكومة وحركة تمرد إلى صراع متعدد الأوجه يشمل القبائل المحلية، والقوى الإقليمية، والحركات السياسية، وقوات الأمن، ورؤى متنافسة لمستقبل البلاد، خصوصًا الإمارات والسعودية؛ ليبرز شرق اليمن كأحد أهم ميادين النفوذ. تسعى الرياض إلى تعزيز المؤسسات والتشكيلات العسكرية المرتبطة بالحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، بينما تحافظ جهات إقليمية أخرى على علاقات مع شركاء محليين تركز أولوياتهم على الحكم الذاتي للجنوب، وهياكل الحكم المحلي، والترتيبات السياسية البديلة. تُولّد هذه المقاربات المتنافسة بيئة ديناميكية يعتمد فيها النفوذ بشكل متزايد على القدرة على الحفاظ على الأمن، وإدارة الأراضي، وحماية الأصول الاستراتيجية.
في هذا السياق، يخدم وجود الجنود الباكستانيين عدة أغراض مترابطة؛ إذ تحصل الرياض على عنصر عسكري محترف قادر على تأمين المنشآت الحساسة، ودعم تطوير القوات المحلية الشريكة، والمساهمة في حماية البنية التحتية للطاقة ذات القيمة الاقتصادية والجيوسياسية الكبيرة. يتمتع العسكريون الباكستانيون بعقود من الخبرة العملياتية، وهياكل مؤسسية راسخة، وخبرة في إدارة الحدود الطويلة والمساحات الشاسعة، وسمعة طيبة في الاحترافية، مما يسمح لهم بالعمل بفعالية في بيئات بالغة الحساسية. وبالتالي، يعكس قرار السعودية بالاعتماد على باكستان عمق العلاقة الاستثنائية بين الرياض وإسلام آباد؛ إذ يمتد التعاون العسكري بين البلدين لعقود، ويشمل برامج تدريبية، وتمارين مشتركة، ومهام استشارية، وتنسيقًا استخباراتيًا، وتعاونًا دفاعيًا واسع النطاق، مع القدرة على تقييم الواقع الأمني في اليمن لمعرفة الترتيبات المستقبلية ورسم خارطة طريق تدعم التحالف. وقد شارك ضباط باكستانيون في تطوير المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخباراتية السعودية لأجيال، بينما تحتل المملكة العربية السعودية موقعًا محوريًا في حسابات باكستان الاستراتيجية الإقليمية. ومع مرور الوقت، تطورت هذه العلاقات من تعاون ثنائي تقليدي إلى شراكة أمنية شاملة متجذرة في المصالح المشتركة، والترابط الاقتصادي، والفهم المشترك للاستقرار الإقليمي. وقد ساهم توسيع هذه العلاقة من خلال اتفاقيات دفاعية حديثة في تعزيز دور باكستان في التخطيط الاستراتيجي السعودي، مما حوّل إسلام آباد إلى أحد أكثر شركاء الرياض الأمنيين موثوقية.
ازدادت أهمية هذه الشراكة بشكل كبير مع دخول الشرق الأوسط مرحلة التوترات بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، والهجمات الإيرانية على منشآت الخليج العربي؛ إذ أعادت الحرب الصاروخية وعمليات الطائرات المسيّرة والتهديدات السيبرانية والهجمات على منشآت الطاقة وتعطيل الملاحة البحرية تشكيل حسابات الأمن الإقليمي، وأبرزت أهمية حماية البنية التحتية الحيوية من التهديدات المتطورة باستمرار. في ظل هذه الظروف، توسعت أولويات الأمن السعودي لتشمل حماية الشبكات الاقتصادية وأنظمة النقل ومنشآت إنتاج الطاقة والممرات البحرية التي تُشكل مجتمعة أساس برنامج التحول الاقتصادي للمملكة. وعليه، فإن قدرة باكستان على توفير كوادر مدربة وخبرات عملياتية وقدرات تعزيز سريعة تجعلها شريكًا جذابًا في هذا المسعى الأوسع لتأمين عمق استراتيجي عبر مسارح عمليات متعددة.
