كتب م. غسان جابر : نمارس السيادة نهارًا… ونستجدي النجاة مساءً!

المسار: عن دولة تتحدث بلغة القوة، بينما تسأل في نهاية اليوم: هل وصلت المساعدات؟

هناك مفارقة فلسطينية تكاد تكون بحاجة إلى دراسة في كليات العلوم السياسية:

نستطيع أن نعيش في الوقت نفسه كدولة عظمى… وجمعية خيرية.

في الصباح نمارس السيادة.

بيانات رسمية، مواقف وطنية، اجتماعات قيادية، تصريحات استراتيجية، مؤتمرات، لجان، وخطابات تشعرك للحظة أن القرار الفلسطيني قادر على إعادة ترتيب النظام الدولي.

وفي المساء، عندما تنتهي الخطب وتغلق الكاميرات، يعود السؤال الأكثر واقعية:

هل دخلت المساعدات؟

هذه ليست نكتة.

هذه واحدة من أكثر المفارقات قسوة في واقعنا السياسي.

فنحن بارعون جدًا في الحديث عن الدولة.

لدينا مؤسسات الدولة، ووزارات الدولة، وسفارات الدولة، وموازنات الدولة، وخطاب الدولة، وأزمات الدولة، وحتى خلافات الدولة.

لكن عندما نصل إلى الاختبار الحقيقي للسيادة، نكتشف أن الدولة ما زالت في مرحلة:

«جارٍ تحميل القدرة…»

نختلف على من يملك القرار الوطني، بينما المواطن يبحث عن من يملك القدرة على تنفيذ القرار.

نختلف على الشرعية، بينما الناس تبحث عن راتب.

نختلف على شكل النظام السياسي، بينما المستشفى يبحث عن كهرباء.

نعلن عن إعادة الإعمار، ثم نبحث عن المانحين.

نتحدث عن التنمية، ثم نسأل: من سيمول؟

نتحدث عن الاستقلال الاقتصادي، ثم نكتشف أن اقتصادنا نفسه يحتاج إلى من يساعده على الوقوف.

نريد دولة مستقلة، لكننا نريد أيضًا أن يتكفل الآخرون بدفع فاتورة استقلالها!

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

ليست المشكلة في المساعدات.

المساعدة في الحرب والكارثة ضرورة إنسانية، ورفضها ليس بطولة.

المشكلة تبدأ عندما تتحول المساعدة من جسر مؤقت للعبور من الكارثة إلى قاعدة دائمة لإدارة الحياة.

هناك فرق بين أن تقول للعالم:

ساعدونا كي نعبر هذه المحنة.

وبين أن يصبح خطابك الضمني:

ساعدونا لأننا لم نبنِ القدرة التي تجعلنا قادرين على العبور.

الأولى إغاثة.

أما الثانية فهي اعتماد.

والفرق بينهما هو الفرق بين شعب يستخدم المساعدة للخروج من الأزمة، وشعب تتحول المساعدة لديه إلى نظام حياة.

وهنا يجب أن نكون أكثر شجاعة في مواجهة أنفسنا.

لقد خضنا عقودًا من النضال لإثبات أننا نستحق الدولة.

وهذا حقنا.

لكن السؤال الذي لا نطرحه بما يكفي هو:

هل بنينا القدرة التي تجعل الدولة قابلة للحياة؟

القضية عادلة.

لكن عدالة القضية لا تنتج الكهرباء.

والاعتراف الدولي لا يبني مصنعًا.

والتصويت في الأمم المتحدة لا يخلق فرص عمل.

والبيان السياسي لا يمول مستشفى.

والمؤتمر الدولي لا يصنع اقتصادًا.

والتعاطف العالمي، مهما كان واسعًا، لا يمكن أن يكون بديلًا عن القدرة الوطنية.

هذه هي النقطة التي يجب أن نتوقف عندها طويلًا.

لقد أتقنا صناعة الخطاب السياسي أكثر مما أتقنا صناعة القدرة السياسية.

لدينا وفرة في البيانات، ونقص في الأدوات.

فائض في الشعارات، وعجز في التنفيذ.

نختلف على شكل الدولة قبل أن نمتلك أدواتها.

ونختلف على من سيقود المستقبل قبل أن نبني المستقبل نفسه.

والأغرب أننا أحيانًا نتصرف وكأن العالم مدين لنا بكل شيء، بينما لا نسأل أنفسنا بما يكفي:

ماذا ندين نحن لشعبنا؟

الشعب لا يريد فقط أن يسمع خطابًا وطنيًا جميلًا.

يريد دولة تظهر في حياته اليومية.

يريد كهرباء لا بيانًا عن الكهرباء.

يريد دواء لا مؤتمرًا عن الحق في العلاج.

يريد مدرسة تصنع المستقبل، لا خطابًا عن أهمية التعليم.

يريد اقتصادًا يوفر العمل، لا تصريحات عن التنمية.

يريد مؤسسات تحميه، لا مؤسسات تشرح له لماذا لا تستطيع حمايته.

وهنا يجب أن نعيد تعريف مفهوم السيادة.

السيادة ليست أن تقول إنك صاحب قرار.

السيادة أن تمتلك أدوات القرار.

