الدائرة القانونية في الجبهة الديمقراطية : رؤية إصلاحية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني

رؤية إصلاحية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني

■ تتطلب معالجة الأزمة البنيوية التي يعاني منها النظام السياسي الفلسطيني عملية إصلاح شاملة تستند إلى أسس ديمقراطية ووطنية، وتستهدف استعادة الشرعية السياسية وتعزيز الوحدة الداخلية. وتتمحور هذه العملية حول ما يلي:

1- إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيل دورها

بصفتها الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني والمرجعية السياسية العليا للنضال الوطني. لذا، فإن إعادة بنائها وتفعيل مؤسساتها على أسس ديمقراطية وتوافقية تعد أولوية قصوى؛ ويجب أن تضمن هذه العملية مشاركة جميع القوى السياسية والاجتماعية، وتأكيد شمولية التمثيل للفلسطينيين في الوطن والشتات، لإعادة الاعتبار لدور المنظمة في قيادة المشروع الوطني وحماية حق تقرير المصير.

2- تجديد الشرعيات الوطنية عبر الانتخابات والحوار الشامل

أدى استمرار غياب العملية الديمقراطية منذ عام 2006، عام انتخاب المجلس التشريعي الثاني، وما تبعه من قرارات فردية مثل حل المجلس التشريعي – 2018، إلى تآكل شرعية النظام السياسي وإضعاف مؤسساته التمثيلية.

لذلك، فإن الاستحقاق الديمقراطي المتمثل في إجراء انتخابات عامة وشاملة (رئاسية، وتشريعية، ومجلس وطني) وفق نظام التمثيل النسبي الكامل، هو الآلية الوحيدة لاستعادة الشرعية الكاملة (القانونية والتمثيلية).

ويجب أن تترافق هذه الانتخابات مع حوار وطني شامل يفضي إلى توافق على صيغ قيادية جامعة تضمن التعددية والمشاركة في صنع القرار.

3- إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة المؤسسية

تعد معالجة آثار الانقسام أولوية وطنية من خلال إعادة توحيد المؤسسات الوطنية في الضفة والقطاع، وإنهاء حالة الازدواجية الإدارية والقانونية والسياسية التي نشأت في العقدين الأخيرين، ما يعيد وحدة النظام السياسي الجغرافية والمؤسسية ويعزز قدرته على تمثيل الشعب بصورة موحدة.

4- تطوير استراتيجية وطنية كفاحية شاملة

تتطلب مواجهة التحديات الراهنة ومخططات الضم والتهجير اعتماد استراتيجية موحدة تجمع بين مختلف أدوات النضال الفلسطيني.

يشمل ذلك تكامل المقاومة الشعبية، والعمل السياسي والدبلوماسي، والتحرك القانوني الدولي، وتوظيف حركات التضامن والمقاطعة العالمية – BDS، هذا التكامل يعزز قدرة الشعب على الدفاع عن حقوقه ومواجهة السياسات الاستعمارية.

5- إعادة تنظيم العلاقة بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير

بغض النظر عن الاعتبارات الخارجية والضغوط التي تمارس، يجب إعادة تعريف العلاقة بين المؤسستين بما ينسجم مع الدور الوطني لكل منهما.

وينبغي أن تبقى «السلطة الفلسطينية» أداة تنفيذية وإدارية تخدم المشروع الوطني وتخضع للمساءلة، في حين تبقى «منظمة التحرير» المرجعية السياسية العليا وصاحبة القرار الوطني الجامع، مما يمنع تداخل الصلاحيات ويحافظ على وحدة المرجعية السياسية للشعب.

6- توسيع المشاركة وتمكين الشباب والمرأة

يتطلب تجديد النظام السياسي إدماج الأجيال الشابة والمرأة الفلسطينية بشكل فاعل في مؤسسات العمل الوطني ومواقع صنع القرار.

هذا الإدماج يضمن ضخ دماء جديدة، والاستفادة من الطاقات المجتمعية غير المثمرة بالقدر الكافي، وتعزيز قدرة المؤسسات على مواكبة التحولات الديموغرافية والاجتماعية.

■■■

■ تكشف التحديات الراهنة عن تراكم أزمات الشرعية، والتمثيل، والوحدة الداخلية، وفاعلية المؤسسات.

إن استمرار تعطيل الانتخابات وتراجع الدور التمثيلي للمؤسسات أضعف القدرة على صياغة استراتيجية موحدة لمجابهة المشروع الاستيطاني.

ومع ذلك، تظل إمكانات إعادة البناء قائمة من خلال إطلاق عملية إصلاح وطني جذري، نابعة من حاجة الشعب الفلسطيني للتطوير والتحديث.

