هآرتس : حماية دولية للفلسطينيين

بقلم: آساف بوندي وآدم راز

نشرت صحيفة “هآرتس” (بار بيلغ، 17/7) ان الجيش الاسرائيلي فتح عشرات ملفات التحقيق في موت فلسطينيين من قطاع غزة كانوا في المعتقل. ولم يتم تقديم أي احد للعدالة في معظم هذه التحقيقات، ولا يعرف الجيش هوية المشتبه فيهم أو وقت الوفاة. وكل ذلك في منشآت مغلقة ومسورة ومراقبة بالكاميرات، حيث يسجل الداخلون والخارجون ويخضعون لرقابة مشددة طوال فترة اعتقالهم. هذا ليس خلل أو “فشل بنيوي”. فالنظام الذي يعجز عن معرفة سبب وكيفية موت شخص في عهدته، لا يعتبر نظام تحقيق فاشل، بل هو نظام وظيفته نشر الجهل في اوساط مواطنيه. هم يعرفون انه من الافضل عدم معرفة ما حدث خلف الجدران العالية.

ان مكونات النظام الذي يسمح بارتكاب الجرائم، معروفة. فالجنود أو رجال الشرطة المتورطين ينسقون الشهادات، ويتم وصف شهود العيان الفلسطينيين بالكذب وتختفي الادلة، ويتم فتح التحقيق (هذا اذا تم فتحه اصلا) بشكل متأخر، بحيث ينتهي الى لا شيء، ويتعين على المدعي العام العسكري فقط انتظار الاعلان عن وجود صعوبة في ايجاد ادلة”.

هذه التقنية تميز الانظمة الاجرامية، حيث لم تعد هناك أي حاجة للتصريح بشكل واضح. فمن يصدر الامر يعرف كيف يقول أقل مما يعرف. والمتلقي يعرف كيف يفهم اكثر مما يقال. وقد نشر ينيف كوفوفيتش (“هآرتس”، 16/7): “لا يستطيع القادة التعامل مع جنود الاحتياط”. كتب واضاف “الغمزة كانت كافية. فقد عبرت عن عدم الانضباط، وعن الطريقة التي فيها قيادة رئيس الاركان لا تنجح في اجتياز حدود النظام لتصل الى منطقة القتال. الجنود في الميدان يختارون تجاهل اوامرها، والقادة يتجاهلون الامر حفاظا على الهدوء المصطنع”.

لم يذكر كوفوفيتش نقطة مهمة في هذه العملية. فالجندي المجرم يعرف انه لن يتم استدعاءه للتحقيق معه، والمحقق يعرف انه لا أحد يتوقع منه ايجاد الجاني، والمدعي العسكري يعرف أي قرار سيحسن موقفه وأي قرار سيصفه بالخائن. ومع اتساع نطاق الجرائم التي يرتكبها الجنود في الميدان وازدياد عدد المتواطئين – من قادة ومحققين ومدعين – يصبح انفاذ القانون امر مستحيل من ناحية سياسية ومن ناحية اجتماعية. ولن يكشف فتح الملفات الفساد في “اكثر جيوش العالم اخلاقية”، بل عن بستان كامل نخرته الديدان. وينطبق هذا ايضا على قتل الفلسطينيين على يد المدنيين، أي المستوطنين. هؤلاء يأتون – مثلما فعلوا في نهاية الاسبوع الماضي – من اجل “التجول” في ضواحي القرى الفلسطينية لبث الرعب والفزع في نفوس سكانها، ويتم ذلك برفقة الجيش والتواطؤ بين المستوطنين والعسكريين.

في احلك الانظمة التي اتخذت من القتل اسلوب للحكم، سعت هذه الانظمة في احيان كثيرة الى محاكمة من ارتكبوا جرائم القتل والنهب، في انتهاك لـ “انظمتها” و”قوانينها”، ليس بدافع النزاهة، بل لانه حتى النظام القاتل يسعى الى احتكار الجريمة، لضمان ان يتم القتل بأمر أو وفقا لاهداف وخطط محددة، وليس بمبادرة فردية. اسرائيل 2026، التي شهدت حوالي ثلاث سنوات من الابادة الجماعية في قطاع غزة، تنازلت حتى عن هذا المظهر. لم تعد الجريمة بعيدة عن العدالة فقط، بل باتت يحتفى بها علنا.

اما الاقلية من المجرمين الذين ادينوا في الحقبة السابقة، مثل اليئور ازاريا، فلا حاجة الى العفو عنهم. فكما قال وزير الدفاع يسرائيل كاتس مؤخرا: “ازاريا هو مقاتل بارز ما زال يدفع الثمن”. لقد دفع الثمن لانه تم توثيقه وهو يرتكب جريمة، وليس بسبب الجريمة نفسها. الان يظهر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش وهو يبتسم بتفاخر ويحمل تقرير “حركة السلام الان” حول المذابح في المناطق الفلسطينية وتسريع وتيرة الضم. لقد اصبح الاتهام بمثابة شهادة جدارة، واصبح المجرم قدوة يحتذى بها.

في غضون ذلك يواصل سلاح الجو في قطاع غزة قتل طفل فلسطيني واحد كل يوم بالمتوسط. ولا يتم اجراء أي تحقيق حول هؤلاء الضحايا، وهو تحقيق محكوم عليه بالفشل. فليس هناك حاجة الى ذلك، لان قتل الاطفال لم يعد بالفعل يستحق التحقيق فيه، بل هو اصبح روتين.

ان دولة تجاوزت الخطوط الحمراء التي التزمت بها حتى احلك الانظمة في القرن العشرين، لا تحتاج الى “آلية رقابة” اخرى، بل الى من يوقفها عن تطبيق النظرية العنصرية التي تقوم عليها. وبينما يعلق الكثير من مواطني الدولة الآمال على النظام القضائي، تظهر نظرة واقعية بان النظام القضائي في اسرائيل ليس الا حلقة اخرى في آلة الجريمة التي تسمى دولة اسرائيل. المجتمع الاسرائيلي عاجز، بل ان كثيرين فيه لا يرغبون حتى في وقف ما يحدث.

وقد اثبت التاريخ كيف انتهى الامر: لم يتعافى المجتمع الالماني من تلقاء نفسه، بل بدأ يتعافى فقط بعد الهزيمة والاحتلال الاجنبي، التي اجبرته على تفكيك النظام واجهزته وتقديم بعض مجرميه للعدالة. عندها فقط، ببطء كبير ومؤلم، بدأ المجتمع الذي استبدت به كراهية اليهود في اعادة تعلم معنى القانون والاخلاق. نحن لا نكتب ذلك باستخفاف، لكن لا طريقة اخرى للتعبير عنه: التدخل الاجنبي ضروري، والا سيزداد عدد الضحايا الفلسطينيين بشكل كبير.

Share This Article