| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 3/9/2026
العيون الى الصين: الطريق المسدود في هرمز ينطوي على فرصة لبكين
بقلم: تسفي برئيل محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس
مرة اخرى تتكرر المأساة المالوفة: الولايات المتحدة تقصف اهدافا عسكرية في ايران بطريقة “محدودة ودقيقة”. وطهران ترد بطريقة محسوبة بالصواريخ والمسيرات على القواعد الامريكية في الاردن والعراق والبحرين والكويت. واسرائيل تستعد لرد محتمل في حالة سقوط صاروخ أو مسيرة ايرانية، سواء بالخطـأ أو بشكل متعمد، على اراضيها. من خلال الاعلان المحير لوزير الدفاع اسرائيل كاتس (“هم يحبون الهجوم في الاعياد اليهودية لانهم يكرهون اليهود”)، يصعب استخلاص أي استنتاج حول رد اسرائيل، وما هي الشروط الاساسية لتنفيذه، وما اذا كان كاتس يستطيع وبحق ان يعد بأنه “اذا قاموا بمهاجمتنا فسنرد بقوة كبيرة، بغض النظر عن أي جهة اخرى”.
تترافق هذه المناوشات مع تغريدات تهديد من الرئيس الامريكي ترامب حول “ضربة امريكية قاسية” متوقعة لايران. ولكن ايران ترد بتحذير يفيد بان استراتيجيتها الجديدة، “في الحرب الدبلوماسية والتعامل مع الحصار الاقتصادي ستضر باعدائها”، كما قال محسن رضائي، الامين العام للمجلس الاعلى للامن القومي أمس. ولكن في الخطابات العامة يصعب تحديد ملامح استراتيجية جديدة حقيقية، سواء ايرانية أو امريكية، تتجاوز كونها مناوشات عنيفة ومحدودة لا تؤدي الى أي قرار.
حتى فترة قريبة ظهر ان تحركات ترامب تهدف الى اجبار ايران على العودة الى طاولة المفاوضات بشروط يمليها هو نفسه، وعلى رأسها فتح مضيق هرمز بدون قيود. ولكن الرئيس اصدر مؤخرا تصريحات جديدة تفيد بان أي اتفاق مع ايران لن تكون له أي اهمية. في المقابل، ايران، التي اعلنت في 18 تموز عن تجميد مذكرة التفاهم بسبب خروقات امريكية، هي التي تسعى الان الى العودة اليها. ويأتي هذا في اطار شروط مسبقة تشمل وقف الحرب في كل الجبهات (بما في ذلك لبنان)، وانسحاب القوات الامريكية من محيط ايران، والتزام مسبق بتعويضها عن الاضرار التي لحقت بها، وبالطبع رفع الحصار الاقتصادي الجديد. هذه الشروط جاءت بالفعل في المذكرة التي وقع عليها ترامب، لكن البعض منها يفترض تنفيذه بعد التوقيع على الاتفاق وليس كشرط للمفاوضات.
تواصل باكستان وقطر محاولة تقريب وجهات النظر بينهما، وهي وجهات نظر اوسع بكثير من عرض مضيق هرمز حتى في هذه الايام. ويقدر ان هذا الجهود لم تكن لتستأنف لولا الضوء الاخضر من الولايات المتحدة. يجد ترامب نفسه في موقف لا تضمن فيه الحرب الاقتصادية التي اعلنها على ايران نتائج فورية، بل تفاقم الانقسام الداخلي بين القيادة في طهران، بين من يدعون الى العودة الى المفاوضات التي تقوم على مذكرة التفاهم وبين من يطالبون بموقف حازم رغم تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
في وسط هذا التشابك الدبلوماسي، يجب التنويه الى لاعب هام جدا لم يتحدث بعد، قد يملك مفتاح الحل. فقد وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ الى القاهرة في يوم الثلاثاء الماضي بمرافقة زوجته في زيارة لثلاثة ايام. رسميا تعتبر هذه الزيارة رد على زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وتهدف الى توسيع التعاون الاقتصادي والعسكري بين الدولتين. تحتفل الدولتان بمرور سبعين سنة على العلاقات بينهما، وقد اقامتا علاقات واسعة منذ تولي السيسي للحكم، بما في ذلك اتفاق تعاون استراتيجي وقع في 2014، الذي دشن ما يعرف في مصر بـ “العقد الذهبي”. وقد انقذت الصين مصر من ازمة اقتصادية شديدة عندما اودعت حوالي 2 مليار دولار في البنوك المصرية في 2016 لتعزيز احتياطها من العملة الاجنبية، الذي كان ضروري للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي. ايضا استثمرت بيجين حوالي 8 مليارات دولار في مشاريع في منطقة التجارة الحرة الموسعة في قناة السويس، وساهمت في بناء العاصمة الادارية الجديدة، وتدير آلاف الشركات الصينية في مصر.
في السنة الماضية اشترت مصر منظومة دفاع جوية من الصين، ويجري الجيش المصري والجيش الصيني مناورات مشتركة، كان آخرها في نهاية الشهر الماضي وسيستمر في هذا الشهر. اثناء الزيارة الحالية يتوقع ان توقع مصر والصين على اتفاق تستثمر الصين بحسبه مليارات الدولارات في انشاء مراكز للذكاء الاصطناعي، وتزود مصر بـ 2000 رقائق متقدمة لتطوير البنى التحتية للقطاع المدني والعسكري، اضافة الى توسيع مشتريات مصر العسكرية من الصين.
لكن زيارة الرئيس الصيني في مصر ليست فقط استعراض للصداقة والتبادل التجاري. فمصر تمثل منصة لعرض حضور الصين في منطقة يتراجع فيها النفوذ الامريكي. يصل الرئيس الصيني الى القاهرة بعد اجتماع قادة الدول الاعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون، الذي عقد في قرغستان، حيث التقى فيه مع الرئيس التركي والروسي والايراني. وحسب التقارير اوضح الرئيس الايراني مسعود بزشكيان للرئيس الصيني بان النظام مستعد للعودة الى مذكرة التفاهم اذا انضمت الولايات المتحدة، لكن لم يعرف اذا كان قد طلب من الصين التدخل. وتشير تقارير اخرى الى ان دول الخليج هي التي تشجع الصين على لعب دور الوسيط بين ايران والولايات المتحدة بعد فشل وساطة باكستان.
يتوقع ان يلتقي الرئيس الصيني مع ترامب في واشنطن بعد شهر تقريبا، في اعقاب اللقاء السابق بينهما في بيجين في شهر ايار الماضي، وان تساعد الصين في فتح مضيق هرمز، أو على الاقل الموافقة على تقليص نشاطاتها الاقتصادية مع ايران، لا سيما مشتريات النفط. ولكن الرئيس الامريكي عاد خالي الوفاض.
وافيد امس بان الرئيس الصيني قال اثناء لقاءه مع السيسي ان الصين “مستعدة للعمل مع دول المنطقة لحماية امن الممرات الملاحية، وتعزيز التعاون التنموي والقضاء على بؤر الصراع”. والصين التي لم تشارك حتى الان في أي تحالف عسكري اقليمي لحماية الملاحة في الخليج الفارسي أو في البحر الاحمر، لا تنوي ارسال قوات تدخل عسكرية في الوقت الحالي. اضافة الى ذلك يستنتج من تصريحات الرئيس الصيني بانه اذا قرر التدخل فهو سيفعل ذلك من خلال الحوار مع دول المنطقة وليس مع الولايات المتحدة. وأكد شي جين بينغ بوضوح: “يجب علينا التمسك بمبدأ سيادة شعوب الشرق الاوسط على شؤونهم ومعارضة التدخل الخارجي، ودعم دول المنطقة في تعزيز الحوار حول قضايا السلام والامن”.