إن إعادة بناء منظمة التحرير، وتجديد الشرعية عبر صناديق الاقتراع، وإنهاء الانقسام، وتفعيل المشاركة الشعبية، تشكل المدخل الأساسي لإعادة تجديد المشروع الوطني الفلسطيني برمته.

في هذا الإطار، يرتبط مستقبل المشروع الوطني بقدرة الفلسطينيين على التقدم نحو تجسيد دولتهم على الأرض، عبر مؤسسات ديمقراطية تحترم سيادة القانون، وتكفل المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات، وتؤسس لعلاقات سياسية تقوم على مبادئ الحرية والعدالة.

وبذلك، تصبح عملية الإصلاح السياسي أداة محورية في مسار النضال من أجل تحقيق الحقوق الوطنية.

القانون الدولي أم الشرعية الدولية:

أيهما أدق في الخطاب السياسي الفلسطيني؟

■ في إطار النقاشات والحوارات السياسية حول القضية الفلسطينية وملفاتها، تبرز مصطلحات وتعابير تستخدم بنفس المعنى، رغم تمايز المضمون.

حدث هذا الأمر في الحوارات السياسية، بين الفصائل الفلسطينية أحياناً في أكثر من مناسبة، حول السياق الذي يحدد الاستخدام المناسب (أو الأصح) لأحد مصطلحي «القانون الدولي» أو «الشرعية الدولية».

لذلك، وجب التوضيح؛ ففي معركة الرواية والمصير التي يخوضها الشعب الفلسطيني، ليس اختيار الكلمات والمصطلحات من النوافل، بل «أسلحة» تستحق الاهتمام بكيفية استخدامها.

فثمة اعتبارات تستوجب إشهار حجة «الضحية التي تتوسل العدل» (القانون الدولي ونصوصه المختلفة)، وأخرى تستحضر منطق «صاحب الحق الذي يعتمد على السند والمظلة الحامية عالمياً» (الشرعية الدولية)، وثالثة تفرض تفعيل السندين معاً.

القانون الدولي أم الشرعية الدولية: أيهما أدق في الخطاب السياسي الفلسطيني؟

في الاستخدام اليومي، غالباً ما يتم استخدام المصطلحين معاً، ودون تمييز بينهما، للتدليل على نفس المعنى.

فـ «القانون الدولي» هو مجموعة القواعد والاتفاقيات والمبادئ المكتوبة والعرفية (كاتفاقيات جنيف لعام 1949، ومواثيق الأمم المتحدة، ونظام روما الأساسي وغيره من نصوص قانونية تتحدث عن الظواهر والأحداث السياسية بشكل عام دون تحديد، على غرار: يجب أو لا يجب، يجوز أو لا يجوز، توصي، تدعو، تحترم، تنظر، تلتزم الدول.. وهكذا).

وبالتالي هي قواعد قانونية عامة، صارمة وملزمة من الناحية النظرية، لكن تطبيق النصوص القانونية الذي يختلف بين حالة وأخرى، لا يقتصر على منطوق النص فحسب، بل على ميزان القوى القائم بين الأطراف المتنازعة.

أما «الشرعية الدولية»، فهي مفهوم أكثر مرونة ويعبر عن مستوى «الغطاء السياسي والتوافق الأخلاقي والدبلوماسي» للمجتمع الدولي.

وهذه الشرعية تستند إلى قرارات الأمم المتحدة، والإجماع الدولي، والاعترافات الدبلوماسية، وهي تخاطب «الضمير العالمي والشارع العادي والسياسي»، وتمنح الحق، في الحالة الفلسطينية، قبولاً ودعماً مستمراً حتى وإن تعطلت آليات التنفيذ القانوني.

مشكلة «الشرعية الدولية»

مشكلة «الشرعية الدولية»، أن الدول الخمس الكبرى صاحبة المقعد الثابت في مجلس الأمن، هي التي تتحكم بمسار تطبيقها، ويشكل إشهار الفيتو السلاح الأبرز لتعطيل هذه الشرعية، كما هو الحال في العديد من قضايا النزاع في العالم، أبرزها القضية الفلسطينية، التي صدرت لصالحها مئات القرارات التي تعبر عن ما يقارب إجماع دول العالم حول مختلف ملفاتها، لكنها تعطلت بفعل الفيتو الأمريكي، الذي وقف عائقاً أمام نقلها إلى مجال التطبيق العملي.

وبالإمكان إيراد عدد من الأمثلة توضح التمايز بين المصطلحين، الذي يملي بدوره سياق استخدامهما:

1- المثال الأول: حق تقرير المصير

إذا كان القصد هو أن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني يستند إلى قواعد قانونية دولية عامة، فهو يستوجب استخدام مصطلح «القانون الدولي»:

«تقرير المصير للشعب الفلسطيني هو حق يكفله القانون الدولي».

