المسار : كشف تحقيق صحفي عن ثغرات مثيرة للقلق في برامج تحقيق الدخل على منصات شركة «ميتا»، بعدما تمكّن ناشطون مرتبطون باليمين المتطرف والنازية الجديدة من الحصول على أموال مقابل محتوى نشروه عبر «فيسبوك»، رغم أن جزءاً من هذا المحتوى يبدو مخالفاً بصورة واضحة لسياسات المنصة المتعلقة بخطاب الكراهية والتطرف.
- مليارات الدولارات لمنتجي المحتوى
- ناشط متطرف ضمن المستفيدين
- منصة تروّج لتفوق العرق الأبيض
- التطرف لا يقتصر على النازية
- هل تتحول المنصات إلى ممول غير مباشر للمحتوى المتطرف؟
- «إكس» تواجه اتهامات مشابهة
- الأرباح في مواجهة سياسات مكافحة الكراهية
- فجوة بين القواعد والتطبيق
- مسؤولية المنصات تحت المجهر
- اقتصاد الانتباه يفتح الباب أمام التطرف
ويثير التحقيق تساؤلات واسعة حول مدى قدرة المنصات الرقمية الكبرى على تطبيق قواعدها بصورة متسقة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحسابات وصفحات تروّج لأفكار عنصرية أو متطرفة، في وقت تعتمد فيه هذه المنصات بصورة متزايدة على اقتصاد صناعة المحتوى والإعلانات وتحقيق الأرباح من المنشورات التي تحظى بالتفاعل.
مليارات الدولارات لمنتجي المحتوى
ويأتي الكشف في ظل اتساع برامج تحقيق الدخل التي تتيح لصناع المحتوى الحصول على عوائد مالية من المواد التي ينشرونها على المنصات الرقمية.
وبحسب التحقيق، وزّع «فيسبوك» خلال عام 2025 ما يقارب 3 مليارات دولار على نحو 16 مليون حساب مفعّل لتحقيق الدخل، ضمن منظومة تشمل مقاطع الفيديو والصور والقصص والمنشورات النصية.
وتعتمد بعض هذه البرامج على نظام الدعوات، بما يعني أن الانضمام إليها لا يكون متاحاً بصورة تلقائية لجميع المستخدمين، بل تختار المنصة حسابات معينة لإدخالها في منظومة تحقيق الأرباح.
وتكمن المفارقة التي كشف عنها التحقيق في أن بعض الحسابات التي استفادت من هذه البرامج كانت مرتبطة بمحتوى يميني متطرف أو بخطاب عنصري ونازي، الأمر الذي يطرح سؤالاً أساسياً: كيف وصلت هذه الحسابات إلى برامج تحقيق الدخل أصلاً، رغم طبيعة المحتوى الذي تنتجه؟
ناشط متطرف ضمن المستفيدين
ومن بين الحالات التي تناولها التحقيق، ناشط أسترالي معروف بتوجهاته اليمينية المتطرفة، وظهوره في أوساط مرتبطة بجماعات نازية جديدة وقوميين بيض.
وبحسب المعطيات الواردة في التحقيق، بدأ هذا الشخص بتلقي مدفوعات من «فيسبوك» في سبتمبر/أيلول 2025، رغم نشاطه المعروف في دوائر اليمين المتطرف، وارتباط اسمه بأنشطة ومواقف أثارت انتقادات واسعة.
كما أشار التحقيق إلى تورطه في قضية تتعلق بإساءات عنصرية بحق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، إضافة إلى ارتباطه بنشاطات سياسية مناهضة للهجرة.
ولا تتوقف القضية عند حساب فردي، إذ رصد التحقيق استفادة صفحات ومنصات إعلامية ذات توجهات يمينية متطرفة من برامج تحقيق الدخل نفسها.
