المسار : بعد 3 سنوات من أزمة دبلوماسية متصاعدة، قررت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات العربية المتحدة، في خبر أعلن عنه عبر قناة رسمية، مع منح السفير الإماراتي في البلاد مهلة 48 ساعة للمغادرة
وفي البداية، ذكر بيان مقتضب بثه التلفزيون الجزائري على شكل “عاجل”: الجزائر تقرر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة وذلك بعد استنفاد جميع الوسائل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية”.
ولاحقا، ذكر بيان الخارجية الجزائرية في مبررات القرار أنه “إزاء تزايد التصرفات الاستفزازية أو العدائية الصادرة عن دولة الإمارات العربية المتحدة”، تحلت الجزائر “بقدر كبير من ضبط النفس وبحس عال من المسؤولية”، ولم تدخر، “انطلاقا من روح الاحترام الكامل للمبادئ التي تحكم العلاقات بين الدول”، أي جهد في لفت انتباه الجانب الإماراتي وتحذيره من “العواقب الوخيمة” التي قد تترتب عن “سلوكياته المؤسفة وغير المبررة”.
وأضافت الوزارة أنه “على الرغم من هذه التحذيرات العديدة، واصلت دولة الإمارات العربية المتحدة تماديها في هذه التصرفات التي بلغت حدودا لم يعد من الممكن معها اعتبارها مقبولة أو قابلة للتحمل في إطار العلاقات القائمة بين دولتين ذاتي سيادة أو أن تبقى من دون رد”.
وبناء على ذلك، أكدت وزارة الشؤون الخارجية أنه “بعد استنفاد جميع السبل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية”، قررت الحكومة الجزائرية، الخميس، “قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة”.
وفي الإجراء المرافق للقرار، تم استقبال سفير دولة الإمارات العربية المتحدة بمقر وزارة الشؤون الخارجية، اليوم الخميس 10 أيلول/ سبتمبر 2026، حيث تم تبليغه رسميا بفحوى القرار. كما أُبلغ السفير الإماراتي، وفق البيان ذاته، بأنه “قد منح مهلة قدرها 48 ساعة للامتثال لهذا القرار”.
مسار طويل من التوتر
ويأتي القرار كنتيجة لمسار طويل من التوتر الذي بدأ يأخذ منحى علنيا منذ صيف 2023، قبل أن ينتقل تدريجيا من الحملات الإعلامية والاتهامات غير المباشرة إلى تصريحات رئاسية مباشرة، ثم إلى إجراءات رسمية طالت التعاون بين البلدين.
لكن جذور الخلاف كانت أقدم من ذلك، إذ تعود نقاط التحول إلى سنة 2020، عندما انتقد الرئيس عبد المجيد تبون اتفاقات التطبيع الإبراهيمية والتي كانت الإمارات أبرز الفاعلين فيها، واصفا مسار التطبيع العربي بأنه “هرولة”. ومنذ ذلك الحين أخذت العلاقات بين الجزائر وأبو ظبي مسارا أكثر برودة، على الرغم من استمرار التعاون.
وفي صيف 2023، أصبح الخلاف أكثر وضوحا. فقد تصاعدت التحذيرات الصادرة عن سياسيين جزائريين مقربين من السلطة من الدور الإماراتي في المنطقة. وكان من بين الملفات التي أثارت حساسيات خاصة احتمال انتقال موجة التطبيع إلى دول الجوار، ولا سيما تونس وموريتانيا، بعد زيارات لمسؤولين إماراتيين إلى المنطقة.
وفي أغسطس/آب 2023، حذر رئيس حركة البناء الوطني عبد القادر بن قرينة من “الزيارات” الإماراتية إلى تونس، متحدثا عن احتمال دفعها نحو التطبيع. كما دعت زعيمة حزب العمال لويزة حنون عقب لقاء مع الرئيس تبون إلى تقويض العلاقات مع الإمارات، واصفة وجودها الاقتصادي بالخطر السيادي على البلاد.
ومن أبرز الاستثمارات الإماراتية في الجزائرية خلال سنوات الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة التي تطورت فيها العلاقات بشكل غير مسبوق، صفقة تسيير ميناء العاصمة الذي عاد لشركة موانئ دبي، بالإضافة إلى شراكة مع الجيش لتصنيع مركبات النقل العسكرية تحت علامة مرسيدس وشركة التبغ الوطنية التي استحوذ عليها رجل أعمال إماراتي مثير للجدل.
من المشاريع المتعثرة التي أسالت حبرا كثيرا في الوقت ذاته، مشروع أبراج “دنيا بارك” الذي كان من المفترض أن تنجزه شركة إعمار الإماراتية ويتضمن إقامة منتجع وأبراج سكنية في الضاحية الغربية للعاصمة، لكن هذا المشروع لم يظهر له أثر على الرغم من انتزاع قطعة أرضية بمساحة ضخمة من أصحابها لصالح الشركة. وانتهت هذه القصة باستعادة الدولة الجزائرية الأرض بعد دخولها مع الطرف الإماراتي في نزاع أمام المحاكم.