أما إذا أردنا التأكيد على أن هذا الحق مدعوم من المجتمع الدولي عبر قرارات الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة، فإن ما يلبيه هو تعبير «الشرعية الدولية»:

«تقرير المصير للشعب الفلسطيني هو حق تؤكده الشرعية الدولية».

2- المثال الثاني: وضعية مدينة القدس

حين نعتبر أن القدس الشرقية (والأكثر دقة هو تعبير القدس على حدود الـ67، لشمولها قرى اللطرون: عمواس، جالو، بيت نوبا)، هي أرض فلسطينية محتلة وفق القانون الدولي، فهذا يستند إلى القواعد القانونية التي تتحدث عن الاحتلال العسكري، مثل: بروتوكولات لاهاي – 1907، اتفاقيات جنيف الرابعة – 1949، نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (ICC) 1998/7/17، وغيرها من وثائق دولية مكتوبة أو عرفية.

أما عندما نقول إن وضع القدس ومستقبلها يتحدد من خلال الشرعية الدولية، فالحديث هنا يكون عن قرارات الأمم المتحدة وغيرها من منظمات دولية، التي تؤكد على أن القدس هي مدينة محتلة، وأن المجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة لا يعترف بضم القدس.. (قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ومنظماتها ووكالاتها المتخصصة).

3- المثال الثالث: المستوطنات في الضفة الغربية

عادة ما يتم التأكيد على أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية تنتهك القانون الدولي، والمقصود هنا بشكل مباشر اتفاقيات جنيف الرابعة – 1949، التي تعتبر المرجع القانوني الأكثر استخداماً في هذا الموضوع.

أما إذا كان المقصود هو التأكيد على أن المستوطنات غير شرعية، فالأكثر تلبية هنا هو قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية وغيرها من منظمات دولية أصدرت قرارات تدين الاستيطان وتعتبره غير شرعي.

إن القانون الدولي ليس سلاح الضعيف، كما يعتقد البعض، بل هو الأساس في الدعوة إلى معاقبة ومحاسبة المجرم أمام الهيئات الدولية وأطرها القانونية والقضائية.

فمن خلال القانون الدولي، يمكن تحويل الفعل المدان إلى جريمة يعاقب عليها القانون (مثل دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية والمستندة إلى اتفاقية محددة هي: «اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية» – 1948).

ومن خلال القانون الدولي أيضاً، أمكن ملاحقة قادة وجنود إسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية استناداً إلى اتفاقية محددة أيضاً هي: نظام روما الأساسي.

الخلاصة

إن ما يحدد الاستخدام الأفضل للمصطلح هو السياق الذي ترد فيه:

فإذا كان الهدف هو التأكيد على أن الإطار القانوني هو الذي يحكم العلاقات بين الدول والشعوب، فمصطلح «القانون الدولي» يعبر بصورة دقيقة عن المقصود.

أما إذا كان القصد مواقف الأمم المتحدة والأسرة الدولية (المرجعيات الدولية)، فالأفضل استخدام عبارة «الشرعية الدولية».

لكن على مستوى القضية الفلسطينية، فالأفضل تكريس مسألة أن فلسطين ليست مسألة ذات أبعاد قانونية تدعمها قواعد قانونية عامة فحسب، أو قضية خلاف تقتصر على نزاع حدودي ليس إلا، بل هي قضية سياسية، قضية أرض وحق تقرير مصير لشعب؛ وبالتالي يكون الأفضل هو الجمع بين العبارتين بالنص التالي:

«وفقاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية»

وهذا ما يعطي قضيتنا أبعاداً قانونية وسياسية متكاملة.

إن الاعتماد على أحد المصطلحين بمعزل عن الآخر قد يضعف الرواية؛ فالقانون بدون ضغط سياسي يصبح «نصوصاً معطلة»، كما هو الحال الآن؛ والشرعية بدون أساس قانوني تصبح «مجرد حبر على ورق».

ومن هنا أفضلية استخدام المصطلحين معاً، وتوظيفهما في خدمة روايتنا الفلسطينية:

على مستوى القضاء والمحاكم، نجعل «القانون الدولي» سلاحاً لتجريم الفعل، وإصدار مذكرات الاعتقال.

وعلى مستوى الشعوب وحركاتها المختلفة: نشهر سلاح «الشرعية الدولية» لكشف النفاق السياسي.

وفي حالات معينة ندمج بين الاثنين، وبخلفية باتت مكرسة على المستويين القانوني والسياسي:

إن حقوقنا الوطنية مكرسة بقوة القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية كمرجعية.

 

Share This Article