الدولة ليست علمًا ونشيدًا ومبنى حكوميًا.

الدولة قدرة.

قدرة على حماية المواطن.

قدرة على إنتاج الغذاء.

قدرة على تأمين الدواء.

قدرة على إدارة الاقتصاد.

قدرة على توفير الطاقة والمياه.

قدرة على بناء التعليم والصحة.

قدرة على تحصيل الإيرادات وإنفاقها بكفاءة.

قدرة على خلق فرص العمل.

وقدرة، قبل كل ذلك، على اتخاذ القرار وتنفيذه.

أما السيادة التي لا تمتلك أدواتها، فتبقى في كثير من الأحيان:

سيادة بالتقسيط.

جزء منها لنا.

وجزء للمانحين.

وجزء للاحتلال.

وجزء للظروف الإقليمية.

وجزء للواقع الاقتصادي.

والباقي محفوظ بعناية في البيانات الرسمية.

وهذا يقودنا إلى السؤال الأكثر إزعاجًا:

هل نحن نبني دولة فعلًا، أم أننا فقط نمارس طقوس الدولة؟

فالدولة ليست أن نتحدث مثل الدول.

الدولة أن نستطيع مثل الدول.

أن تكون قادرًا على حماية المواطن عندما يضعف الجميع.

أن تكون قادرًا على إنتاج شيء مما تحتاجه.

أن تكون قادرًا على إدارة أموالك.

أن تكون قادرًا على تحويل المساعدة إلى استثمار.

أن تستخدم المنحة لبناء مصنع، لا لتمويل عجز دائم.

أن تستخدم المساعدات لإعادة تشغيل الاقتصاد، لا لإبقاء الاقتصاد على جهاز التنفس الاصطناعي.

وهنا ربما يجب أن ننتقل من اقتصاد انتظار المساعدة إلى اقتصاد صناعة القدرة.

من سؤال:

من سيمول؟

إلى:

كيف ننتج؟

من سؤال:

ماذا سيعطينا العالم؟

إلى:

ماذا نستطيع أن نصنع نحن؟

ومن سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة بناء المستقبل.

المساعدات يمكن أن تنقذ حياة.

لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني دولة.

المساعدات تستطيع أن تطعم شعبًا في كارثة.

لكنها لا تستطيع أن تكون إلى الأبد اقتصاد ذلك الشعب.

المساعدات تستطيع أن تعيد بناء بيت.

لكنها لا تستطيع أن تكون مشروعًا وطنيًا.

المشروع الوطني الحقيقي هو أن تصبح المساعدة وسيلة للخروج من الحاجة، لا وسيلة لإدارة الحاجة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

نحن نريد أن يعترف بنا العالم كدولة.

لكن الدولة التي نريدها لا يجب أن تكون مجرد اعتراف على الورق.

نريد دولة يستطيع المواطن أن يلمسها.

في راتبه.

في مستشفاه.

في مدرسته.

في شارعه.

في أمنه.

في اقتصاده.

وفي قدرته على أن يعيش دون أن يكون مستقبل عائلته معلقًا على قرار خارجي.

لذلك ربما آن الأوان لأن نغير الأسئلة.

بدلًا من:

كم وصلت من المساعدات؟

نسأل:

كم بنينا من القدرة؟

بدلًا من:

من سيمول المشروع؟

نسأل:

كيف نجعل المشروع منتجًا؟

بدلًا من:

ماذا سيعطي العالم؟

نسأل:

ماذا نستطيع أن نصنع نحن؟

وبدلًا من أن يكون طموحنا أن نبدو كدولة أمام العالم، يجب أن يكون طموحنا أن نصبح دولة في حياة المواطن.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لشعب صاحب قضية عادلة ليس أن يحتاج إلى المساعدة في لحظة مأساة.

الأخطر أن يصبح:

الاحتياج هوية، والمساعدة اقتصادًا، والانتظار سياسة.

عندها نكون قد انتقلنا من مقاومة الأزمة إلى إدارة الأزمة، ومن بناء المستقبل إلى انتظار المستقبل.

والمشكلة أن الانتظار، مهما طال، لا يبني دولة.

لذلك لا أظن أن السؤال الذي يجب أن يشغلنا هذا المساء هو:

هل دخلت المساعدات؟

بل السؤال الأصعب:

ماذا فعلنا كي لا يكون هذا السؤال هو السؤال نفسه غدًا؟

فالدولة لا تُقاس بارتفاع صوتها.

ولا بعدد بياناتها.

ولا بعدد مؤتمراتها.

ولا بعدد الأعلام التي ترفعها.

الدولة تُقاس بقدرتها.

وفي الصباح يمكننا أن نخوض كل المعارك الكلامية التي نريد.

لكن عندما يحل المساء، ويحتاج المواطن إلى خبز أو دواء أو كهرباء أو عمل أو أمان، تسقط كل البلاغة أمام سؤال واحد:

هل نستطيع؟

فربما آن الأوان أن نتوقف عن محاولة إقناع العالم بأننا دولة…

ونبدأ ببناء القدرة التي تجعل المواطن نفسه يصدق أننا دولة.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار الإخباري

عن وطن للأنباء

Share This Article