من ناحية الامكانيات تمتلك الصين، بصفتها اكبر مشترية للنفط الايراني، نفوذ كبير على ايران. وفي نفس الوقت تصدر الصين التكنولوجيا العسكرية والمدنية لطهران باستخدام العملة المحلية، متجاوزة بذلك نظام الدولار. وفي العام 2021 وقعت الدولتان على اتفاق غير مسبوق للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي بمبلغ 400 مليار دولار تقريبا على مدى 25 سنة، ولم ينفذ منه الا القليل بسبب خوف الصين من العقوبات الامريكية. ايضا تقدم الصين الدعم السياسي لايران، حيث ادانت بشدة الحرب الاقتصادية التي شنها ترامب، وهددت باتخاذ اجراءات اذا اضرت الولايات المتحدة بمصالحها.
يبدو ان واشنطن تاخذ تحذيرات الصين على محمل الجد. فحتى الان امتنعت عن ادراج شركات وبنوك صينية كبيرة في قائمة المرشحين للعقوبات. والسؤال المطروح الان هو اذا كان هذا التفاعل الدبلوماسي بين القوتين سيؤدي الى تعاون سياسي يفتح مضيق هرمز.
——————————————
هآرتس 3/9/2026،
إسرائيل أخطأت، الشرق الأوسط لم يتغير
بقلم: كسينيا سفيتلوفا
أكثر من 50 الف إنسان، فلسطيني، اماراتي وغيرهم جاءوا للاحتفال بالتراث الفلسطيني في حدث أول من نوعه في دبي في اطار مهرجان ” UAE loves Palestine”. افتتح الشيخ مبارك آل ثاني المهرجان وتحدث عن التضامن مع الشعب الفلسطيني والى جانبه سفيرة السلطة الفلسطينية في الدولة، عبير الرمحي.
الحدث، الذي استهدف التشديد على الارتباط الشجاع بين الاماراتيين والفلسطينيين، كان واحدا من سلسلة احداث مشابهة مكرسة لتراث وثقافة الشعوب العديدة التي تعيش في الامارات، لكن موعده لم يكن مصادفا. في 15 أيلول 2020 وقعت إسرائيل، اتحاد الامارات والبحرين في واشنطن على اتفاقات إبراهيم. منذئذ مرت ست سنوات. في إسرائيل صعدت الى الحكم حكومة يمين متطرفة، حماس ارتكبت مذبحة في الجنوب، في الحرب في قطاع غزة قتل عشرات الاف الفلسطينيين، والإرهاب اليهودي في الضفة الغربية اصبح موضوعا يوميا.
حتى قبل التوقيع على اتفاقات إبراهيم شرح بنيامين نتنياهو بصوت سلطوي ومتعالٍ كعادته بان العالم العربي نسي الفلسطينيين، وان أحدا لم يعد يهتم بهم. الاهتمام الشديد للدول العربية بإسرائيل فسر من ناحيته كنفور من الفلسطينيين وكعدم اكتراث بوضعهم. “مصادر مطلعة” سربت معلومات عن اللقاءات السرية مع كل أنواع المسؤولين في العالم العربي، والكل تبنى فكرا واحدا: الشرق الأوسط تغير الى الابد، العرب يحتاجون لإسرائيل، الفلسطينيون ليسوا ذوي صلة.
لكن مثل مفاهيم مغلوطة عديدة أخرى روج لها ونشرها نتنياهو وشركاؤه، فان هذا المفهوم هو الاخر كان مغلوطا. وحتى بافتراض انه بالفعل نشأ نفور بقدر ما وكذا بافتراض انه كانت إرادة صادقة للتقرب من إسرائيل فيما أن النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني يتصاعد في الخلفية – فان الحرب في غزة سرقت الأوراق. يمكن للشعوب وللزعماء ان يكونوا غير مكترثين عندما يكون الميدان هادئا ويحفظ الوضع الراهن، حتى لو لم يكن مثاليا. لكن كي شيء يتغير عندما يباد قطاع غزة ومعه عشرات الاف من سكانه وعندما يحرق رفاق بتسلئيل سموتريتش قرى في الضفة وعندما يجري ايتمار بن غفير جولة استعراض أخرى في الأماكن المقدسة في الحرب.
من الصعب التصديق، لكن من اشترى هذا المفهوم واصل الشرح لشعب إسرائيل، حتى في أيام الحرب في القطاع، بان السعوديين سيوقعون معنا لتوهم على اتفاق سلام، وها هو الرئيس الاندونيسي هو الاخر بعد ثانية سيقفز للزيارة ويعقد معنا صفقة. وعندما تبين ان هذه أمور لم تحصل، عاد ليطل علينا التفسير البائس “هم يكرهوننا”، وانهم بعد لحظة “لعلهم يصحون”.
لكن من حقا ينبغي أن تصحو من خيالاتها المحرجة هي إسرائيل – والتي بشكل عام لا يهتم الناس فيها برأي الجيران ولا يفهمونهم. الخيارات هي دوما محدودة: إما أسود أو أبيض، إما صفر أو واحد، إما يكرهون أو يحبون. من يحب إسرائيل يفترض أن يكون ضد الفلسطينيين، وبالعكس.
غير ان الوضع اكثر تعقيدا بكثير: كلما واصلت إسرائيل التنكيل بالفلسطينيين وتجاوزت الخطوط الحمراء مثل البناء في E1، التطهير العرقي في الضفة وفي غزة وبالطبع الاستفزاز في الأقصى – هكذا سيواصل جيرانها تمجيد القضية الفلسطينية وسيقلصون “التعاون مع إسرائيل لدرجة قطع العلاقات – اذا ما تحققت السيناريوهات الأسوأ للانتفاضة الثالثة او ترحيل الغزيين. وبين هذا وذاك الكل سيتضرر في هذه القصة: الفلسطينيون، إسرائيل والدول العربية التي راهنت بقوة وتضطر الان للتكيف مع واقع عنيف جدا يعرضها هي الأخرى للخطر.
——————————————
القناة 12 العبرية 3/9/2026
السبيل لمنع صراع إسرائيلي تركي في سوريا
بقلم: البروفسور إيلي فودا وإيتان يشاي
*البروفسور ايلي فودة استاذ في قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية بالجامعة العبرية، وعضو في المجلس التنفيذي لمنظمة ميتفيم، وعضو في ائتلاف الأمن الإقليمي
*يشاي طالب دكتوراه في الجامعة العبرية متخصص في لبنان، ويشغل منصب رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد متفيم.
لم يكن الحديث بين رئيسٍ في الموساد ووزير الخارجية السوري بالأمر الهين. فبعد أيامٍ قليلة من مكالمة هاتفية بينهما، أجرى الاثنان مكالمة فيديو في محاولةٍ لتهدئة التوترات عقب الهجوم الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور الجوية شمال غرب سوريا. ووفقًا لإسرائيل، كانت تركيا تعتزم نشر رادارات وطائرات مسيرة، ولاحقًا أنظمة دفاع جوي وأفراد عسكريين في القاعدة. ونفت دمشق وأنقرة وجود أي خطط لوجود تركي دائم فيها.
يعكس هذا الحادث القلق المتزايد في إسرائيل إزاء تنامي التدخل التركي في سوريا. فقد أصبحت أنقرة بالفعل أحد أهم شركاء الحكومة السورية الجديدة. تُساهم تركيا في إعادة بناء الجيش السوري، من خلال تدريب الضباط والجنود، والاستثمار في البنية التحتية، ساعيةً بذلك إلى تحويل انخراطها الطويل الأمد في سوريا إلى نفوذ إقليمي. من وجهة نظر إسرائيل، فإن نشر أنظمة رادار ودفاع جوي تركية الصنع متطورة قد يُقلل من حرية عمل القوات الجوية في سوريا ولبنان، ويُصعّب مواجهة التعزيزات الإيرانية المتجددة أو نقل الأسلحة إلى حزب الله.
