| الصحافة الاسرائيلية- الملف اليومي
افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
معهد بحوث الأمن القومي (INSS) 8/10/2026
“نظام الإشارات الضوئية”، لتنفيذ خطة مجلس السلام لقطاع غزة، سياسة مُقترحة لإسرائيل
بقلم: تامير هايمن مدير معهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي، رئيس الاستخبارات العسكرية الاسبق
ملخص تنفيذي
خلفية عامة وسياق
الخلفية: “الغموض البنّاء” كمنهج عمل أمريكي
وافقت الحكومة الإسرائيلية على نشر القوة الدولية في قطاع غزة – قوة الاستقرار الدولية. هذه بداية تنفيذ خطة “مجلس السلام” المكونة من 20 بندًا. في حال نشرها، سيتم تحقيق رؤية أمريكية أوسع نطاقًا على أرض الواقع، تتجاوز مجرد حل محلي للقطاع: تعمل الولايات المتحدة أيضًا بجدّ لتنفيذ هذه الرؤية في سوريا ولبنان. وخلافًا للادعاء الشائع بأن الرئيس ترامب لا يملك استراتيجية منهجية للشرق الأوسط، فإن هناك مبادئ توجيهية واضحة في السلوك الأمريكي في المنطقة، والتي، على الرغم من تداخلها مع اعتبارات نفعية تتعلق بالمصالح الاقتصادية والتجارية، تشير إلى فكرة تنظيمية.
إحدى الوسائل الرئيسية لتنفيذ هذه الرؤية هي “الغموض البنّاء”: أي أنه عند توقيع الاتفاقيات (مع إيران أو حماس أو لبنان)، لا يتم الاتفاق عمدًا على جزء كبير من التفاصيل، وفي الوقت نفسه، لا يتم الإعلان عنها. وهذا يخلق هامشًا من الحرية في التنفيذ. لكن هذه المرونة لها ثمنها: فالغموض يُصعّب فهم الوضع في الوقت الفعلي، ويمكن لكل طرف تفسير بنود الاتفاقية بما يخدم مصالحه، كما يُحتمل أن تنشأ سوء فهم قد يؤدي إلى العنف، ما يُفقد الاتفاقية صلاحيتها (انظر مذكرة التفاهم مع إيران، حزيران 2026). وبالتالي، يُشوّه هذا الغموض إدراك الواقع، ويزيد من خطر عدم تحديد المخاطر وتفويت الفرص.
تؤثر هذه السياسة بشكل مباشر على إسرائيل، التي وافقت فعليًا على نوع من “الاستعانة بمصادر خارجية أمريكية” في سياسة الأمن القومي. تشارك إسرائيل بالفعل في بعض العمليات، وبالتأكيد عبر قنوات مباشرة مع الرئيس، إلا أن القرارات التي تُشكّل مستقبل علاقاتها مع المنطقة تُتخذ إلى حد كبير في واشنطن. لذا، من الضروري إدراك أن السياسة الإسرائيلية هي في الواقع سياسة الولايات المتحدة، مع أن إسرائيل لا تزال قادرة على التأثير فيها. تُفصّل هذه الوثيقة مقترحًا لتنفيذ السياسة الأمريكية في قطاع غزة بطريقة تسمح بتطبيقها بشكل فعّال في لبنان وسوريا مستقبلًا.
السياق: خطة النقاط العشرين هي تطبيق لفكرة إسرائيلية مع فرض خارجي
عُرضت خطة النقاط العشرين في 29 أيلول 2025 (وفي 17 تشرين الثاني 2026، اعتمد مجلس الأمن القرار 2803، الذي أقرّ خطة النقاط العشرين). وخلافًا للاعتقاد السائد في الرأي العام الإسرائيلي، فإن هذه الخطة ليست فرضًا لفكرة أمريكية، بل هي في الواقع تطبيق لخطة إسرائيلية لما بعد الحرب في قطاع غزة.
وللتوضيح: عُرضت الخطة الاستراتيجية العامة لغزة على مجلس إدارة الحرب عشية بدء المناورة البرية في قطاع غزة (26 أكتوبر 2023). تبنّت هذه الحكومة المخطط الذي قدمته وزارة الدفاع. ويفصّل المخطط الفكرة التالية: بعد قرار حماس (وفقًا للخطة – ثلاثة أشهر لحلّ الكتائب، وتدمير المقاومة السرية، والقضاء على القادة)، ستبدأ “المرحلة الثالثة”، التي يتم فيها نقل السيطرة المدنية في غزة تدريجيًا إلى حكومة تكنوقراطية، غير تابعة لحماس أو السلطة الفلسطينية. وعندما وافق مجلس إدارة الحرب على المخطط، تم الاتفاق على عقد اجتماع موسع لمجلس الوزراء قبل تنفيذ “المرحلة الثالثة” للموافقة على المراحل التالية من التنفيذ. إلا أن هذا الاجتماع لم يُعقد خلال العامين الأولين من الحرب. وكان هذا التأخير أساسًا لانتقادات حادة مفادها أن الحكومة الإسرائيلية لم تضع إطارًا سياسيًا يُكمّل العمل العسكري. وفي نهاية المطاف، فُرض هذا المخطط على الحكومة الإسرائيلية كجزء من الخطة المكونة من 20 بندًا.
تتضمن هذه الخطة، التي شهدت المرحلة الأولى من تنفيذها إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين أحياءً من قبضة حماس، إنشاء مجلس السلام الدولي لغزة، الذي يُفترض أن يُوجّه ويُشرف على الإدارة التكنوقراطية التي ستحل محل حماس في السلطة، وهي اللجنة الوطنية لإدارة غزة. وستتلقى هذه الإدارة الدعم من قوة أمنية دولية للحفاظ على الأمن والنظام والإشراف على نزع سلاح القطاع.