منصة تروّج لتفوق العرق الأبيض
وأشار التحقيق إلى موقع أسترالي يميني متطرف يروّج بصورة منتظمة لأفكار مرتبطة بتفوق العرق الأبيض والنازية الجديدة، وتمكن من تحقيق أرباح عبر برنامج تحقيق الدخل في «فيسبوك» منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
وتوقفت الأرباح التي كان يحصل عليها الموقع لفترة قصيرة مطلع العام الجاري، قبل أن تعود مجدداً، دون أن تتضح الأسباب التي أدت إلى وقف تحقيق الدخل ثم استئنافه.
وتبرز هذه الحالة باعتبارها مثالاً على الإشكالية الأكبر التي تواجه منصات التواصل الاجتماعي: فحتى عندما يكون المحتوى مثيراً للجدل أو متعارضاً مع القواعد المعلنة للمنصة، قد يستمر وجوده وتحقيقه عوائد مالية طالما أنه يجذب التفاعل والمشاهدات.
التطرف لا يقتصر على النازية
ولم تقتصر الحالات التي تناولها التحقيق على المحتوى النازي أو العنصري، بل شملت أيضاً شخصيات تروّج لمعلومات مضللة وقضايا مثيرة للجدل.
ومن بين الأسماء التي أشار إليها التحقيق مؤسسة جماعة أسترالية تنشط في الترويج لأفكار مناهضة للقاحات، وانضمت صفحتها إلى برنامج تحقيق الدخل من المحتوى في سبتمبر/أيلول 2025.
كما تتضمن أنشطتها الترويج لمنتجات تدّعي توفير الحماية من الإشعاع، فيما رجّح التحقيق استفادتها من عوائد الإعلانات على المنصة منذ سنوات.
وهذا يوسع دائرة التساؤلات من المحتوى المتطرف سياسياً إلى قضية أوسع تتعلق بكيفية تعامل شركات التكنولوجيا مع الحسابات التي تحقق أرباحاً من نشر معلومات مضللة أو محتوى يثير مخاوف تتعلق بالصحة العامة.
هل تتحول المنصات إلى ممول غير مباشر للمحتوى المتطرف؟
الجانب الأكثر إثارة في القضية لا يتعلق فقط بوجود المحتوى المتطرف على المنصة، وإنما بوجود علاقة مالية مباشرة بين المنصة وبعض منتجيه.
فبدلاً من أن يكون دور المنصة مقتصراً على استضافة المحتوى أو توفير مساحة للتفاعل، تصبح الشركة، في حال دفع الأموال للناشرين، جزءاً من منظومة اقتصادية يستفيد فيها صاحب المحتوى من كل مشاهدة وتفاعل وانتشار.
وتطرح هذه العلاقة سؤالاً حول مسؤولية شركات التكنولوجيا عن المحتوى الذي ينتجه شركاؤها التجاريون، خصوصاً عندما يكون المحتوى مخالفاً للمعايير التي تعلن المنصة نفسها الالتزام بها.
وترى منظمات معنية بمساءلة شركات التكنولوجيا أن حصول الناشرين على عوائد مالية يخلق علاقة تجارية مباشرة، وهو ما يجعل مسألة المسؤولية أكثر تعقيداً من مجرد القول إن المستخدم هو المسؤول وحده عن المحتوى الذي ينشره.
«إكس» تواجه اتهامات مشابهة
ولا تبدو «ميتا» وحدها في دائرة الانتقادات المتعلقة بالتعامل مع اليمين المتطرف.
فقد أشار التحقيق إلى منصة «إكس»، المملوكة لإيلون ماسك، باعتبارها واجهت بدورها اتهامات بالتساهل مع شخصيات وحسابات مرتبطة باليمين المتطرف.
ومن المفارقات التي أوردها التحقيق أن المنصة نفسها كانت قد حظرت الحساب التابع للموقع الأسترالي المتطرف المذكور، بسبب مخالفة سياسات تتعلق بالمحتوى التحريضي، بينما كان الموقع ذاته يستفيد في الوقت نفسه من برنامج تحقيق الدخل على «فيسبوك».
كما أشار التحقيق إلى واقعة أخرى تمثلت في منح جائزة مالية كبيرة في مسابقة للكتابة على منصة «إكس» لشخص يعلن تبنيه للفكر النازي، وهو ما أعاد النقاش حول حدود العلاقة بين منصات التواصل والشخصيات المتطرفة إلى الواجهة.