بالطبع، لا يُمكن تجاهل هذه المخاوف. فالتدخل العسكري التركي في سوريا واقعٌ قائم، ويتزامن مع تدهور حاد في العلاقات بين تركيا وإسرائيل. لا يُمكن لإسرائيل أن تقف مكتوفة الأيدي أمام احتمال قيام قوة إقليمية تتخذ موقفًا عدائيًا تجاهها بإنشاء قدرات عسكرية متطورة في سوريا. مع ذلك، حتى المخاوف المُبررة قد تُؤدي إلى سوء تقدير ورد فعل مُفرط، ما قد يُفضي إلى تدهور غير مرغوب فيه. يسود الاعتقاد في إسرائيل بأن النظام السوري الجديد قد خضع لمصالح أردوغان ورغباته، لكن هذا بعيد كل البعد عن الواقع.
سوريا مهتمة بتنويع علاقاتها
يتمتع النفوذ التركي على دمشق بأهمية كبيرة، ولكنه ليس مطلقًا. يحرص الرئيس أحمد الشرع على توطيد العلاقات مع الولايات المتحدة ودول الخليج وغيرها من القوى الإقليمية والدولية، وذلك لتجنب الاعتماد المفرط على أنقرة. صحيح أن سوريا بحاجة إلى مساعدة تركيا، لكن هذا لا يعني أنها تسعى لأن تصبح تحت حمايتها.
في الواقع، تشير رغبة دمشق في إجراء محادثات مع إسرائيل إلى رغبتها في تنويع علاقاتها والحفاظ على مساحة عمل مستقلة. علاوة على ذلك، فإن عدم إنكارها للاتصالات بين البلدين يدل على أنها لا ترى أي خطأ أو خلل في العلاقة مع إسرائيل يستدعي التكتم.
لذا، ينبغي على إسرائيل تجنب تفسير أي تعاون عسكري بين تركيا وسوريا على أنه دليل على أن الأخيرة تتحول إلى واجهة لأردوغان. إن مثل هذا النهج، الذي ينظر إلى علاقات البلدين من منظور لعبة محصلتها صفر، قد يؤدي في الواقع إلى تصعيد الموقف. من الأهمية بمكان التمييز بين وجود تهديد حقيقي والتلاعب السياسي. تكمن المشكلة في أن معظم العامة لا يطلعون على المعلومات الاستخباراتية، ولذلك يعجزون عن التمييز بين الأمرين.
وبعيدًا عن المسألة السياسية، يعكس الهجوم على سوريا تناقضًا في السياسة الإسرائيلية. فالحكومة الحالية ليست بالضرورة مهتمة بتعزيز الحكومة المركزية في سوريا، انطلاقًا من افتراضها أن سوريا الضعيفة والمنقسمة تمنح إسرائيل حرية أكبر في العمل وتمنع عودة التهديد من الشمال. وعلى المدى القصير، يمنح الضعف السوري المحدود إسرائيل مزايا تكتيكية، كما سمح لها بالاستيلاء على أراضٍ إضافية تحت ستار الأمن.
لكن المصلحة على المدى البعيد تكمن في وجود دولة سورية مستقرة بنظام واضح المعالم، يسيطر على أراضيه، ويكبح جماح التنظيمات المسلحة، ويحارب شبكات التهريب، ويمنع إيران وحزب الله من إعادة بناء وجودهما. ولن يتحقق كل هذا إلا إذا استقر النظام السوري وأصبح جيشه قويًا بما يكفي للدفاع ضد التهديدات الداخلية والخارجية. ولن تستفيد إسرائيل من استمرار الفوضى أو من حكومة سورية تعتمد عليها كليًا في تركيا من أجل بقائها.
الآلية التي ستُنهي المفاوضات مع سوريا
تُبرز الأزمة المُحيطة بالهجوم على القاعدة الخطر الكامن في العمل دون آليات مُتفق عليها للتحقق من المعلومات والاتصالات، إذ قد يُفسر الطرف الآخر حتى التدابير الدفاعية أو الإجراءات الوقائية على أنها تمهيد للعدوان.
منذ وصول الشرع إلى السلطة، جرى تبادل العديد من الرسائل بين إسرائيل وسوريا، إما بشكل مباشر أو عبر الولايات المتحدة. كما عُقدت اجتماعات لتعزيز اتفاقية أمنية، إلا أن إسرائيل أوقفتها، على الأقل هذا ما يدّعيه السوريون.
لذا، من الممكن إنشاء آلية ثلاثية أو رباعية الأطراف بين إسرائيل وسوريا وتركيا والولايات المتحدة، يكون دورها منع الاحتكاكات العسكرية، والإنذار المُبكر بالانتشارات والتدريبات، وتوضيح الخطوط الحمراء، وإدارة الأزمات بشكل عام. يُمكن لواشنطن أيضًا المُساعدة في التحقق من المعلومات المُثيرة للجدل وتقديم ضمانات للأطراف الثلاثة. تُشير قنوات الاتصال القائمة بين إسرائيل وتركيا والحوار المُتنامي بين إسرائيل وسوريا إلى وجود أسس لمثل هذه الآلية.
ينبغي لهذا الإطار أن يُكمّل، لا أن يحل محل، المفاوضات بين إسرائيل وسوريا بشأن الترتيبات الأمنية، واستقرار جنوب سوريا، ووضع قواعد سلوك مشتركة. لا يبدو السلام أو التطبيع مع سوريا وشيكاً، لكن من المؤكد أن اتفاقية عدم اعتداء باتت في المتناول.
لا يجب أن تتحول سوريا إلى ساحة لتنافس إسرائيل وتركيا الأوسع. لقد أثبت قرار العودة إلى الحوار بعد الهجوم على أبو الظهور أن التصعيد ليس أمراً حتمياً. يكمن التحدي الآن في تحويل دبلوماسية الأزمات الارتجالية إلى آلية تنسيق مستقرة ومستمرة. علاوة على ذلك، في ضوء التحالفات الجديدة التي تُعقد في المنطقة، مثل “اتفاق مكة” بين السعودية وباكستان وتركيا، فإن أي تحرك إسرائيلي في سوريا – سواء كان ذلك في إطار بناء إطار تنسيقي أو توقيع اتفاقية عدم اعتداء – قد يُظهر مرونةً وإبداعاً في الاستعدادات الإقليمية لما بعد السابع من أكتوبر.
——————————————
يديعوت أحرونوت 3/9/2026
خريطة التهديدات الجديدة: إسرائيل على مفترق طرق
بقلم: دانا يوفي
افتتح رئيس معهد الديمقراطية الإسرائيلي، يوهانان بليسنر، مؤتمر “لحظة الحسم: الديمقراطية والمجتمع” في مقابلة مع شارون كيدون. وسُئل في بداية المؤتمر عن احتمال عدم حسم الانتخابات المقبلة، وما إذا كان هناك سبيل لتجاوز هذه الأزمة. يتميز النظام الإسرائيلي بصفة فريدة، فعندما تنطلق حافلة الانتخابات ولا تصل إلى محطتها النهائية، وهي تشكيل الحكومة، فإنها تتوقف في منتصف الطريق، ثم تعود أدراجها إلى المحطة الأولى. هذا الأمر غير موجود في جميع الديمقراطيات البرلمانية. إن أسلوبنا في تشكيل الحكومة فريد من نوعه في هذا الصدد.
في مثل هذه الحالة، تتشُكّل حكومة انتقالية، تخضع لقيود واضحة نظرًا لعدم حصولها على شرعية شعبية. وقال: “تحتاج دولة إسرائيل والمجتمع الإسرائيلي إلى حكومة قادرة على المضي قدمًا، وتوحيد الشعب، وربط أجزائه. كيف يُمكن تحقيق ذلك؟ اليوم، عند تشكيل حكومة، لا بد من الحصول على أغلبية 61 صوتًا من أعضاء الكنيست. هناك طرق لتشكيل حكومة بأكبر أغلبية ممكنة، ما يعني أنه لا مفر من تشكيل حكومة، فالأمر في النهاية مسألة قرار”.