وقد جاء تطبيق الولايات المتحدة للخطة المكونة من 20 بندًا في خريف عام 2025 مدفوعًا بثلاثة تطورات رئيسية: (1) خطة إسرائيلية لاحتلال مدينة غزة وتدميرها بالكامل (خطة مركبات جدعون 3)، مما دفع حماس إلى تقديم تنازلات؛ (2) ضغوط من عائلات الرهائن المحتجزين لدى حماس على الرئيس ترامب لزيادة التزامه بإيجاد حل للأزمة وتنفيذه؛ (3) هجوم إسرائيلي على الدوحة، قطر، والذي قوّض الشعور بالأمن لدى دول الخليج، مما أدى إلى مزيد من الضغوط على الرئيس ترامب. كجزء من الخطة، وافقت إسرائيل على وقف إطلاق النار والانسحاب التدريجي من قطاع غزة بشروط نزع السلاح، والسماح بإعادة الإعمار في المناطق التي سبق “تطهيرها من حماس” حتى بدون تعاونها (المادة 17). أما البند الأكثر حساسية سياسياً فهو موافقة إسرائيل على عملية سياسية مستقبلية، تُفضي إلى إقامة دولة فلسطينية (المادة 19). تُعدّ هذه العملية السياسية الأولية شرطاً أساسياً لتوسيع “اتفاقيات أبراهيم”.
وافقت الحكومة الإسرائيلية على هذا الإطار السياسي، على ما يبدو بافتراض أن حماس لن تفي بالتزاماتها وأن الخطة لن تُنفّذ. سيتم تنفيذ المرحلة الأولى (إطلاق سراح الرهائن)، على أن يُعزى فشل المراحل المتبقية إلى حماس، بما يسمح لإسرائيل باستئناف القتال في قطاع غزة، بدعم أمريكي.
في الواقع، مع بدء عملية “زئير الاسد” ضد إيران في أواخر شباط 2026، تراجعت حماس عن التزامها بتسليم الحكومة التكنوقراطية (المجلس الأعلى للحكم) أسلحتها الثقيلة، بالإضافة إلى أنفاقها ومواقع إنتاج الأسلحة. وردًا على ذلك، واصل الجيش الإسرائيلي احتلال أجزاء إضافية من قطاع غزة (من 53 في المئة وقت خطة النقاط العشرين إلى ما يقارب 65 في المئة اليوم)، وزاد من وتيرة تصفية قادة حماس والإرهابيين الذين شاركوا في مجزرة 7 أكتوبر. من جانبها، امتنعت حماس عن إطلاق النار على إسرائيل، واستثمرت في بناء قوتها الداخلية وتعزيز سيطرتها المدنية على قطاع غزة من خلال فرض الضرائب على البضائع وفرض القانون والنظام.
السياق الحالي، خطة النقاط الخمس عشرة: فرصة تنطوي على ثلاث نقاط ضعف هيكلية
خطة النقاط الخمس عشرة هي اتفاق بين مجلس السلام وحماس، يهدف إلى إقناع الحركة بالموافقة على دخول الحكومة التكنوقراطية إلى قطاع غزة والعودة إلى المسار المتفق عليه. إسرائيل ليست طرفًا في هذا الاتفاق، باستثناء الترخيص اللازم لدخول أي قوة عسكرية أجنبية إلى الأراضي الإسرائيلية (وهو قرار أقره المجلس الوزاري السياسي والأمني). ورغم أن الخطة لا تتعارض رسميًا مع خطة النقاط العشرين، إلا أن صياغتها تُثير إشكاليات من وجهة نظر إسرائيلية: فالنبرة تجاه حماس ترتقي لدرجة التملق، ويُشدد على أمن عناصر حماس خلال المرحلة الانتقالية، كما يوجد تماثل ضمني بين حماس وإسرائيل في الافتراضات الأساسية المتعلقة بانعدام الثقة المتبادل. علاوة على ذلك، تم تحديد ثلاث مشكلات عملية تتطلب ردًا إسرائيليًا فعالًا:
آلية التحقق: تُعد قطر وتركيا جزءًا من الآلية المُفترض أن تُقدم تقريرًا عن نزع سلاح حماس. وأي تقرير تُقدمانه بشأن نزع السلاح سيُلزم إسرائيل باتخاذ خطوة مماثلة بالانسحاب. ومن أهم المخاوف أن كلا البلدين مهتمان في الواقع بالحفاظ على وجود حماس في قطاع غزة، لا بتفكيكها
إيداع الأسلحة: من المفترض إيداع أسلحة حماس لدى سلطة أمنية فلسطينية، لم يتم تحديد تكوينها وصلاحياتها. ليس من الواضح بتاتًا ما يشمله إطار ما يُسمى بـ”الأسلحة الدفاعية” أو “الأسلحة الهجومية” لحماس. وقد يُشكل تصريح حيازة الأسلحة الدفاعية مدخلاً لتكديس الأسلحة الثقيلة. كما أن عدم دقة تحديد الجداول الزمنية والكميات قد يؤدي إلى عجز في السيطرة على مستودعات الأسلحة والإشراف عليها.