اتهام الإمارات يأخذ طابعا رسميا
وبعد أن ظل الحديث عن الإمارات محصورا في الإعلام ولدى السياسيين، منح في كانون الثاني/ يناير 2024، صبغة رسمية، بإصدار المجلس الأعلى للأمن في الجزائر، بيانا أبدي فيه أسفه لما قال إنها “تصرفات عدائية مسجلة ضد الجزائر، من طرف بلد عربي شقيق”، وهو ما فُهم مباشرة على أنه تحذير للإمارات.
وبعد ذلك، رفع الرئيس تبون مستوى الاتهام مباشرة. ففي مارس/آذار 2024، تحدث عن وجود أموال إماراتية في بؤر التوتر المحيطة بالجزائر، قائلا: “في كل الأماكن التي فيها تناحر، دائما مال هذه الدولة موجود”، وذكر تحديدا مالي وليبيا والسودان، مضيفا أن الجزائر لا تكن العداوة لأحد، لكن “للصبر حدود”.
لكن في يونيو/حزيران 2024، بدا أن هناك محاولة لكسر هذا المسار. فقد ظهر تبون ونظيره الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان في حديث جانبي على هامش قمة مجموعة السبع في إيطاليا، في أول لقاء علني بينهما بعد فترة طويلة من التوتر. وكان اللقاء بمثابة إشارة إلى إمكانية تهدئة الخلاف، خصوصا أن البلدين لم يكونا قد وصلا في ذلك الوقت إلى القطيعة الرسمية.
وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه، أعلنت الرئاسة الجزائرية أن تبون تلقى اتصالا هاتفيا من محمد بن زايد لتهنئته بإعادة انتخابه، وأن الرئيسين اتفقا على عقد لقاء يجمعهما “قريبا”. واعتُبر الإعلان حينها محاولة أخرى لإعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي، بعد أشهر من التصعيد.
غير أن مساعي التهدئة لم تصمد أمام واقع الخلاف العميق بين البلدين. فعلى مدار سنتي 2024 و2025 مع استثناءات زمنية قليلة، استمرت القضايا الإقليمية في تغذية التوتر، في وقت ظلت الجزائر تنظر بريبة إلى الدور الإماراتي في ملفات الساحل وليبيا والسودان والتطبيع، وإلى العلاقات الوثيقة بين أبو ظبي والرباط.
كما عاد التوتر إلى الواجهة بقوة عندما دخل الإعلام الرسمي الجزائري مباشرة على خط المواجهة. فقد شن التلفزيون الجزائري في أيار/مايو 2025 هجوما شديد اللهجة على الإمارات عقب بث قناة “سكاي نيوز عربية” برنامجا استضاف المؤرخ الجزائري محمد الأمين بلغيث، تضمن تصريحات حول الأمازيغية أثارت غضبا واسعا في الجزائر. واعتبر التلفزيون الجزائري ما حدث “تصعيدا إعلاميا خطيرا” و”استهدافا لثوابت الشعب الجزائري”، متوعدا بالرد.
التمهيد لقطع العلاقات
وفي بداية 2026، انتقلت الجزائر إلى إجراءات عملية. فقد باشرت السلطات إجراءات إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية مع الإمارات، وهي الاتفاقية الموقعة في أبو ظبي في 13 مايو/أيار 2013 والمصادق عليها في الجزائر في ديسمبر/كانون الأول 2014. وأبلغت الجزائر الجانب الإماراتي بقرارها، كما شرعت في الإجراءات المرتبطة بإخطار منظمة الطيران المدني الدولي.
وقبل ذلك، صرّح الرئيس الجزائري في فبراير/شباط 2026، من دون تسمية الإمارات صراحة، بأن دولة خليجية حاولت التدخل في الانتخابات الرئاسية الجزائرية، وقال إن علاقات الجزائر مع دول الخليج “ممتازة باستثناء دولة واحدة”. وأضاف مخاطبا تلك الدولة: “لا تتركونا نندم على اليوم الذي عرفناكم فيه”، مؤكدا أن الجزائر تريد أن تبقى “قوة استقرار وقوة خير”.
ثم جاءت تصريحات أكثر حدة في مايو/أيار الماضي، عندما علق تبون على قرار الإمارات الانسحاب من منظمة “أوبك” و”أوبك+”، واصفا الأمر بأنه “لا حدث”، قبل أن يقول: “انتهى الخطاب وطوي الكتاب معهم، الشامي شامي والبغدادي بغدادي”. ونُظر إلى العبارة في ذلك الوقت باعتبارها مؤشرا واضحا على أن العلاقات وصلت فعليا إلى مستوى القطيعة السياسية، حتى قبل إعلانها رسميا.
وبذلك، فإن قرار قطع العلاقات الذي أعلن عنه التلفزيون الجزائري اليوم ليس مفاجئا، بل يمثل الحلقة الأخيرة في مسار استمر نحو ثلاث سنوات، بدأ بحملات إعلامية ثم تحول إلى مواجهة سياسية، قبل أن تتخلله محاولات محدودة للتهدئة والاتصال بين قائدي البلدين لم تكلل بالنجاح.
ومن أن تصدر من الجزائر تفاصيل أوضح لقرارها قطع العلاقات مع الإمارات، عبر تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون أو وزير الخارجية أحمد عطاف، على غرار ما فعلته لدى اتخاذها قرار مشابها مع المغرب في أغسطس سنة 2021 حيث تلا حينها وزير الخارجية الجزائري بيانا رئاسيا يسرد الدوافع التاريخية والسياسية التي أدت للقرار.