وقال بليسنر إنه لا يقترح بالضرورة حكومة أقلية، بل آلية تضمن حسم الانتخابات وتشكيل الحكومة في نهاية المطاف. ووفقًا له، عندما يدرك جميع الأطراف إمكانية تشكيل حكومة حتى بدون أغلبية 61 صوتًا، يمكن أن تصبح شروط الانضمام إلى الائتلاف أكثر مرونة. وأضاف: “ستكون النتيجة انضمام الناس قائلين: “إنهم يشكلون حكومة لا محالة، فلننضم إذًا”. قد تُشكّل حكومة أقلية، لكن يجب أن نتذكر أن هذا هو الحال في العديد من الدول الاسكندنافية”.
كما أشار بليسنر إلى الثورة القانونية، موضحًا أنه “في حال عدم إجراء تغييرات، ستكون لدينا محكمة عليا ذات توجه سياسي بحت في نهاية دورة الكنيست المقبلة. هناك وهم بأن معظم خطوات الثورة القانونية قد أُجهضت، لكن هذا غير صحيح. سيتم تعيين 9 من أصل 15 قاضيًا في المحكمة العليا وفقًا لمعايير سياسية بحتة. علينا ضمان الحفاظ على العنصر المهني والتوازن، وينطبق الأمر نفسه على المشورة القانونية المقدمة للحكومة”.
حول مسألة دمج الحريديم في المجتمع الإسرائيلي، قال: “لقد وصلنا إلى نقطة تحول حاسمة. حتى الآن، طغت السياسة على المصلحة الوطنية. لطالما تحدثنا عن التركيبة السكانية للحريديم، الذين سيشكلون ربع إجمالي السكان خلال عشرين عامًا تقريبًا. إنهم فئة كبيرة وهامة في المجتمع الإسرائيلي، وحتى الحرب لم تُغير من توجهاتهم، كما فعلت مع قضية التجنيد الإجباري. لذلك، يجب أن ينبع القرار من السياسة. تُموّل الأسر اليهودية غير المتشددة الأسر المتشددة بما يقارب 37 مليار شيكل، وجزء من هذا المبلغ يعود إلى استهلاك الأسر المتشددة المفرط لخدمات دولة الرفاه الإسرائيلية، وجزء آخر إلى دفعها ضرائب أقل. هذه مبالغ طائلة، وإذا لم نُحدث تغييرًا، فستزداد هذه المبالغ.”
لا يقتصر التحدي المتمثل في دمج المجتمع الحريدي في سوق العمل على انخفاض معدلات توظيف الرجال الحريديين فحسب، بل يشمل أيضًا الإنتاجية والتدريب ونظام الحوافز وفرص الترقّي إلى وظائف ذات جودة. سعى المشاركون في حلقة النقاش بعنوان “الحريديم في الاقتصاد: التحديات والفرص” إلى فهم العوامل التي تعيق التغيير الجذري، وما يمكن للدولة فعله بشكل مختلف. ضمّت الحلقة كلاً من الدكتور جلعاد مالاخ، الباحث في برنامج الحريديم بمعهد الديمقراطية الإسرائيلي، وأوديليا بوروش، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة الاستشارات الحريدية GOAPP، والبروفيسور عودي نيسان من كلية فيدرمان للسياسات العامة بالجامعة العبرية، والرئيس السابق لقسم الميزانية في وزارة المالية.
ما الذي ينبغي على الدولة فعله لتشجيع توظيف الحريديم، وهل الإجراءات الحالية كافية؟
ما الذي ينبغي على الدولة فعله لتشجيع توظيف الحريديم؟ مالا: “يشكل المجتمع الحريدي حوالي 14 في المئة من سكان دولة إسرائيل، ونعلم أن نصف رجال الحريديم عاطلون عن العمل. تبذل الدولة جهودًا كبيرة – فقد تم افتتاح مراكز توجيه ومراكز توظيف – لكن المشاكل الجذرية لم تُحل بعد”.
لماذا يُعدّ التوظيف تحديًا في المجتمع الحريدي، في حين أن الناس لديهم حاجة أساسية لإعالة أسرهم؟
يوضح: “لا يوجد رجل حريدي لديه أسرة لا يرغب في أن تكسب أسرته عيشة كريمة. لكن هناك العديد من الأسباب التاريخية التي أوصلتنا إلى هذا الوضع، فالرجل البالغ من العمر 30 عامًا ولديه 4 أو 5 أطفال يتساءل عما سيدرسه وكيف سيحقق ذلك؟ اليوم، أصبحت الحلول التجميلية أقل شيوعًا. هناك شيء متجذر وعميق هنا”.
هل من الصواب ربط إعانات الرعاية الاجتماعية، كإعانات السكن الجامعي، بالخدمة العسكرية أو العمل؟
نيسن: “إن دولة الرفاه، إذا نظرنا إليها من منظور مقارن حول العالم، قد انحرفت عن مسارها الصحيح هنا. فقواعد دولة الرفاه الحالية تُساعد الأسر التي اختارت عدم العمل بطريقة غير عادلة وغير متكافئة”.
ووفقًا لنيسن، فإنه بالإضافة إلى تغيير الحوافز، ثمة حاجة ماسة إلى تغيير جذري في نظام التعليم الحريدي: “اليوم، لا تتوفر فرص متكافئة للشباب الحريدي، ولا يحصل على الأدوات المناسبة. وهذا ضروري لضمان اندماج الحريديم في سوق العمل بشكل فعّال مع مرور الوقت”.
ضمّت حلقة النقاش التي تناولت سؤال “ما هو الحل الأمثل للأزمة الدستورية؟” كلاً من: البروفيسور أميخاي كوهين، نائب رئيس قسم البحوث في معهد الديمقراطية الإسرائيلي، والبروفيسورة تمار هوستوفسكي براندس، الباحثة الرئيسية في معهد الديمقراطية الإسرائيلي، وكلية الحقوق في كلية أونو الأكاديمية، والبروفيسور أرييل بيندور، من كلية الحقوق في جامعة بار إيلان.
ناقش المشاركون إعلان رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي صرّح في وقت سابق من المؤتمر بأنه سيعمل على تفعيل إعلان الاستقلال كقانون أساسي. ووفقًا للبروفيسور كوهين: “من المهم جدًا أن يتضمن دستورنا بندًا يُعنى بالقيم، والقيم الواردة في إعلان الاستقلال هي قيم متفق عليها. ثانيًا، أعتقد أن بينيت لم يُسهب في هذا الأمر، ولكن ربما من المهم مناقشة كيفية القيام بذلك. وهذا يعني ضرورة وجود آلية سليمة لتحقيق ذلك، حتى لا نقع في نفس الأخطاء التي وقعنا فيها سابقًا”.
قالت البروفيسورة تمار هوستوفسكي براندز: “إن ذروة الخلاف الذي بلغناه اليوم تدور حول صورة الدولة، حول شكلها، وحول المجتمع الذي نعيش فيه معًا. لذلك، لا أرى غرابة في أن ينتهي هذا الفصل، من الناحية الدستورية، بسنّ القانون الأساسي لدراسة التوراة، الذي يُعدّ بيانًا دستوريًا للقيم. ونظرًا لأن الإطار الدستوري الحالي في إسرائيل يتضمن القانون الأساسي لدراسة التوراة، ولا يتضمن القيم الجوهرية التي يرتكز عليها إعلان الاستقلال، فإن هذا التعديل ضروري”. ووفقًا للبروفيسور باندور: “ليست كل كلمة في إعلان الاستقلال مُصاغة كقانون، بل هي رمزية، فحتى صياغة الإعلان نفسها، يدرك الجميع أن ليس كل كلمة فيه قانونًا. لكن هناك أمورًا أساسية للغاية، وإذا وُجد اتفاق واسع النطاق على التشريع، سواء في الدستور نفسه أو في القانون الأساسي، فسيكون ذلك أمرًا ممتازًا”.