هوية قوة الأمن الداخلي: لم يُحدد بدقة من هي القوة الفلسطينية التي ستتولى سلطة حفظ الأمن والنظام في قطاع غزة. إن الاتفاق المبدئي على ضم عناصر من حماس إلى هذه القوة (رهنًا بالموافقة الأمنية وتسليم الأسلحة) قد يُنشئ في الواقع إدارة تكنوقراطية، قوام قوة أمنها الداخلي عناصر من حماس. أما القوة الأمنية البديلة فهي “الشرطة الفلسطينية” المحلية، التي خضعت لفحص أمني وتدريب متخصص تحت إشراف أمريكي في مصر. إلا أن دخول هؤلاء العناصر الأمنية الفلسطينية إلى القطاع يتأخر لأن مصر لا توافق على تدريب قوة فلسطينية على أراضيها دون الحصول أولًا على تعهد من الحكومة الإسرائيلية بإعادتهم إلى غزة ونشرهم هناك.
السياسة المقترحة
الفرصة: الأحمر، البرتقالي، الأخضر – الخريطة الحالية لأراضي قطاع غزة
حتى وقت كتابة هذا التقرير، تنقسم أراضي القطاع إلى ثلاث مناطق تختلف في طبيعتها ودرجة السيطرة عليها. هذا التقسيم هو نقطة الانطلاق لفكرة “إشارات المرور”:
المنطقة الحمراء – حوالي 38 في المئة من أراضي القطاع، وهي منطقة سكنية لنحو 1.8 مليون نسمة من سكان غزة، وتخضع لسيطرة حماس.
المنطقة الخضراء – حوالي 53 في المئة من أراضي قطاع غزة، من حدود القطاع إلى الخط الأصفر الذي حدد نطاق السيطرة الإسرائيلية يوم قبول خطة النقاط العشرين، وتخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي.
المنطقة البرتقالية – حوالي 12 في المئة من أراضي قطاع غزة، وهي الأراضي التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي خارج الخط الأصفر منذ وقف إطلاق النار وحتى اليوم.
إن هذا التقسيم للسيطرة المادية القائمة حاليًا في قطاع غزة – والذي تشكّل تدريجيًا على أرض الواقع، لا نتيجة لسياسة موجهة من أعلى ومصممة لخلق فرصة – يمكن ترجمته إلى إنشاء نظام لإعادة التأهيل ونزع السلاح، بما يضمن عدم تشكيل المنطقة تهديدًا لإسرائيل، ونزع سلاح حماس، وبدء عملية تُفضي في نهاية المطاف إلى نقل القطاع إلى سلطة فلسطينية مُحسّنة (بعد خضوعها للإصلاحات اللازمة). سيُتيح تحقيق هذا الهدف للجيش الإسرائيلي حرية العمل لصد التهديدات، إلى جانب بدء تنفيذ رؤية سياسية. كما أن اعتماد هذا الإطار سيُتيح توسيع نطاق “اتفاقيات أبراهيم” ويُخفف من الانتقادات الدولية الموجهة لإسرائيل والعزلة الدولية المتزايدة حولها.
تفاصيل المخطط المقترح – توصيات عملية للسياسة
مخطط “إشارات المرور” – تطبيق تفاضلي وفقًا لثلاثة مجالات
في المنطقة الحمراء – ستتولى الإدارة التكنوقراطية لغزة (المجلس الوطني لإدارة غزة) زمام الأمور، وستنقل حماس السلطة المدنية إليها، مع احتفاظها مؤقتًا بالأسلحة الخفيفة لأغراض الدفاع عن النفس فقط. من جانبها، ستلتزم الحكومة الإسرائيلية أمام مصر بالموافقة على عودة قوة الشرطة الفلسطينية التي تدربت هناك إلى قطاع غزة (بعد الفحص الأمني والموافقة). وبناءً على سرعة وكفاءة نشر قوة الشرطة الفلسطينية، سيتم وضع جدول زمني ملزم لتسليم الأسلحة الخفيفة المتبقية في حوزة حماس. من المهم تحديد ما سيشمله تعريف الأسلحة الخفيفة بالتفصيل.
حتى قبل تسليم الأسلحة الخفيفة، يجب البدء فورًا، عند دخول الإدارة التكنوقراطية إلى غزة، بتسليم الأسلحة الثقيلة (الصواريخ، وقاذفات الصواريخ، والصواريخ المضادة للدبابات). بعبارة أخرى، يجب تفكيك جميع الأنفاق فورًا ونقل الأسلحة الثقيلة (الدبابات، وقذائف الهاون، والصواريخ، والرشاشات). يُعدّ إيداع الأسلحة الخفيفة شرطًا أساسيًا لأي انسحاب إسرائيلي من المنطقة الخضراء (سيتم توضيح ذلك لاحقًا). ستُنقل جميع الأسلحة التي يتم جمعها من حماس إلى عهدة قوة الاستقرار الدولية (في المنطقة البرتقالية، سيتم توضيح ذلك لاحقًا)، وسيتم تعقيمها أو تدميرها. وثمة بديل آخر محتمل يتمثل في إيداع أسلحة حماس في مصر، لدى المخابرات العامة المصرية. وسيتم التحقق من عملية التفكيك حصريًا من خلال آلية دولية، تضم، بالإضافة إلى تركيا وقطر، الولايات المتحدة ودولًا أخرى تحظى بمصداقية عالية لدى إسرائيل.
يجب منح هذه الآلية – لجنة التحقق الدولية – صلاحية إجراء عمليات تفتيش مفاجئة، والوصول إلى أي موقع مشبوه، وإجراء عمليات تفتيش هندسية وتقنية، وتلقي معلومات استخباراتية من مصادر خارجية، وإعادة فتح أي مرحلة تمت الموافقة عليها مسبقًا في حال ورود معلومات جديدة. سيُقدّم هذا حلًا مباشرًا لمشكلة آلية التحقق والتحدي الرئيسي المرتبط بنزع سلاح حماس. وسيُرفق أي تقرير عن نزع السلاح بتحقق من جهة تثق بها إسرائيل، وليس فقط قطر وتركيا.
