بقلم: د. “أمجد دويكات” هل لدينا اقتصاد فلسطيني واحد، أم اقتصادان يعيشان في السوق نفسها؟

المسار :قد يبدو السوق الفلسطيني واحدًا على الخريطة، لكنه ليس واحدًا بالضرورة في سلوك المستهلك أو قدرته على الإنفاق، ففي فلسطين اليوم، هناك من يشتري لأنه يحتاج، ومن يشتري لأنه يستطيع، ومن أصبح يؤجل الشراء حتى للضروريات.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية!!!

من (ماذا أريد أن أشتري؟) إلى (ماذا أستطيع أن أشتري؟)…..

تآكل القدرة الشرائية يدفع شريحة واسعة من الأسر من استهلاك الرفاه إلى استهلاك البقاء، ومن الاختيار إلى التكيف، ومن الرغبة إلى الضرورة، المستهلك لم يعد دائمًا يختار وفق تفضيلاته؛ بل وفق قدرته على تحمّل السعر. إنه انتقال من مستهلك عقلاني الى مستهلك مقيد بالدخل والأسعار والظروف الاقتصادية.

المفارقة الأكبر: السيولة موجودة، لكن الطلب ضعيف.

توجد مستويات كبيرة من السيولة والمدخرات داخل النظام المالي، وهنا تظهر المفارقة: كيف يمكن أن تتراكم السيولة في جانب، بينما تتآكل القدرة الشرائية في جانب آخر؟

المشكلة ليست في وجود المال فقط، وإنما في أين يتركز؟، ومع من؟، وكيف يتحرك؟، وإلى أين يتجه؟. فعندما لا تتحول السيولة إلى استثمار وإنتاج وفرص عمل، فإنها تبقى بعيدة عن الاقتصاد الحقيقي، ولا تنتج الأثر التنموي المتوقع.

ثلاثة مستهلكين داخل سوق واحد:

يمكن قراءة المشهد الفلسطيني من خلال ثلاثة أنماط رئيسية:

الأول: مستهلك دفاعي، يركز على الضروريات والبقاء.

الثاني: مستهلك مستقر نسبيًا، يحافظ على نمط معيشته.

الثالث: مستهلك توسعي، يمتلك قدرة أكبر على الإنفاق والاستثمار.

وهنا لا تعود الفجوة الاقتصادية مجرد فرق في الدخل، بل تصبح فجوة في أنماط الحياة والفرص والاستهلاك.

المشكلة ليست الأسعار وحدها

ارتفاع الأسعار مؤلم، لكن المشكلة الأعمق هي اختلال العلاقة بين الأسعار والدخل والإنتاج والسيولة. فعندما ترتفع حصة الغذاء والضروريات من ميزانية الأسرة، تتراجع مساحة الإنفاق على التعليم، والترفيه، والصحة، وتطوير المهارات، وحتى الاستثمار في المستقبل. وبالتالي لا ينخفض الاستهلاك فقط، بل تنخفض جودة الحياة التي ينتجها هذا الاستهلاك.

ماذا نحتاج؟

نحتاج إلى اقتصاد تتحول فيه السيولة إلى إنتاج، والادخار إلى استثمار، والاستثمار إلى وظائف، والوظائف إلى دخل مستدام، والدخل إلى طلب حقيقي. نحتاج إلى دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتقوية الإنتاج المحلي وسلاسل القيمة، وتعزيز الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة وتهميش، ورفع المنافسة والشفافية وكفاءة الأسواق.

وأخيرًا، الاقتصاد لا يُقاس فقط بحجم الأموال الموجودة في البنوك، ولا بحجم السلع الموجودة على الرفوف، الاقتصاد الحقيقي هو قدرة الإنسان على أن يعيش، ويختار، ويستهلك، ويخطط للغد بكرامة.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس:

كم لدينا من المال؟

بل:من يملك القدرة على استخدامه؟ وأين يذهب؟ وهل يتحول إلى إنتاج وفرص وعدالة، أم يبقى مجرد سيولة لا تصل إلى حياة الناس؟

في النهاية، قد يكون لدينا سوق واحدة على الخريطة، لكننا لا نعيش بالضرورة اقتصادًا واحدًا؛ فبين من يملك المال ومن يملك القدرة على الإنفاق، تتسع المسافة بصمت. فالاقتصاد الذي تتكدس فيه السيولة بينما تتراجع قدرة الناس على الشراء، لا يعاني من نقص المال بقدر ما يعاني من سوء توزيعه وضعف دورانه وانفصاله عن الاقتصاد الحقيقي. وربما أخطر ما في المشهد أن الأرقام قد تقول إن المال موجود، بينما تقول حياة الناس شيئًا أكثر قسوة: المال موجود، لكن القدرة على الحياة ليست موزعة بالتساوي.

 

Share This Article