وأشار البروفيسور كوهين إلى محاولات سنّ دستور لإسرائيل، مُستشهداً بقرارٍ قدّمه عضو الكنيست يزهار هاراري في أول دورةٍ له، يقضي بإعداد الدستور الإسرائيلي على مراحل من خلال القوانين الأساسية. وأضاف: “إنّ العديد من الخلافات بيننا ليست استقطاباً أيديولوجياً، بل استقطاباً عاطفياً. فنحن لا نثق ببعضنا البعض، ولدينا ذكريات تاريخية من الحرمان، وهناك سببٌ لوجود الخلافات في المجتمع الإسرائيلي. عند وضع الدستور، لا ينبغي التعامل معه كجزءٍ من اللعبة السياسية المعتادة. علينا الفصل بين الأمرين. إنّ هذه الطريقة التي استخدمناها طوال ما يقرب من ثمانين عاماً، طريقة هاراري، حيث كان الكنيست في كل مرةٍ يُجري فيها التعديلات كجزءٍ من الممارسة السياسية المعتادة، ثم يُغيّرها في كل مرةٍ وفقاً للاحتياجات السياسية، هي طريقةٌ أعتقد أنها استنفدت أغراضها”.
وخلال حلقة النقاش حول “كيفية استعادة الأمن في الشوارع”، انتقد المشاركون ما وصفوه بعدم اكتراث الحكومة وأداء الشرطة ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.
عُقدت الجلسة بمشاركة كلٍّ من: العميد المتقاعد المحامي إيرن كامين، الرئيس السابق لقسم التحقيقات في الشرطة الإسرائيلية؛ والمحامية رافيا هانكيلو، الرئيسة التنفيذية لمركز إيلاف، مركز تعزيز الأمن في المجتمع العربي؛ وتومر لوتان، الباحث الزائر في معهد الديمقراطية الإسرائيلي، والمدير العام السابق لوزارة الأمن العام؛ والدكتورة يائيل ليتمانوفيتز، رئيسة برنامج الشرطة والأمن الداخلي في معهد الديمقراطية الإسرائيلي.
في بداية الجلسة، عُرضت إحصائيات صادمة تُشير إلى وقوع 200 جريمة قتل في جميع أنحاء إسرائيل منذ بداية العام، 170 منها لضحايا من المجتمع العربي. وفي هذا السياق، قال تومر لوتان: “نحن نواجه أخطر أزمة أمنية شخصية في البلاد. ويتجلى ذلك بالدرجة الأولى في العدد الهائل من جرائم القتل التي شهدناها في السنوات الثلاث الماضية، والتي تضاعفت تقريبًا”.
ركزت المحامية رافيا هانكيلو في كلمتها على المجتمع العربي، قائلةً: “نتحدث عن أزمة ثقة، ربما تكون الأكبر في مجال الأمن الشخصي، وعدد جرائم القتل ليس سوى غيض من فيض هذه الحقيقة. نتحدث عن منظمات إجرامية تسيطر على المجتمع العربي وتفرض معاييرها فيه”.
وتحدث المحامي إران كامين عن الأزمة في جهاز الشرطة، قائلاً: “إن الشرطة في عهد بن غفير، الذي تولى منصب الوزير منذ ما يقارب أربع سنوات، تختلف تماماً عن سابقتها. إنها شرطة تسعى لإرضاء الآخرين أكثر من كونها شرطة مهنية، ويعاني جهاز الشرطة من نقص في الكوادر في كثير من الأماكن، وهناك خلل كبير في مراكز الشرطة، لا سيما في أسس جهاز الشرطة”.
أشارت الدكتورة ياعيل ليتمانوفيتش إلى استخدام جهاز الأمن العام (الشاباك) للتعامل مع الجريمة، وقالت: “المشكلة تكمن في أننا نحول مشكلة الجريمة إلى مشكلة قومية، إلى مشكلة إرهاب. لماذا نفعل ذلك؟ لأننا بذلك نبتعد عن فكرة العمل الشرطي الاحترافي. إننا نضعف الشرطة عندما نلجأ إلى الشاباك”.
وصفت الدكتورة تهيلا إليتسور، إحدى مؤسسات وقائدات منتدى “الشراكة من أجل الخدمة”، الواقع الذي تعيشه في محيطها، وروت قصص عائلات دفعت ثمناً باهظاً خلال الحرب. وقالت: “الجرح الذي انفتح عميقٌ جداً بالنسبة لنا”.
وأضافت: “إننا نتحرك بدافع الحاجة الأمنية، متجاوزين بذلك أي اعتبار أخلاقي أو صعوبة نواجهها”. لن تتمكن دولة إسرائيل من توفير عدد كافٍ من الجنود على الحدود إذا أعادت العمل، بشكل أو بآخر، باستثناء التوراة والفن. هذا غير ممكن. من جهة أخرى، أكد إسرائيل كوهين، المعلق السياسي والخبير في شؤون الحريديم، أن محاولة فرض التجنيد الإجباري على مجتمع الحريديم قد تُعمّق الصراع.
وأشار كوهين إلى أنه إلى جانب الصراع حول التجنيد، هناك أيضًا تطور داخل مجتمع الحريديم نفسه. وقال: “إذا وُجدت وحدات مُعدّلة، فسيكون من الممكن التجنيد”. وأضاف أن هذا هو فهمه لواقع الحريديم.
في المقابل، قدمت المحامية شلوميت رافيتزيكي تور-باز، مديرة مركز جوان وإروين جاكوبس للمجتمع المشترك، التابع لمعهد الديمقراطية الإسرائيلي، موقفًا مختلفًا، يدعو إلى فرض الخدمة العامة وتغيير نظام الحوافز الحكومي. وقالت: “لم يشهد العالم اليهودي مجتمعًا من المتعلمين كما هو الحال اليوم”. ووفقًا لها، فإن البنية الحالية لمجتمع الحريديم هي إلى حد كبير نتاج سياسة الدولة. والحوافز التي قُدّمت على مرّ السنين.
وفي مرحلة أخرى من النقاش، نشأ خلاف حول ما إذا كان اشتراط الخدمة في سنّ مبكرة يتجاهل بنية المجتمع الحريدي. قال كوهين: “إنّ نظرة الحريديم إلى الزواج في سنّ الثامنة عشرة، وماذا يفعلون بعد ذلك؟ هذا أمر مختلف. هل تريدون تغيير هذه النظرة إلى جوهر الحريديم؟” أجابت رافيتزيكي تور-باز بأنّ الهدف ليس تغيير الحريديم، بل تلبية احتياجاتهم الأمنية.
واختتمت رافيتزيكي تور-باز حديثه قائلاً: “لا أريد أن يتخلّى الحريديم عن حريديميتهم، ولكنّ توقّع المجتمع الحريدي من الدولة – أي ألا يخضعوا لأيّ التزامات، لا اقتصادياً ولا عسكرياً، وفي الوقت نفسه أن تمنحهم استقلالاً تاماً لمواصلة التقدّم – أمر لا يتوافق مع الواقع”.
——————————————
معاريف 3/9/2026
ابخرة وقود الدبابات
بقلم: افي اشكنازي
تناول وزير الدفاع إسرائيل كاتس أمس التوتر المحتدم في الخليج الفارسي بعد أن تبادل الجيشان الأمريكي والإيراني ضربات متبادلة في اليوم المنصرم. وعلى حد قوله فان “رئيس الوزراء وأنا في متابعة يومية، مع الجيش أيضا، أحيانا في منتصف الليل مع الهاتف الأحمر. نحن لا نستخف باي معلومة. لا نريد أن نتفاجأ، نحن جاهزون”.