في المنطقة البرتقالية، سيتم تنفيذ انسحاب إسرائيلي تدريجي إلى الخط الأصفر الأصلي، مع نشر قوات الأمن الدولية في كل منطقة تنسحب منها إسرائيل، وبدء إعادة الإعمار المدني (مشاريع إسكان للسكان الذين اجتازوا الفحص الأمني). ستكون هذه المنطقة أساسية لبناء قطاع غزة جديد لا يشكل تهديدًا لإسرائيل. ومع تقدم عملية إعادة الإعمار في هذه المنطقة، ستتوسع المنطقة البرتقالية تدريجيًا كمنطقة عازلة خاضعة للإشراف بين المنطقتين الحمراء والخضراء.
يوصى بأن يستند توسيع المنطقة البرتقالية إلى نموذج عملي وليس إلى تقسيم جغرافي ثابت بين جزء مخصص لنزع السلاح وجزء مخصص لإعادة الإعمار. على سبيل المثال: مقابل تفكيك كمية محددة مسبقًا من أسلحة حماس، ستتم إعادة إعمار الجزء المقابل في المنطقة البرتقالية. فعلى سبيل المثال، سيؤدي إيداع 5000 قطعة سلاح إلى تحرير 30 في المئة من المنطقة المخصصة لإعادة الإعمار في المنطقة البرتقالية. بعبارة أخرى، سيتم تحديد التسريح مقابل إعادة الإعمار وفقًا لكمية الأسلحة التي تتخلى عنها حماس، وليس وفقًا للحدود الجغرافية. وبناءً على ذلك، تُعدّ المنطقة البرتقالية منطقة ديناميكية تتوسع تبعًا لإمكانية إعادة الإعمار. فعلى سبيل المثال، يُمكن اليوم إنشاء منطقة برتقالية في منطقة رفح واسعة بما يكفي لبدء إعادة الإعمار (انظر الخريطة، ورهنًا بشروط التسريح المذكورة آنفًا)؛ وفي مناطق أخرى، قبل بدء إعادة الإعمار، سيتم توسيع المنطقة البرتقالية – إما عن طريق دفع خط الدفاع إلى الخلف من قِبل قوات الجيش الإسرائيلي، أو عن طريق نقل أراضٍ من المنطقة الخضراء إلى المنطقة البرتقالية، وأحيانًا كليهما.
ومن المهم التأكيد على أن المنطقة البرتقالية هي جوهر إعادة إعمار “غزة الجديدة”، التي ستُبنى تحت سيطرة قوة الاستقرار الدولية، وليس حماس. وسيُسمح بانتقال السكان من المنطقة الحمراء إلى المنطقة البرتقالية، ولكن سيخضع ذلك للإشراف والرقابة. بعبارة أخرى، وحتى يتم نزع السلاح بالكامل من غزة، ستُشرف قوة الاستقرار الدولية على الدخول والخروج من المنطقة البرتقالية (عمليات تفتيش عند نقاط التفتيش). على المدى الطويل، وبعد تفعيل قوة الشرطة الفلسطينية، التي ستخضع لفحص أمني كامل، في المنطقة الحمراء، وإنشائها وتعزيزها، سيكون من الممكن توسيع نطاق انتشارها إلى المنطقة البرتقالية أيضاً.
المنطقة الخضراء ستبقى تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي كورقة ضغط وضمانة أساسية لتنفيذ عملية السلام، بما يرضي إسرائيل ومجلس السلام. ولن يتم الانسحاب الإسرائيلي التدريجي منها، قطاعًا تلو الآخر، إلا مقابل تجريد المنطقة الحمراء من السلاح بشكل موثق، بما في ذلك إيداع الأسلحة الصغيرة. والمبدأ التوجيهي هو “المنطقة مقابل تجريد موثق من السلاح”. ويهدف هذا الوضع إلى إيجاد حل لمشكلة إيداع الأسلحة: فما لم يتم التحقق من الأسلحة – بما فيها ما يُسمى بالأسلحة “الشخصية” – سيُعلق الانسحاب الإسرائيلي من المنطقة الخضراء.
سيُمكّن هذا الإطار إسرائيل من تحسين وضعها الأمني فعليًا دون التعارض مع مبادرة مجلس السلام وخطة الرئيس ترامب ذات النقاط العشرين. وذلك على الرغم من أن الخطة الأصلية لمجلس السلام لا تُفرّق حاليًا بشكل كافٍ بين المناطق الثلاث في قطاع غزة. سيُصاحب انتهاك هذا الإطار عقوبة فورية تتمثل في فقدان الاعتبار، أي تخطي المرحلة التالية من الانسحاب الإسرائيلي. وإذا تم اكتشاف الانتهاك بأثر رجعي، بعد إتمام الانسحاب ذي الصلة (على سبيل المثال، اكتشاف مستودع أسلحة كان من المفترض تسليمه عند إنجاز مرحلة محددة)، فسيتم فرض العقوبة، أي تخطي الانسحاب باعتباره المرحلة التالية في الخطة.
2-دعاية منهاجية للجمهور الإسرائيلي:
يُعدّ تنفيذ هذه الخطة معقدًا، ولذلك يُوصى بأن يقوم مكتب رئيس الوزراء، بالتعاون مع جهاز الأمن القومي، بصياغة آلية تواصل منهجية، تشمل تقديم إحاطات للجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست، وجلسات إحاطة إعلامية، ونشر مبادئ السياسة (بدلاً من تفاصيلها التشغيلية)، وذلك لتوضيح السياسة المطبقة على أرض الواقع، والاعتبارات التي توجهها، والفرص الكامنة فيها. ستُقلل الشفافية المُحكمة من الضرر الناجم عن “الغموض البنّاء” غير المُبرر، وتُعزز شرعية السياسة في نظر الرأي العام.
