بعد ثلاث سنوات على «طوفان الأقصى»، تكشف المراجعات الإسرائيلية اتساع المأزق الاستراتيجي وعجز الحرب عن حسم الجبهات، فيما تتفاقم أزمة الثقة ويواصل نتنياهو الهروب من المحاسبة.
المسار: لم تُخرج ثلاث سنوات من الحرب، إسرائيل، من المأزق الذي كشفته عملية «طوفان الأقصى»؛ تماماً كما لم تفلح نتائج آلة القتل والتدمير في طمس أسئلة الإخفاق والمحاسبة. ففي الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر، حضرت هذه الأسئلة مجدّداً في الشارع والإعلام الإسرائيليَّين، وسط اتهامات لرئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، بإخضاع إدارة الحرب وحياة الأسرى الإسرائيليين لحسابات بقائه السياسي، فيما جدّد الأخير تعهّده بـ«استكمال المهمة». وأظهرت المراجعات التي قام بها محلّلون ومراقبون إسرائيليون في الذكرى، اتّساع الفجوة بين حجم القوة المستخدمة والنتائج الاستراتيجية للحرب، وذلك في ظلّ استمرار حضور أعداء إسرائيل في غزة ولبنان واليمن والعراق وإيران، وتراكم الأعباء الاقتصادية، وتعذّر ترميم الثقة بمؤسّسات الكيان.
وسبقت الذكرى استعداداتٌ أمنية عكست استمرار خشية العدو من هجوم جديد. إذ أفاد المراسل العسكري لصحيفة «معاريف»، آفي أشكنازي، بأن المستويات الرفيعة تأخذ في الحسبان احتمال تعرّض إسرائيل لهجوم من «حماس» أو «حزب الله» أو إيران، رغم عدم وجود إنذار محدّد. وفي هذا السياق، قرّر رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، إجراء تدريب مفاجئ للجبهة الداخلية، في حين عُقدت جلسة لتقدير الموقف بمشاركة قائد الشرطة، داني ليفي، ورئيس «الشاباك»، ديفيد زيني، تناولت المعطيات الاستخبارية والاستعدادات الدفاعية وإجراءات تأمين الانتخابات المقبلة. وجاء ذلك في وقت تجمّع فيه محتجّون أمام منازل وزراء، وقرأوا أسماء أسرى قُتلوا في الحرب، محمّلين المسؤولين تبعات الإخفاق في سبعة أكتوبر. وأفادت صحيفة «يديعوت أحرونوت» باعتقال شخصَين من أمام منزل نتنياهو في قيساريا، حيث كانا يشاركان في تظاهرة للمطالبة بالتحقيق في أحداث اليوم المذكور، التي لا يزال نتنياهو يرفض تشكيل لجنة حولها -وهو ما تناوله كاريكاتير لصحيفة «هآرتس»-.
في المقابل، استثمر وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، الذكرى للتحريض على توسيع العدوان في الضفة الغربية. إذ استحضر، في تسجيل قرب طولكرم، توقيت بدء الهجوم عند السادسة والدقيقة التاسعة والعشرين، قائلاً إن إسرائيل يجب ألّا تنتظر تكرار السابع من أكتوبر، مضيفاً: «نحن بحاجة إلى تفكيك السلطة الفلسطينية، وتجريدها من السلاح»، و«عندما نواجه تهديداً، لا ننتظر. بل نتصرّف قبل فوات الأوان». أما المعارضة، فلم تَخرج انتقاداتها للحكومة عن حدود المزايدة عليها في الدعوة إلى مزيد من العدوان؛ وهذا ما ظهر مثلاً في تصريح لأفيغدور ليبرمان من أمام معبر كرم أبو سالم، حيث اتّهم الحكومة بمواصلة «تمويل حماس» عبر السماح بدخول البضائع إلى سكان قطاع غزة. وتساءل ليبرمان، خلال وجوده في موقع حفل «نوفا» في رعيم: «والآن مرّت ثلاث سنوات، أين النصر؟ أين التغيير في النهج؟»، داعياً إلى احتلال القطاع بأكمله والقضاء على الحركة، والاتفاق مسبقاً على الجهة التي ستتولّى إدارة الوضع هناك. وكان نتنياهو كرّر تعهّده بمواصلة الحرب، قائلاً: «سنستكمل المهمة وسنحاسب كلّ من شاركوا في هجمات 7 أكتوبر».