يكشف الحضور الباكستاني المتزايد في حضرموت عن أبعاد أعمق للتنافس السعودي – الإماراتي داخل اليمن، وهو تنافس ظل لسنوات أحد أكثر الملفات حساسية داخل التحالف العربي؛ إذ إنه، على الرغم من أن الرياض وأبو ظبي دخلتا الحرب اليمنية عام 2015 تحت مظلة تحالف لديه أهداف مشتركة تتمثل في مواجهة الحوثيين ودعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، إلا أن مسار الحرب أظهر تدريجيًا تباينًا في الرؤى الاستراتيجية بين الطرفين. ركزت السعودية على الحفاظ على وحدة الدولة اليمنية ومؤسساتها الرسمية باعتبارها الضامن الأساسي لأمن حدودها الجنوبية، بينما اتجهت الإمارات إلى بناء نفوذ محلي مستقل عبر دعم تشكيلات عسكرية وأمنية جنوبية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات المرتبطة به، بما ينسجم مع رؤيتها الأمنية ومصالحها البحرية والاقتصادية في جنوب اليمن.
بالضرورة، انعكس هذا التباين في سلسلة من الأزمات والمواجهات غير المباشرة بين القوى المدعومة من الطرفين، سواء في عدن أو شبوة أو المحافظات الشرقية. وخلال الأشهر الماضية، تصاعدت حدة التنافس بصورة خاصة في حضرموت والمهرة، حيث جرت معارك بين الطرفين صعّدت الخلاف حول مستقبل القوات المحلية وإدارة المؤسسات الأمنية والعسكرية ومصادر النفوذ الاقتصادي. كما شهدت حضرموت توترات ميدانية وتحركات عسكرية متبادلة بين قوى محسوبة على السعودية وأخرى ترتبط بالإمارات، وسط مخاوف من تحول المحافظة إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين المشروعين. وجدت إسلام آباد في هذه التحولات فرصة استراتيجية لتعزيز موقعها الإقليمي وإعادة توثيق شراكتها مع الرياض في ظل تحديات اقتصادية متزايدة، وجاء الحضور الباكستاني متزامنًا مع تطورات مالية لافتة؛ إذ أعلن البنك المركزي الباكستاني في 24 نيسان/أبريل الفائت استكمال سداد 3.45 مليارات دولار من الودائع الإماراتية، بما في ذلك شريحة أخيرة بقيمة مليار دولار، بعدما طالبت أبو ظبي باستعادة الأموال التي أودعتها عام 2018 لدعم الاحتياطات الأجنبية الباكستانية. في المقابل، أعلنت السعودية بعدها تقديم وديعة جديدة بقيمة 3 مليارات دولار، إلى جانب تمديد أجل وديعة قائمة بقيمة 5 مليارات دولار، في خطوة عززت اعتماد إسلام آباد على الدعم المالي السعودي. هنا يبدو أن باكستان استطاعت استثمار التباينات السعودية – الإماراتية لتعزيز أهميتها الاستراتيجية لدى الرياض، وتحويل الدعم الاقتصادي والسياسي السعودي إلى فرصة لتوسيع دورها الأمني والعسكري في اليمن، ولا سيما في المناطق التي تمثل محور التنافس بين الحليفين الخليجيين.
من منظور جيوسياسي، يعكس نشر القوات الباكستانية ظهور نموذج أمني إقليمي جديد، تعتمد فيه قوى الشرق الأوسط بشكل متزايد على الشراكات مع دول إقليمية مؤثرة وذات حضور، بدلًا من الاعتماد كليًا على القوى العظمى الخارجية عبر منظومات دفاعية فقط. يعكس هذا التحول تغيرات أوسع في النظام الدولي، حيث تسعى الجهات الفاعلة الإقليمية إلى مزيد من الاستقلالية في إدارة التحديات الأمنية، مع بناء شبكات مرنة من التعاون العسكري قادرة على الاستجابة السريعة للأزمات، مع توسيع قاعدة الشراكات العسكرية ومصادر التسليح. تحتل باكستان مكانة بالغة الأهمية ضمن هذا الإطار المتطور، لأنها تجمع بين القدرة العسكرية، والثقل الديموغرافي، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، والعلاقات التاريخية مع الخليج العربي؛ لذا، يتجاوز دورها مجرد توفير القوى البشرية، ليدخل في نطاق التوازن الاستراتيجي والردع والتخطيط الأمني طويل الأمد.