- الحفاظ على التعاون مع إدارة ترامب، مع إدارة التحفظات عبر القنوات الدبلوماسية
يُوصى بأن تُواصل إسرائيل التعاون مع سياسة الرئيس ترامب، وأن تتجنب مواجهته علنًا، ويعود ذلك جزئيًا إلى محدودية عدد حلفاء إسرائيل على الساحة الدولية، وحساسية الرئيس الشخصية الشديدة لما يعتبره نوايا حسنة. مع ذلك، يُوصى بإنشاء قناة عمل إسرائيلية أمريكية مُخصصة على مستوى هيئة الأمن القومي، مع العناصر المُناظرة في مجلس السلام، تُطرح من خلالها التحفظات المُفصلة في هذه الوثيقة بشكلٍ مُستمر، ولا سيما تطبيق فكرة التنفيذ التفاضلي حسب المناطق (فكرة “إشارات المرور”)، فضلًا عن تحفظات إسرائيل بشأن مسألة التحقق من نزع السلاح وأنواعه، والتي يُفترض الحصول عليها من حماس وغيرها من العناصر الفاعلة في قطاع غزة، بدلًا من الاكتفاء ببيانات النقد العلنية.
4-تسريع بناء الحكومة المدنية البديلة وقوات الأمن الفلسطينية
يوصى بأن تعمل إسرائيل على تسريع التأسيس العملي للحكومة التكنوقراطية (مجلس الحكم الأعلى) في المنطقة الحمراء، ونشر قوات الأمن الإسرائيلية في المنطقة البرتقالية. ورغم أوجه القصور والضعف في هذه الهيئات، فإن استمرار سيطرة حماس على قطاع غزة يُعد أسوأ الخيارات المتاحة. وفي الوقت نفسه، يجب مواصلة العمليات العسكرية لمواجهة التهديدات الأمنية الناشئة. ويتطلب ذلك إنشاء آلية لإدارة الاحتكاكات مع مختلف عناصر “مجلس السلام” العاملة في قطاع غزة. ويجب الاتفاق مسبقًا على قواعد الاشتباك وإجراءات إطلاق النار.
ويتمثل المبدأ التوجيهي لتوصيات السياسة في أنه من الأفضل تحويل الإنجازات العسكرية للجيش الإسرائيلي (السيطرة على القطاع، وإلحاق الضرر بقدرات حماس) إلى إنجاز سياسي حكومي مستقر، بدلًا من ترك حماس تتمتع بالسيادة الفعلية في قطاع غزة. هذا صحيح، حتى وإن كان هناك شك حقيقي حول مدى نزع السلاح الذي سيتم إيداعه وتفكيكه في نهاية العملية.
التحديات والحلول
1- التعلق باستعداد حماس للتخلي عن هويتها كحركة مقاومة مسلحة.
التحدي: يكمن في أن تنفيذ الخطة يتطلب تعاون حماس. ولأنها حركة مقاومة، فمن المرجح أنها لن توافق على نزع سلاحها ولن تتخلى عن بقائها السياسي، الذي يعتمد على قدراتها العسكرية. لذلك، من المرجح أن تحاول حماس التضليل والتستر، وعرقلة التقدم نحو تنفيذ الخطة.
أما الجواب: فهو عملية طويلة، ستُحرم خلالها حماس من قاعدتها الرئيسية للقوة، ألا وهي قدرتها على تجنيد عناصر من بين السكان المدنيين في قطاع غزة. سيخضع سكان المنطقة الحمراء لسيطرة حكومة تكنوقراطية بديلة، ستوفر خدمات الأمن الداخلي، وفرص العمل، وتجمع الضرائب، وتوزع المساعدات الإنسانية، مما يُضعف قبضة حماس عليها. أما المواطنون الذين ينتقلون للعيش في المنطقة المُعاد تأهيلها (البرتقالية)، فسيعيشون في منطقة لا وجود لحماس فيها. وفي المنطقة الخضراء، التي ستتقلص تدريجيًا لصالح المنطقة البرتقالية، لن يكون هناك أي مدنيين على الإطلاق.
2-مخاطر الانسحاب
التحدي: في أن سكان جنوب البلاد والمواطنين الإسرائيليين عمومًا ينظرون إلى الأراضي التي تم الاستيلاء عليها في القتال الدائر في قطاع غزة (وبثمن باهظ من الدماء) كضمانة للأمن. ولذلك، فإن أي انسحاب جزئي، فضلًا عن الانسحاب الكامل، سيُثير مخاوف جدية بشأن التنازل عن الأمن مقابل وعود وخطط معقدة التنفيذ، وبالتالي فإن فعاليتها محل شك.
الجواب، فيتمثل في التنفيذ التدريجي والبطيء، بما يضمن أن أي تنازل عن الأراضي سيتم بالتزامن مع تفكيك القدرات العسكرية المُهددة في قطاع غزة. وستُعهد مهمة الإشراف على نزع سلاح حماس والتحقق منه إلى قوة أمريكية، بينما ستكون قطر وتركيا ودول أخرى جزءًا من آلية الإشراف هذه. ومن بين الحلول الأخرى، سلطة أمنية إسرائيلية للقضاء على أي تهديد ناشئ في قطاع غزة أو منه. ولن تتخلى إسرائيل عن حقها في الدفاع عن النفس وتحييد التهديدات. أخيرًا، سيكون الانسحاب إلى خط داخل قطاع غزة، مما يسمح بالدفاع الأمامي عن المستوطنات في غرب النقب، وبناء منظومة أمنية أمامية تتيح الإنذار والدفاع الأمامي عن المناطق الحيوية في الأراضي الإسرائيلية. هذا الخط الأمامي غير متفق عليه حاليًا، ويجب اتخاذ إجراءات للاعتراف بأهميته الأمنية لإسرائيل.