وعلى حد قول وزير الدفاع فان “الجيش الإسرائيلي، بما في ذلك سلاح الجو مستعد للهجوم في ايران. اذا هاجمونا سنرد بقوة كبيرة دون ان نتعلق بأحد. في هذه الاثناء هم يضربون كل المنطقة باستثنائنا، لكن يوجد احتمال ان يهاجمونا أيضا. نحن مستعدون لهذا في الدفاع. هم يحبون ان يهاجموا في الأعياد اليهودية لانهم يكرهون اليهود. لاحظوا أمورا كثيرة حصلت في الماضي. لكننا جاهزون في الدفاع وفي الهجوم بتنسيق مع الولايات المتحدة في هذا الجانب. لكن توجد أمور مثل الهجوم على إسرائيل لن نقبلها. اذا هاجموا بسبب لبنان، بسبب يهودا والسامرة، بسبب غزة، بسبب انه راق لهم – طائراتنا جاهزة للاقلاع.
أقوال كاتس دقيقة، ولشدة المفاجأة مقنونة نسبيا أيضا. فالمنطقة توجد قبل مواجهة أخرى. يوجد الكثير جدا من أبخرة الوقود. بداية لإيران: الرئيس ترامب يقود خطوة تؤثر جدا على ايران في المدى القصير والبعيد. المعركة في هذه اللحظة هي على مضيق هرمز.
صحيح حتى الان المضيق مفتوح 60 في المئة. ضغط الأمريكيين يؤثر على الاقتصاد الإيراني وعلى المواطنين. قادة النظام في ايران يديرون الان منظومة مخاطر. تخوفهم هو خروج المواطنين الى الشوارع. في ايران يرون الخطوات خلف الحصار الأمريكي ضمن أمور أخرى شراء حقول النفط الفنزويلية وإدخال تكنولوجيا متطورة لانتاج واسع للنفط من الآبار.
يدور الحديث عن خطوة تجعل ايران غير ذات صلة في خريطة الدول المنتجة للنفط العالمي والتأثير على بورصة النفط في العالم. وعليه فان النظام الإيراني يفهم بان مخرجه هو العودة الى حرب قوية. في المدى الفوري يمنع خروج المواطنين الى الشوارع. في المدى الابعد – خطوة حربية يمكنها أن تؤدي الى تغيير في التسوية في اليوم التالي. صحيح حتى الان ايران لم تقرر بعد اذا كانت ستخرج الى الحرب على نطاق كامل. وهذا بالضبط السبب الذي يجعلها لا تطلق النار نحو إسرائيل. هذا هو السبب الذي يجعلها تصمت امام سقوط خط الدفاع الأخير لحزب الله في تلال علي طاهر بالضبط مثلما تصمت عن استمرار عمليات الاغتيال لمخربي حماس في غزة. هذا تفهمه إسرائيل أيضا.
في هذه الاثناء يوجد الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب عالية منذ اشهر تخوفا من سيناريوهات نار من ايران، لكن ليس فقط. سيناريو انفجار في الضفة حقيقي ومن شأنه ان يبدأ في كل لحظة. الامر سيستوجب تجنيد فرق احتياط. غير أنه امس فقط تحدث مصدر عسكري مع “معاريف” وعرض عمق ازمة جاهزية الجيش الإسرائيلي بسبب سياسة الحكومة. وعلى حد قوله، فان وزارة المالية لم تحول 40 الف شيكل كما أمر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
بعد ثلاث سنوات من الكارثة الأكبر في تاريخ الدولة، واضح ان إسرائيل تقف قبل جولة قتال أخرى، مثلما هو واضح ان الجيش الإسرائيلي غير مستعد كما كان يفترض به أن يكون بسبب السياسة الصغيرة داخل الحكومة. كما واضح انه بعد ثلاث سنوات من مذبحة 7 أكتوبر إسرائيل لم تستوعب ولم تتعلم شيئا.
——————————————
هآرتس 3/9/2026
صعود وسقوط الحزب اليهودي العربي
بقلم: عوفر اديرت
ما الذي يفعله لواء متقاعد من الجيش الاسرائيلي ومحامي عربي اسس حركة يسارية وطنية؟ في العام 1984، عند تاسيس الحركة عرضت القائمة التقدمية للسلام النقاط الرئيسية لرؤيتها في اعلانات نشرتها في الصحف. “محاولة فريدة في نوعها لتاسيس قوة يهودية – عربية مشتركة، متجذرة عميقا في المجتمع الاسرائيلي، بين اليهود والعرب على حد سواء”، هكذا وصفت الاعلانات الحزب الجديد، “60 مرشح يهودي و 60 مرشح عربي – المعسكر القومي المزدوج”. بعد ذلك تم تقديم زعماء القائمة، محمد ميعاري وماتي بيلد. وجاء في الاعلان: “في ستينيات القرن الماضي كان ميعاري عضو في جماعة “الارض”، وفي ذلك الحين كان ماتي بيلد جنرال في جيش الدفاع الاسرائيلي وعضو في هيئة الاركان العامة. سيرتان ذاتيتان تمثلان منصة امل. الامل الوحيد”.
تجاهل الاعلان الاشارة الى انه قبل عشرين سنة منعت المحكمة جماعة “الارض” من الوصول الى الكنيست، وقررت انه “لن يدعم ولن يعترف أي نظام حر بحركة تقوض النظام نفسه”. وتجاهل الاشارة الى ان بيلد، وهو عسكري وحاصل على شهادة الدكتوراة في الأدب العربي، كان من اشد المؤيدين لحرب الايام الستة، بل وشغل منصب الحاكم العسكري في قطاع غزة. وجاء في الاعلان: “نحن نناضل من اجل حل وسط تاريخي بين عرب فلسطين ويهود اسرائيل. الحل الوسط الوحيد الذي قد يكون مقبول على اليهود والعرب هو تحويل الخط الاخضر، حدود الرابع من حزيران 1967، الى حدود دولية معترف بها بين دولة اسرائيل ودولة فلسطين”. ايضا اعرب الاعلان عن التطلع الى انشاء معسكر سلام مشترك في اسرائيل يكون يهودي – عربي، وعربي – يهودي.
كان الشيوعيون رواد الشراكة اليهودية – العربية في انتخابات الكنيست. دخل حزب ماكي، الحزب الشيوعي الاسرائيلي، الى الكنيست الاولى وحتى الخامسة بممثلين يهود (بمن فيهم مئير فلنر، وهو احد الموقعين على وثيقة الاستقلال)، الى جانب عرب (توفيق طوبي واميل حبيبي). ولكن الخلافات الايديولوجية ذات الطابع القومي التي تناولت موضوع الصراع الاسرائيلي – العربي تسببت بانقسام الحزب. وفي العام 1977، استعدادا لانتخابات الكنيست التاسعة، تاسس حزب حداش الى جانب الاعضاء العرب في الحزب. وقد ضم في صفوفه يهود ايضا مثل تشارلي بيتون من حزب الفهود السود، وبعد ذلك تمار جوجانسكي ودوف حنين وعوفر كسيف. ولكن الطابع الشيوعي لحزب الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش) جعل الكثير من الناخبين ينفرون.