الأرباح في مواجهة سياسات مكافحة الكراهية
تواجه شركات التكنولوجيا العملاقة منذ سنوات معضلة أساسية تتمثل في تحقيق التوازن بين حرية التعبير وبين منع انتشار خطاب الكراهية والتحريض والتطرف.
لكن دخول المال على الخط يضيف طبقة أكثر حساسية إلى المشكلة.
فعندما يتحول المحتوى المتطرف إلى مصدر دخل لصاحبه، فإن خوارزميات الانتشار والتفاعل قد تصبح جزءاً من دورة اقتصادية تشجع على إنتاج المزيد من المحتوى المثير للجدل، خصوصاً إذا كان قادراً على جذب جمهور واسع.
ومن هنا، لا يعود السؤال مقتصراً على: هل تسمح المنصة لهذا المحتوى بالبقاء؟ بل يصبح أيضاً: هل تدفع المنصة لصاحبه مقابل إنتاجه وانتشاره؟
فجوة بين القواعد والتطبيق
تعلن شركات التواصل الاجتماعي سياسات واضحة لمواجهة خطاب الكراهية والمحتوى المتطرف، إلا أن التحقيق يسلط الضوء على الفجوة المحتملة بين القواعد المكتوبة وبين تطبيقها على أرض الواقع.
فوجود حسابات مرتبطة بالنازية الجديدة أو العنصرية داخل برامج تحقيق الدخل يثير تساؤلات حول آليات التدقيق قبل قبول الحسابات، ومدى استمرار مراجعتها بعد انضمامها إلى برامج الأرباح.
كما يفتح الباب أمام سؤال آخر يتعلق بالخوارزميات: هل يتم التعامل مع المحتوى وفقاً لمضمونه فقط، أم أن حجم التفاعل والمشاهدات يمكن أن يؤثر في استمرار وصوله إلى الجمهور؟
مسؤولية المنصات تحت المجهر
وتضع هذه المعطيات «ميتا» أمام اختبار جديد يتعلق بمصداقية سياساتها الخاصة بمواجهة التطرف وخطاب الكراهية.
فإذا كانت المنصة قادرة على تحديد الحسابات المؤهلة للحصول على الأموال ودعوتها إلى برامج تحقيق الدخل، فإن ذلك يعني أن لديها أدوات لمراجعة هذه الحسابات، الأمر الذي يجعل وجود محتوى متطرف ضمن هذه البرامج أكثر إثارة للتساؤلات.
وتزداد حساسية القضية عندما يتعلق الأمر بمحتوى يستهدف جماعات عرقية أو دينية أو مهاجرين، أو يروّج لأفكار مرتبطة بأيديولوجيات متطرفة ارتبط تاريخياً بالعنف والاضطهاد.
اقتصاد الانتباه يفتح الباب أمام التطرف
تكشف القضية في جوهرها عن مشكلة أوسع في نموذج عمل منصات التواصل الاجتماعي، حيث تتحول المشاهدة والتفاعل والانتشار إلى قيمة مالية.
وفي هذا النموذج، يمكن للمحتوى الصادم أو الاستفزازي أن يحقق انتشاراً واسعاً، حتى عندما يكون مضللاً أو عنصرياً أو متطرفاً.
وبالتالي، فإن محاربة التطرف على الإنترنت لا تتعلق فقط بحذف المنشورات المخالفة، وإنما أيضاً بمنع تحويلها إلى نشاط تجاري مربح.
وتبقى القضية المطروحة أمام شركات التكنولوجيا هي كيفية ضمان ألا تتحول برامج تحقيق الدخل من أداة لدعم صناع المحتوى إلى قناة تمويل غير مباشرة لأصحاب الخطابات المتطرفة.
وفي ظل اتساع نفوذ منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام، تبدو الحاجة أكبر إلى رقابة أكثر صرامة وشفافية على آليات تحقيق الدخل، وعلى الجهات التي تحصل على الأموال، والمعايير التي تعتمدها المنصات في اختيار المستفيدين منها.