3- تقييد حرية عمل الجيش الإسرائيلي
التحدي: إن نشر قوة الاستقرار الدولية في المنطقة الحمراء سيحد من قدرة الجيش الإسرائيلي على المناورة والعودة إليها. إضافةً إلى ذلك، فإن مجرد وجود القوات الأجنبية سيقلل من حرية عمل الجيش الإسرائيلي. وبالتالي، تُحرم السلطة الأمنية السيادية للجيش الإسرائيلي، مما يقوض تحقيق فكرة “تعزيز السلطة الأمنية”.
الجواب: تقسيم قطاع غزة بوضوح إلى ثلاث مناطق سيسهل على إسرائيل تحديد وتنفيذ إجراءات إطلاق النار. ستتيح الخطوط الواضحة سياسة إطلاق نار تفاضلية: فعلى سبيل المثال، نظرًا لعدم نشر أي قوة دولية في المنطقة الحمراء، سيتم إطلاق النار دون تنسيق، ولكن فقط على التهديدات المتفق عليها مسبقًا كأهداف لإطلاق النار الحر؛ وفي المنطقة البرتقالية، نظرًا لنشر قوة دولية فيها، سيتم إطلاق النار فقط بالتنسيق المسبق؛ أما في المنطقة الخضراء، فسيتم إطلاق النار دون أي قيود على الإطلاق. سيتم وضع آلية لمنع الاحتكاك من أجل تطبيق هذا التقسيم المبدئي. في حال تجدد مناورات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، ستقوم قوة الاستقرار، عند الضرورة، بإخلاء مواقعها، وسيتمكن الجيش الإسرائيلي من التقدم إلى المنطقة الحمراء أثناء عبوره المنطقة البرتقالية التي سيتم إخلاؤها.
حماس تحكم من وراء الكواليس.
التحدي: سيوقع عناصر حماس على نوع من وثيقة الالتزام وينضمون إلى الشرطة الفلسطينية. وسيشكلون تدريجيًا ميليشيا مسلحة تنفذ سياسة “المقاومة المسلحة”، بدعم من إيران، من بين أمور أخرى، كما هو الحال الآن في العراق ولبنان. هذه القوة، إن تشكلت، ستكون مصدر التهديد المستقبلي من قطاع غزة لإسرائيل.
الجواب: يكمن في عدم تجنيد نشطاء حماس دون فترة تهدئة وعملية طويلة لإعادة تأهيلهم، ولا يجوز بأي حال من الأحوال تجنيدهم كوحدة متكاملة، أي كهيكل تنظيمي. إضافةً إلى ذلك، يجب ضمان أن يتولى مجلس السلام دفع رواتب قادة شرطة غزة، مع التأكد من خضوع جميع متلقي الرواتب لموافقة أمنية دورية. يجب افتراض استمرار وجود فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، والاستمرار في التعامل معها بشكل مستمر وفعّال، سواء من قبل الجيش الإسرائيلي أو بالتعاون مع قوات الأمن الأخرى في القطاع.
4- غياب مشاركة دول الخليج والدول الأوروبية.
التحدي في أن هذه العملية ليست عملية سياسية تهدف إلى إقامة دولة فلسطينية، ما يجعل الدول العربية ترفض التعاون معها، وتعتبرها خدمةً لمصالح إسرائيل الأمنية فقط، على حساب التطلعات الوطنية الفلسطينية. وفي ظل نقص الموارد، ستكون الجهات المشاركة في جهود استقرار القطاع ضعيفة، إذ ستكون رواتبها منخفضة، وسيُنظر إلى من يشغلون مناصب السلطة على أنهم متعاونون مع إسرائيل، ما يُصعّب عليهم اكتساب الشرعية الشعبية. علاوة على ذلك، قد يُبرز غياب الدعم من دول الخليج المعتدلة دور قطر. فإذا تولّت قطر مهمة إعادة تأهيل القطاع، فمن المتوقع أن تتدفق الأموال إلى الإرهاب وإعادة بناء حماس من مصادر غير رسمية.
الجواب، يتمثل في ضرورة أن تُظهر إسرائيل التزامها بالمسار السياسي الذي حصلت عليه ضمن خطة إدارة ترامب ذات النقاط العشرين، دون الالتزام في الوقت الراهن بهدف سياسي نهائي يتمثل في إقامة دولة فلسطينية. مع ذلك، لا بد من الترويج لرؤية الانفصال، التي ستتيح سيادة فلسطينية مستقلة ولكن محدودة، منفصلة عن إسرائيل. حتى وإن كانت هذه الرؤية غير قابلة للتطبيق في ظل الظروف الراهنة، فإنها تُعدّ بدايةً لعملية الخروج من الجمود السياسي المُستمر منذ زمن طويل. وسيكون انخراط دول الخليج في جهود إعادة الإعمار الاقتصادي والمدني والأمني في قطاع غزة أساسًا وشرطًا لنجاح الخطة. وتُعدّ قدراتها الاقتصادية ضرورية، ومن المتوقع أيضًا أن تعمل على ضمان عدم ضياع استثماراتها.