لم تنجح آلة القتل والتدمير في إخراج إسرائيل من مأزقها
غير أن المراجعات الإسرائيلية كشفت مجدّداً حدود القوة التي يراهن عليها قادة العدو. وكتب المحلّل العسكري في «هآرتس»، عاموس هرئيل، أن إسرائيل دخلت، عقب هجوم السابع من أكتوبر، «حرباً لم تُحسم ولم تنتهِ على أيّ جبهة»، وأن شدّة الضربات التي وجّهتها إلى أعدائها لم تُخرجها من «مأزقها الاستراتيجي». وعاد هرئيل إلى السنوات التي سبقت العملية، مذكّراً بأن المجموعة التي قادها قائدا «حماس»، يحيى السنوار ومحمد الضيف، أعدّت، بين عامَي 2016 و2021، عشر صيغ للخطة العملياتية، وصلت ستّ منها إلى «شعبة الاستخبارات العسكرية» الإسرائيلية. ومع ذلك، لم يتّخذ جيش الاحتلال، الذي أطلق على الخطة اسم «سور أريحا»، ما يكفي من إجراءات لإحباط تنفيذها. وأرجع الكاتب الإخفاق إلى استخفاف أجهزة الاستخبارات بقدرات «حماس» وجدّيتها، واطمئنانها إلى أن «التفوّق التكنولوجي والاستخباري سيضمن إنذاراً مسبقاً». لكن مقاتلي المقاومة اخترقوا الجدار، صباح العملية، في أكثر من مئة نقطة ما بين 15 و30 دقيقة، وحقّقوا تفوّقاً عددياً بلغ، في مواقع عدّة، سبعة أو ثمانية إلى واحد. وبينما انشغلت وحدات الاحتلال وقتها بالدفاع عن مواقعها، عطّلت الكمائن وصول التعزيزات عبر الطرق الرئيسة. ولخّص ضابط في لواء «غولاني»، نقل هرئيل شهادته، الانهيار بقوله إن ما جرى «لم يكن فقط فشلاً استخبارياً أو عملياتياً، بل كان فشلاً معرفياً». ذلك أن المعلومات المتراكمة لم تدفع المؤسسة العسكرية إلى مراجعة تصوراتها عن «حماس»؛ وحتى بعد بدء الهجوم، تأخّرت في إدراك حجمه وتطبيق السيناريوات التي تدرّبت عليها. وقال العقيد عيدو كاتس، الذي قاد تحقيق جيش العدو في معركة معسكر «ناحل عوز»، من جهته، إنه، رغم خدمته 18 عاماً في «الكوماندوس» البحري، ربما لم يطّلع على ملف عملية يضاهي خطط «حماس» للسيطرة على المعسكر من حيث النطاق والعمق، قائلاً: «لقد شنّوا عملية استخبارية خاصة ضدّنا».
وبعد ثلاث سنوات، لم تُترجم التحصينات العسكرية الإسرائيلية حول غزة وداخلها استعادةً كاملة لثقة سكان المستوطنات القريبة، بجيشهم. وبحسب هرئيل، أقامت قوات الاحتلال نحو أربعين موقعاً، معظمها على التلال الواقعة على عمق يقارب كيلومتراً داخل القطاع. وفيما قال رؤساء المجالس الإقليمية في الغلاف إن نحو 90% من السكان عادوا إلى منازلهم، لم تمحُ العودة وإعادة الإعمار تجربة «الانتظار ساعات طويلة من دون نجدة».