أما القائمة التقدمية للسلام، التي نشطت في الاعوام 1984 – 1992، فقد سعت الى تقديم توجه مختلف. وجاء في اعلانات الحزب: “قوة مشتركة ومستقلة، لا تخضع لأي سلطة، سواء محلية أو اقليمية أو دولية”. وكان من بين اعضاء الحزب الصحافي اوري افنيري، رئيس تحرير صحيفة “هعولام هزيه” الاسبوعية، الذي تم وضعه في المكان الـ 120 الرمزي في القائمة. وقد اثارت لقاءات اعضاء القائمة مع ممثلي م.ت.ف، في ايام كان هذا فيها غير قانوني، انتقادات من اليمين، واتهامات بانهم كانوا مبعوثين لياسر عرفات. وفي حزيران 1984، قبل بضعة اسابيع على الانتخابات، استدعى وزير الدفاع في حينه موشيه آرنس اعضاء القائمة لاستجوابهم بهدف توضيح موقفهم من الاعتراف بالدولة وحدود الرابع من حزيران 1967، وموقفهم من الارهاب ومن م.ت.ف. وقد اطمأن للاجابات التي حصل عليها. وقد اعترف بيلد وقال: “في بعض الاجزاء، اتخذ الحوار طابع استجواب الشرطة. وكان للاستجواب طابع عنصري واضح”. مع ذلك ورغم موافقة وزير الدفاع بقيت الطريق الى صناديق الاقتراع مسدودة. فقد استبعدت لجنة الانتخابات المركزية القائمة – الى جانب استبعاد قائمة كاخ – ولم يتم الغاء قرار الاستبعاد الا بعد تقديم التماس للمحكمة العليا. وبعد تمهيد المحكمة العليا الطريق امامها الى الكنيست، تم ارسال جدعون ليفي لتغطية المؤتمر الصحفي الذي عقدته القائمة التقدمية. وكتب عن اطلاقها: “كان هناك حديث عن ثورة في دولة اسرائيل”. للمرة الاولى تمثيل متساوي بين اليهود والعرب، مسار جديد ومنصة جديدة وتوجه جديد… العرب واليهود ممثلون بالتساوي”. واوضح عطا الله منصور، مراسل الشؤون العربية في “هآرتس” بانه: “للمرة الاولى منذ قيام الدولة اختفت القوائم العربية الخالصة. وتعتبر المحاولة غير المسبوقة لتشكيل قائمة عربية – يهودية ابتكار ثوري”. وفي مقابلة مع جدعون ليفي قال ميعاري: “هذا يعتبر تغيير يخيف المؤسسة الامنية الاسرائيلية. هم يخشون أي خطوة نحو تعاون يهودي – عربي نزيه ومحترم”.
في ذروة قوتها في انتخابات 1984 تمكنت القائمة التقدمية من ايصال عضوين الى الكنيست، بيلد وميعاري، ولكن بسرعة بدأت المشاكل في الظهور. ونقل عن “هآرتس” قولها “توجد مشكلات في القائمة التقدمية. وقد تصاعد التوتر بالفعل. لقد قاموا بتشكيل القائمة بدون أي برنامج تقريبا، باستثناء القضية الفلسطينية. والان يجب عليهم معالجة الكثير من المشكلات المعقدة”. ولم يمر وقت طويل حتى ظهر مثال واضح. ففي العام 1985، وجه بيلد استجواب لوزير الداخلية يوسف بورغ: لماذا لا يفتحون شواطيء للعراة؟. الناخبون العرب لم يتقبلوا المبادرة بنفس الحماسة، وتساءلوا، حسب “هآرتس”، اذا كانوا قد صوتوا لصالح القائمة “لانشاء جمعية للعراة هنا”.
في العام 1988 ترشح الحزب من جديد للكنيست. وقال ميعاري في اعلانحملته الانتخابية: “هذه قريتي، أنا ولدت هنا وعائلتي عاشت هنا لاجيال”. وقد التقطت له صورة الى جانب اشجار الصبار في المكان الذي كانت توجد فيه قرية البروة في شرق عكا حتى العام 1948، عندما استولى عليها الجيش الاسرائيلي في حرب الاستقلال. وقال ميعاري: “كان عمري ثماني سنوات عندما تم طردنا من القرية واصبحنا لاجئين في وطننا”. المذيع قدمه بالقول “شخص فخور، ابن الوطن، ناضل من اجل شعبه”. وجاء في البيان ايضا “عرف الاهانة وعانى من الاعتقال وتم تقييد حركته، لكنه لم ينكسر ولم يلين ولم يستسلم للكراهية”. واستمر البث بتقديم زميله بيلد، وجاء في البيان عنه: “شخص مناضل، احد قادة البلماخ، جنرال في الجيش الاسرائيلي وعضو في هيئة الاركان العامة”، مع صورة له بالزي العسكري خلفه، والى جانبه صورة رئيس الحكومة دافيد بن غوريون. واوضح البيان مفسرا تحوله: “وفاء لمبادئه انفصل عن المؤسسة الاسرائيلية وانضم للنضال من اجل السلام”. وقال بيلد: “الحوار بين اليهود والعرب في اسرائيل، وبين اسرائيل والشعب الفلسطيني والشعوب العربية الاخرى أمر مهم جدا، لانه بدون هذا الحوار أنا لا أرى أي مستقبل لدولة اسرائيل”.
وقال المذبع، لقد تعاون بيلد وميعاري ورفعا راية النضال المشترك، كل واحد منهما متجذر في شعبه، ويسيران معا نحو السلام والمساواة. وفي مقطع آخر في الاعلان تحدث حاييم هنغبي، عضو آخر في القائمة، واوضح بقوله “لا يمكن حل أي مشكلة ثقافية او اجتماعية في داخل اسرائيل بدون حل القضية الفلسطينية، الذي يعني اقامة دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل”. بدأ الاعلان برموز السلام: حمامة بيضاء ومصافحة حارة وقوس قزح ملون.
في اعلان انتخابي آخر للقائمة بدأ بعبارات مسيئة وجهها نشطاء من اليمين لاعضائها، حيث هتفوا “ارحلوا، يا م.ت.ف، ارحلوا أيها الخونة”. وصرحت عضوة الكنيست غيؤولا كوهين من حزب النهضة: “هذا حزب يحصل على الاوامر مباشرة من م.ت.ف، من عرفات، لا شك في ذلك”. لم يسلم بيلد، الذي ظهر في الاعلان من الانتقادات، فوصل كوهين بالمجنونة وقال ان دعايتها سخيفة.
ومن الشخصيات الاخرى التي ظهرت في الاعلان الانتخابي للحزب المخرج ايال سيفان، الذي اعلن فيه بانضمامه للقائمة التقدمية للسلام لحل ما وصفه بـ “المشكلة الاسرائيلية التداولة في الاخبار: السلام الاسرائيلي – الفلسطيني”. واوضح سيفان للناخبين المحتملين بان “الشراكة بين اليهود والعرب المستقلين في مواقفهم والذين توحدوا من اجل السلام تمنحني الشعور بالامان. فرغم الخلافات وصعوبة النقاشات، الا انهم يسيرون معا، وهذا يعني امكانية تحقيق السلام. اضافة الى ذلك، المباديء التي يتبنوها واضحة ومباشرة، خلافا للاحزاب التي تتلعثم بالكلام”.
في هذا الاسبوع، بعد مرور 38 سنة، قال سيفان لـ “هآرتس”: “كان عمري 24 سنة في حينه، لكن أنا لا اعتقد ان موقفي السياسي تغير. اذا كان هناك أي تغيير فهو ازديادة شدة مواقفي المناهضة للصهيونية. الآن لن اشارك في اي حملة انتخابية لأي حزب في اسرائيل. لقد خاب املي في امكانية التاثير على المجتمع الاسرائيلي في الداخل. مع ذلك انا غير متاكد من ان التغيير قد حصل لي شخصيا. فمنذ ان اصبحت اسرائيل والمجتمع الاسرائيلي اليهودي اكثر فاشية اصبحت مواقفي تميل اكثر لليسار”. في انتخابات 1988 دافعت المحكمة العليا من جديد عن القائمة ورفضت التماس ضد عدم استبعادها من قبل لجنة الانتخابات. هذه المرة انتخب ميعاري للكنيست بشكل مستقل، وبسبب ازدياد شدة مواقفه انسحب الاعضاء اليهود من الحزب. ووصل الخلاف مع الاعضاء اليهود الذروة في فترة حرب الخليج في 1991، عندما اعرب ميعاري عن دعم الرئيس العراقي صدام حسين. وقال ميعاري لصحيفة “حداشوت”: “أنا ضد تدمير العراق وضد العدوان الامريكي. لست من الذين يرقضون على الاسطح، ولست رادار يوجه الصواريخ نحو تل ابيب، لكن أنا أتفهم من يفعل ذلك. هم مضطهدون ويفرغون ضغط 23 سنة من الاحتلال”.