الخلاصة
تخلّت إسرائيل فعليًا عن قدر كبير من استقلاليتها في سياستها الخارجية والأمنية في غزة، لصالح سياسة تُصاغ في معظمها في واشنطن. وفي هذا الواقع، يمنح “الغموض البنّاء” الأمريكي إسرائيل هامشًا حقيقيًا من الحرية لتنفيذ خطة النقاط العشرين لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة من خلال إطار تفاضلي، قائم على السيطرة الإقليمية وفقًا لإعادة الانتشار، مع مراعاة التحقق المتبادل من نزع سلاح حماس. إن الاستخدام الحكيم لهذه الصلاحيات، وشرح مبادئ السياسة المُحدَّثة، إلى جانب استمرار التعاون مع واشنطن ومواصلة الجهود الدبلوماسية حتى بعد تشكيل حكومة جديدة في إسرائيل، سيُحدِّد ما إذا كانت خطتا العشرين والخمس عشرة نقطة ستُترجمان إلى تحسينات أمنية مستدامة لإسرائيل، أم ستظلان مجرد إعلانات نوايا لن تُغيِّر الواقع على الأرض، وسيُعزى فشلها إلى حد كبير إلى إسرائيل.
——————————————
هآرتس 8/10/2026
العالم ليس ضدنا، بل ضد الاحتلال
بقلم: ميراف ارلوزوروف
تجد اوساط اليسار صعوبة في معرفة سبب غضب الكثيرين في الرأي العام الاسرائيلي ازاء اقتراح التوصل الى تسوية سياسية مع الفلسطينيين. لقد اخافت مذبحة 7 اكتوبر الرأي العام في اسرائيل. بعد ذلك فتحت عيونهم ليدركوا أننا لسنا فقط محاطين باعداء يعملون على القضاء علينا فقط، بل اعداء في غاية القسوة. وللاسف، هم ايضا اكثر دهاء مما كنا نتخيل، وتبين ان لديهم القدرة على تحقيق طموحاتهم الشيطانية.
بدرجة كبيرة كانت مذبحة 7 اكتوبر بمثابة الشرارة التي قضت على كل المخاوف البدائية التي استحضرتها دروس الكارثة: “هذا لن يتكرر ابدا” و”متسادا لن تسقط مرة اخرى”. والان اصبح من الواضح ان متسادا قد تسقط في أي لحظة.
لقد حذر عاموس عوز بالفعل من الاستخفاف بمخاوف الناس، وهذا بالتحديد ما يفعله اليسار، الاستخفاف بالخوف من خلال اقتراحات طوباوية لتسوية سياسية. في افضل الحالات ينظر الرأي العام في اسرائيل الى اليساريين على انهم دعاة حماية البيئة الساذجين. وفي اسوأ الحالات ينظر اليهم على انهم خونة. هؤلاء الذين انضموا للعالم في لوم اسرائيل على الوضع الراهن، وبالتالي، انكار حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها.
لذلك، ربما حان الوقت لليسار، بدلا من الحديث عن السلام، التحدث عن الخوف. صحيح انه يوجد لاسرائيل حق طبيعي في الدفاع عن النفس، لكن هناك طرق اخرى للدفاع عن انفسنا عدا عن احتلال كل جيراننا. هذه هي الرسالة التي يحاول العالم ان يوصلها لنا، والتي يعجز الرأي العام في اسرائيل، بدافع الخوف الشديد، عن استيعابها: الدفاع عن النفس ولكن ليس بهذه الطريقة.
سيكشف تحليل متنور ان الاحتلال وتوسعه منذ 7 اكتوبر ليشمل غزة ولبنان وسوريا، يشكل خطر وجودي استراتيجي على دولة اسرائيل. الاحتلال يدمر أهم مقومات اسرائيل: التماسك الداخلي والديمقراطية، المكانة الدولية، الاقتصاد القائم على التصدير، والذي يعتمد بالتالي على رغبة العالم بالاتجار معها، بل وحتى الاعتراف بوجود الدولة نفسها.
ان شعار “من النهر الى البحر” ممكن، لان اسرائيل لا تملك حدود شرقية معترف بها. لقد تركت اسرائيل مسألة الحدود الشرقية مفتوحة – بالطبع، بدافع رغبة خفية للتوسع شرقا وضم الاراضي. ولكن هذا الامر ارتد اليها سلبا، مع دعوات عالمية لتقليص دولة اسرائيل غربا. لو كانت لنا حدود معترف بها لما كانت هذه الدعوات ممكنة.
صحيح ان هناك ميزة للسيطرة العسكرية على الارض. فعندما يسيطر الجيش الاسرائيلي يصعب بناء جيش ارهابيين ينفذ هجوم على شاكلة هجوم 7 اكتوبر. ولكن هذه فقط ميزة تكتيكية، وهي اقل اهمية من الخطر الاستراتيجي الذي يتمثل في ان يدير العالم ظهره لاسرائيل، الامر الذي سيؤدي الى انهيارها عسكريا واقتصاديا. بغض النظر عن امكانية الدفاع بنجاح من الحدود، فقد فعلنا ذلك حتى العام 1967 ونحن نفعله الان ضد قادة حماس في غزة، ومع وجود 27 كتيبة تنتشر على طول الجدار الفاصل بدلا من داخل الاراضي المحتلة، يمكن القول ان هذا يحقق امن أكثر.
في ظل الوضع الراهن حيث تفقد اسرائيل بسرعة دعم العالم، وتفحص الادارة الامريكية فرض عقوبات على قادة في الجيش الاسرائيلي، يجب توعية الرأي العام بان الاحتلال لا يعزز أمن اسرائيل بل يضر به. العالم ليس ضدنا، بل هو ضد الاحتلال فقط. لذلك فان من مصلحة اسرائيل العليا التوقف عن الدفاع عن نفسها من خلال الاحتلال. الدولة الديمقراطية تدافع عن نفسها من حدودها. هذه هي الرسالة الواضحة التي يجب الالتزام بها، وهي صحيحة، سواء ساد السلام أو لا.
