المسار : شهد رجوب وريناد جوابرة: في قلب مدينة الخليل، لا يشكل حاجز تل الرميـدة مجرد نقطة عبور، بل أصبح جزءا من تفاصيل الحياة اليومية لسكان الحي، الذين يواجهون قيودا وإجراءات عسكرية تؤثر على حركتهم وتنقلهم. هنا، تتحول المسافات القصيرة إلى رحلة يطغى عليها الانتظار والتفتيش، ويغدو الوصول إلى المنزل أو المدرسة أو مكان العمل مرتبطا بإجراءات الحاجز.
المواطن ياسر أبو مرخية، أحد سكان تل الرميـدة، يقول إن الحاجز أقيم منذ عام 2015، وهو عبارة عن بوابة إلكترونية، ترافقها تضييقات وإجراءات يقول إنها تنطوي على تنكيل من قبل قوات الاحتلال والمستوطنين، مشيرا إلى أن الاحتلال يطلق على هذه الحواجز الإلكترونية تسمية “معابر”.
وأضاف أن تضييقات الاحتلال ازدادت بعد السابع من أكتوبر، ما دفع عددا من السكان إلى مغادرة المنطقة، نتيجة التشديد على الحواجز الإلكترونية. وأشار إلى تصريحات كان قد أدلى بها وزير ما يسمى الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، قال فيها: “إن المناطق التي تقع بالقرب من المستوطنات سيتم تفريغها من سكانها”.
وأوضح أبو مرخية أن جهودا حثيثة بذلتها لجنة إعمار الخليل وتنظيم فتح لإعادة عدد من السكان الذين غادروا المنطقة، من خلال تقديم تسهيلات لهم، خاصة مع حالة الهدوء النسبي التي تشهدها المنطقة حاليا.
ويعيش سكان تل الرميـدة واقعا استثنائيا في ظل القيود المفروضة عليهم، إذ يواجهون صعوبات في إدخال احتياجاتهم اليومية، واستقبال الزوار، والتنقل بحرية. ويقول الأهالي إن هذه الإجراءات أثقلت تفاصيل حياتهم، وحولت الحي إلى منطقة شبه معزولة عن محيطها، حيث بات وجود الحاجز حاضرا في مختلف تفاصيل الحياة اليومية.
من جانبه، يعبر وائل الشرباتي، أحد سكان المنطقة، عن صعوبة الحياة في تل الرميـدة في ظل هذه التضييقات، مؤكدا أن صلة الرحم وزيارة الأصدقاء أصبحت أمورا شبه معدومة في المنطقة.
وأضاف أن الدخول والخروج عبر بوابة المحسوم يمر بسلسلة من التضييقات وإجراءات التفتيش الصعبة، داعيا إلى ضرورة دعم المنطقة وتعزيز صمود سكانها ووجودهم فيها.
أما أم منتصر إغريب، إحدى المواطنات الصامدات في المنطقة، فتقول إنها تتعرض بشكل يومي لانتهاكات من قبل قوات الاحتلال، مضيفة أن عددا من السكان غادروا المنطقة، إلا أن حبهم وانتماءهم للمكان دفعهم إلى العودة إليها.
وأكدت إغريب، التي تستأجر منزلا في تل الرميـدة منذ 15 عاما، رغم صعوبة العيش في المنطقة والاعتداءات التي تتعرض لها من قبل قوات الاحتلال والمستوطنين، الذين تتهمهم بانتهاج سياسات تهدف إلى تهجير سكان المنطقة، تمسكها بالبقاء وعدم المغادرة، قائلة: “لمين نترك المنطقة؟”.
ورغم هذه الظروف، يتمسك سكان تل الرميـدة بالبقاء في منازلهم والحفاظ على وجودهم في المنطقة، مؤكدين أن الحي ليس مجرد مكان للسكن، بل جزء أصيل من تاريخ مدينة الخليل وذاكرتها.
وقال منسق تجمع المدافعين عن حقوق الإنسان في منطقة تل الرميـدة، عماد أبو شمسية، إن عودة عدد من العائلات الفلسطينية إلى منازلها في المنطقة تمثل تثبيتا للوجود والهوية الفلسطينية، مؤكدا أنه مهما بلغت إجراءات التفتيش والتضييق على المواطنين عند الحواجز، فإن الفلسطيني يبقى متشبثا بأرضه وبيته.
وأضاف أبو شمسية أن العديد من المنازل الفلسطينية فتحت أبوابها من جديد، بعد أن عادت عائلات إلى السكن في المنطقة، معتبرا أن هذه الخطوة تمثل تحديا لممارسات الاحتلال ومستوطنيه ولمشروع الاستيطان الذي يقول إنه يستهدف قلب مدينة الخليل.
وبين الحواجز والقيود، تستمر حكاية سكان تل الرميـدة في البحث عن حياة طبيعية، والتمسك بمنازلهم ومكانهم، في حي أصبحت فيه أبسط تفاصيل الحياة اليومية مرتبطة بإجراءات الحواجز، فيما يبقى حضور السكان وصمودهم تأكيدا على ارتباطهم بالمكان وحرصهم على الحفاظ على وجودهم فيه.

