المسار : على تلالٍ تحتضن أكثر من ثلاثة آلاف عام من الحضارات المتعاقبة، تقف بلدة سبسطية شمال غربي نابلس شاهدةً على تاريخ فلسطين الإنساني والثقافي. فمنذ تأسيسها، شكّلت المدينة محطةً لحضارات متعددة تركت بصماتها في معالمها الأثرية الفريدة، إلا أنها اليوم تواجه حملة استيطانية متصاعدة تستهدف الأرض والإرث التاريخي في آنٍ واحد.
ويؤكد رئيس بلدية سبسطية، محمد عازم، لوطن للأنباء، أن البلدة تشهد منذ عودة الاستيطان إلى مستوطنة “حومش” قبل نحو خمس سنوات تصعيداً غير مسبوق، موضحاً أن البؤر الاستيطانية أخذت تنتشر في التلال والجبال المحيطة بالبلدة، لتتحول المنطقة إلى بؤرة استيطانية كثيفة ترافقها اعتداءات يومية على المواطنين وممتلكاتهم.
ويقول عازم إن المستوطنين ينفذون بشكل متكرر عمليات إحراق للمنازل والمحاصيل الزراعية، وتخريب للمركبات، والاعتداء على السكان والبنية التحتية، في إطار سياسة تهدف إلى فرض السيطرة على سبسطية وتحويلها إلى ما يُعرف بـ”حديقة توراتية” تتبع للمجالس الاستيطانية.
من جانبه، يوضح نائب رئيس بلدية سبسطية، الدكتور نزار كايد، لوطن للأنباء، أن الاحتلال صادر أكثر من ألفي دونم من أصل خمسة آلاف دونم تشكل مساحة البلدة، وهي أراضٍ فلسطينية مسجلة تضم آلاف أشجار الزيتون وتقع في أهم المواقع التاريخية والأثرية.
ويشير كايد إلى أن سلطات الاحتلال تستخدم ذرائع متعددة، من بينها حماية الآثار والمياه وشق الطرق، للاستيلاء على الأراضي، في محاولة لعزل الفلسطينيين عن أرضهم وتاريخهم، وفرض واقع جديد يهدف إلى الضغط على المواطنين ودفعهم نحو التهجير.
ولا تقتصر استهدافات الاحتلال على الأرض، بل تمتد إلى الرواية التاريخية، إذ يرى رئيس قسم السياحة والآثار في جامعة النجاح الوطنية، الدكتور لؤي أبو سعود، في حديثه لوطن للأنباء، أن أعمال التنقيب التي يجريها الاحتلال تحمل أهدافاً اقتصادية وسياسية في الوقت ذاته.
ويبيّن أبو سعود أن الاحتلال يسعى إلى تحويل سبسطية إلى موقع سياحي يدر عوائداً مالية كبيرة، بالتوازي مع توظيف الآثار لخدمة رواية سياسية تحاول تبرير وجود الاحتلال من خلال الادعاء بوجود شواهد أثرية مرتبطة بالتاريخ اليهودي في المنطقة.
ورغم الضغوط المتواصلة، يتمسك أهالي سبسطية بأرضهم وتراثهم، معتبرين أن حماية المدينة ليست مسؤولية محلية فحسب، بل واجب وطني وإنساني للحفاظ على أحد أهم المواقع التاريخية في فلسطين.
ويؤكد رئيس البلدية أن المجلس البلدي يعمل على المستويين المحلي والدولي لكشف ممارسات الاحتلال بحق البلدة، من خلال مخاطبة المؤسسات والمنظمات الدولية المعنية بحماية التراث الثقافي، وفي مقدمتها منظمة اليونسكو، مطالباً بتحمل مسؤولياتها في حماية الموقع الأثري وإلزام الاحتلال باحترام التراث الإنساني الذي تحتضنه سبسطية.
بدوره، يشدد أبو سعود على أهمية إدراج سبسطية على قائمة التراث العالمي لدى اليونسكو، مشيراً إلى أن وزارة السياحة والآثار الفلسطينية تعمل على إعداد الملف اللازم لرفعه إلى المنظمة الدولية، باعتبار البلدة جزءاً أصيلاً من التراث الثقافي والإنساني العالمي، الأمر الذي من شأنه توفير حماية دولية أكبر للموقع.
وفي السياق ذاته، يحذر كايد من استمرار أعمال الحفر والتنقيب التي ينفذها الاحتلال خارج أي إطار قانوني، مؤكداً أن ما يجري يتضمن سرقةً للآثار وتغييراً لطبيعة الموقع التاريخي. ويضيف أن أهالي البلدة يواصلون التصدي لهذه الممارسات من خلال صمودهم على الأرض، إلى جانب العمل مع المؤسسات الدولية وحتى الجهات الإسرائيلية الرافضة لهذه السياسات، بهدف فضح الطابع الاستعماري والتوسعي لهذه الإجراءات.
ويؤكد المتحدثون أن الاحتلال لم يتمكن من إيجاد ما يدعم روايته التاريخية، فلجأ إلى فرض الوقائع بالقوة العسكرية، في محاولة لإعادة تشكيل المشهد التاريخي والديموغرافي بما يخدم المشروع الاستيطاني، ويحقق مكاسب سياسية واقتصادية على حساب الحقوق الفلسطينية.
ويشدد كايد على أن الفلسطينيين ليسوا مجرد شهود على التاريخ، بل حرّاس له وصناع لمستقبله، مؤكداً استمرار الجهود الشعبية والرسمية للحفاظ على هذا الموقع الحضاري.
من جهته، يدعو أبو سعود إلى تكثيف الدراسات والأبحاث الأثرية العلمية حول سبسطية، باعتبارها كنزاً حضارياً يستحق المزيد من التوثيق والحماية.
أما رئيس البلدية محمد عازم، فيوجه نداءً إلى الفلسطينيين والزوار لزيارة المواقع الأثرية والدينية في البلدة، مؤكداً أن الحضور الشعبي في سبسطية يمثل أحد أشكال حماية المكان وتعزيز صموده في وجه محاولات التهويد.
ووفقاً للقانون الدولي الإنساني، تُعد سيطرة قوة الاحتلال على المواقع الأثرية في الأراضي المحتلة أو إجراء حفريات غير مشروعة فيها أو تغيير طابعها الثقافي والتاريخي أعمالاً محظورة، كما يمكن أن ترقى هذه الممارسات إلى جرائم حرب، لما تشكله من اعتداء على التراث الثقافي للشعوب الواقعة تحت الاحتلال.
المصدر .. وطن للانباء