ردا على هذه الاقوال كتب هنغبي له في رسالة وداع: “حقيقة اختيار كل واحد منا طرف مختلف في حرب الخليج تلزمني باستخلاص كل الدروس، والا فاني اكون قد خنت ضميري. هذا انسحاب كامل من هيكل حزبي يدعم الطاغية والاستبداد، اللذين آمل بشدة هزيمتهما”. ميعاري رد على اعلان الانسحاب بقوله: “ليغفر الله له”.
لم يستمر الحزب لفترة طويلة. ففي العام 1992 لم يتجاوز نسبة الحسم وانتهى نشاطه، خلافا لحزب الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش)، الذي ما زال قائما. ما زالت اعلانات حداش الانتخابية عالقة في العقول حتى بعد مرور سنوات. ففي العام 1988 ظهر الممثل محمد بكري في واحد منها واقتبس بياليك: “هل تعتقدون انني لا افهم اللغة العبرية؟ من يقول ترانسفير لا يخيفني. هل أبدو لكم انسان أو مشكلة ديمغرافية فقط؟”. في العام 1992 نشرت حداش اعلان انتخابي بعنوان “الخفة التي لا تطاق”، ظهر فيه يهودي يعيش في عزلة في اسرائيل، ويعلن “أنا انسان حر، يهودي حر في ارضي الحرة”. وعلى انغام ترنيمة “نور، نور، نور”. هو لا ينفعل من كونه مجبر على ارتداء سترة واقية وخوذة والتسلح بقنابل وصواريخ عندما يريد الخروج من البيت، الى أن ينهار. في 2022 رافق الحملة الانتخابية لحداش شعار “اليهود والعرب يرفضون ان يكونوا اعداء”.
في انتخابات 2026، يوجد امام من يؤيدون الشراكة بين العرب واليهود عدة خيارات. فاذا الى جانب حزب حداش المخضرم، يخوض حزب جديد الانتخابات، حزب “مكان للجميع”، وهو حزب يهودي – عربي برئاسة رولا داود والون ليغرين. وينص برنامجه الانتخابي على “هذا المكان هو وطننا جميعا، يهود وعرب، الذين يحبون هذه البلاد ويرفضون التخلي عنها ويؤمنون بان فيها مكان للجميع”. يأتي يوآف سيغلوفيتش في المكان الثاني بعد منصور عباس في حزب “راعم”.
يقدم حزب “معك يا اسرائيل” الجديد الذي اسسه عوفر فنتر ويوسف حداد شراكة يهودية – عربية، لكن من نوع مختلف. ففي حملتهما الانتخابية في الوسط العربي يؤكد المرشحان على انهما لا يستهدفان هوية الفلسطينيين الانتخابية، بل الذين يعتبرون انفسهم اسرائيليون وطنيون. وكتب حداد مؤخرا في الفيس بوك: “لقد حان الوقت للعرب الاسرائيليين، الفخورين بعربيتهم واسرائيليتهم أن يكون لهم وطن سياسي! لقد حان الوقت ليكون في الكنيست ممثلون عرب لا يعملون من اجل قطاع غزة وجنين ورام الله، بل من اجل الناصرة وشفا عمر ورهط. سنثبت ان كل من يريد ان يكون جزء من هذه البلاد ويحبها، هو جزء لا يتجزأ من المجتمع الاسرائيلي، بغض النظر عن الاصل والدين. اما الذي يروج للانفصال والاضرار بالبلاد من الداخل، فسنرسله الى مزبلة التاريخ”.
——————————————-
مسؤول سابق في “الموساد” يهاجم نتنياهو: “النهضة” المزعومة تحولت إلى انهيار
نشر موقع “والاه” “الإسرائيلي” مقالاً للمسؤول السابق في جهاز “الموساد” ورئيس قسم أسرى الحرب والمفقودين سابقاً رامي إيغرا، شنّ فيه هجوماً حاداً على رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو وسياساته، مؤكداً أن ما يُروّج له على أنه “نهضة” بعد أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر “هو في الحقيقة انهيار وحضيض إستراتيجي غير مسبوق”.
وأوضح إيغرا أنه في خضم السجال السياسي لانتخابات 2026، يحاول الطرف الداعم للحكومة تمجيد ما يصفه بـ “النهضة”، متجاهلاً الثمن الباهظ الذي دفعته “إسرائيل” من مئات القتلى وآلاف الجرحى، وانهيار المصالح الاقتصادية وتدمير “المجتمعات والمنازل” في الشمال والجنوب. وأضاف أن “هذه السياسة التي اعتمدت على التصور القائل، إن استخدام المزيد من القوة وحده يجلب الأمان، أدارت القتال دون أي هدف سياسي، واستنزفت الموارد البشرية والاقتصادية بشكل كامل”.
إنجازات عسكرية وفشل إستراتيجي
وأكد المسؤول السابق في “الموساد”، أن نتنياهو قاد الكيان الصهيوني إلى حضيض إستراتيجي عميق؛ ففي غزة، وعلى الرغم من تدمير العقارات والإضرار بقدرات حماس، انتهى المطاف بنتنياهو بالتوقيع على وثيقة قطرية أُطلق بموجبها سراح المعتقلين، والقبول بتدويل القطاع وتحويله إلى محمية تحت رعاية “مجلس ترامب للسلام”، مع الانسحاب وإعادة الإعمار في مرحلة أولى لإقامة دولة فلسطينية، مشيراً إلى أن حماس لا تزال موجودة ولها مستقبل مضمون أميركياً، وفق تعبيره.
وفي الملف الإيراني، زعم إيغرا أنه بعد تصفية ما أسماه “القيادة البراغماتية”، استولى الحرس الثوري على السلطة بقيادة أكثر “تطرفاً وسعياً للانتقام لمقتل السيد علي خامنئي”، وفق تعبيره.
وأضاف أنه “على الرغم من الأضرار التي لحقت بقدرات التخصيب المستقبلي، فقد تضاعف الحافز لإنشاء منشأة نووية، مع بقاء المواد المخصبة الموجودة حالياً دون مساس”. كما لفت إلى أن الولايات المتحدة باتت عالقة في صراع معقد عند مضيق هرمز، وسط اتهامات لواشنطن بأن “إسرائيل” جرّتها إلى مواجهة دموية وأزمة اقتصادية، ما جعل الكيان منبوذاً حتى لدى أكبر حلفائه.
توسع الجبهات والعزلة الدولية
وفي ما يخص الجبهة اللبنانية، ذكر الكاتب أنه على الرغم من الأضرار التي لحقت بحزب الله، فإن الحركة “حية وموجودة وتنشط”، وقد تمكنت إيران من إدخالها في معادلة وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، في وقت لا تزال المستوطنات الشمالية بعيدة عن التعافي وأمنها موضع شك.
وتطرق إيغرا إلى الجبهة الداخلية والضفة الغربية، مشيراً إلى أن هذه “النهضة” تميزت باستيطان غير منضبط وبصعود الإرهاب اليهودي الذي ألحق ضرراً بالغاً بسمعة الكيان في العالم وفي الأوساط الأكاديمية والتجارية، فضلاً عن تصاعد موجات الكراهية والتضييق على اليهود في العالم. وختم بالإشارة إلى أن الغرور “الإسرائيلي” امتد لإثارة الجبهة مع تركيا.
وختم المسؤول السابق في “الموساد” مقالته بالتأكيد على أن “النهضة” التي تروّج لها حكومة نتنياهو هي كارثة ذات تداعيات لأجيال تفوق كارثة السابع من تشرين الأول/أكتوبر، مشدداً على أنها أثبتت وجود قيادة تعاني من سوء فهم أساسي للعدو وتغلب الحاجة السياسية الشخصية على التقدير السليم، في وقت يحاول نتنياهو بيع الشارع “الإسرائيلي” “انتصاراً وهمياً”.
—————-انتهت النشرة—————–