——————————————
هآرتس 8/10/2026
مشروع المحو: ابعاد الرعاة، الاستيلاء على الينابيع، والان يأتي موسم قطف الزيتون
بقلم: تسفرير رينات
تعرف منظمة “بتسيلم” مشروع محو الوجود الفلسطيني في تقرير جديد حول النشاطات الاسرائيلية في الضفة الغربية، بالاشارة الى ما يفعله المستوطنون بالفلسطينيين، بدعم وتمويل فعلي من دولة اسرائيل. محو الممتلكات والوجود الانساني من خلال العنف المستمر. محو بيئي يتم فيه اقتلاع من قاموا بفلاحة الارض وعاشوا فيها، ويواصلون بذلك تقليد زراعي واستيطاني يمتد لآلاف السنين.
في الفترة القريبة القادمة يتوقع ان يعيق نشطاء مشروع المحو وتدمير محصول الزيتون. مرة اخرى سيخرج المستوطنون باعداد كبيرة، حفنة تلو الاخرى، من اجل الاحراق والضرب واطلاق النار. بعد اشهر طويلة صبوا اهتمامهم فيها على ابعاد الرعاة واحراق المحاصيل والاستيلاء على الينابيع، جاء دور فرع زيت الزيتون. كالعادة ينشغل الجيش بفرض القيود على قاطفي الزيتون الفلسطينيين ويتجاهل عصابات الزعران الملثمين.
يشرح تقرير مشروع “محو الوجود” لمنظمة “بتسيلم” عمليات هدم واقلاع واسعة النطاق لاشجار الزيتون، التي نفذها الجيش بالتعاون مع المستوطنين. وقالوا في الجيش في معرض التعليق على فيلم “نازا” انه لا يوثق اعمال العنف المنسوبة اليه ضد الفلسطينيين. ويشمل تقرير “بتسيلم” توثيق مفصل لحوادث كثيرة وبيانات رقمية حول حجم الاضرار. ويحتوي ايضا على قاعدة بيانات ضخمة تشمل افلام فيديو توثق اعمال عصابات المستوطنين الزعران وهم يعتدون على الفلسطينيين بالضرب والاحراق والطرد. ويستمر محو الوجود الزراعي للفلسطينيين حتى في زراعة العنب. وحسب تقرير “بتسيلم” تضررت بشكل كبير مناطق زراعة العنب في منطقة حلحول. وقد اقام المستوطنة عدة بؤر استيطانية في المنطقة، وهم يمنعون المزارعين الفلسطينيين من الوصول الى اراضيهم. وقال فلسطينيون ان المستوطنين قاموا بسرقة معدات زراعية وآلات رش، ايضا قاموا بالاعتداء على السكان المحليين وضربهم.
في غضون ذلك يستمر الاستيلاء القسري على ينابيع المياه التي يعتمد عليها الفلسطينيون في الزراعة والرعي. ففي الاسبوع الماضي قال نشطاء لحقوق الانسان بان المستوطنين قاموا بالاستيلاء على نبع يعتبر مصدر للمياه لقرية عين البيضا الموجودة في شمال شرق نابلس. ومثلما فعلوا في اماكن اخرى فقد قاموا ببناء بركة سباحة ومنطقة للزوار. ايضا قاموا ببناء سد لمنع تدفق المياه الى المنطقة المحيطة، التي، لا سمح الله، ستستخدم لسقي قطعان الفلسطينيين. في شهر شباط الماضي تم توثيق مستوطنين في عين سامية في شمال رام الله وهم يدمرون البنية التحتية لمحطة ضخ فلسطينية تزود المياه لـ 100 ألف نسمة. وحسب تقرير “بتسيلم” تظهر الكاميرات اشخاص ملثمين وهم يقومون يثقب انبوب مياه. يتم ذكر أن اعمال بناء البرك والمنشآت التي يقوم بها المستوطنون في الينابيع، محظورة في أي مصدر مياه داخل اسرائيل، وايضا خلف الخط الاخضر. ولكن خلافا لما يحدث في داخل اسرائيل، فانه لا يوجد في الضفة الغربية من يقف في مواجهة من يسيطرون على الارض. فسلطة المياه والمكتب التابع لها في الادارة المدنية، ضابط ركن المياه، لا يبذلون أي جهد لمنع هذه الممارسات.
ان الاجراء الضروري لمواجهة ما يحدث في الضفة الغربية هو التواجد الفعلي. يدور الحديث عن تواجد حامي للتجمعات الفلسطينية، وهو ما دأب عليه نشطاء حقوق الانسان بشجاعة وذكاء في السنوات الاخيرة. يصفهم المستوطنون والجنود بالفوضويين. وفي الواقع هم آخر خط دفاع هش في مواجهة موجة العنف المتواصلة. في احيان كثيرة هؤلاء اشخاص يعيشون حياة طبيعية، تخلو من أي نزعة فوضوية، ويستغلون كل فرصة للوقوف الى جانب الفلسطينيين، مثل متطوعان كانا شخصين معروفين ومقدرين في منظمة حماية الطبيعة. ان دعم هذا التواجد الحامي يحتاج الى التواجد الميداني. في الفترة الاخيرة اصبح هذا الامر يشكل خطرا حقيقيا للمواجهات العنيفة والاذى من قبل الزعران، الذين لا يترددون في الاعتداء على المسنين والنساء والحاخامات الذين يعملون في اطار منظمة حاخامية تعنى بحقوق الانسان. ويؤكد منظمو “الوجود الحامي” على اهمية مواصلة العمل السلمي. ولكن المتطوعين الشباب، الاقوياء، يمكنهم التعامل مع الزعران بشكل افضل، حتى في اطار المقاومة السلمية. ويتم الامل بأن يستجيب كثيرون منهم لدعوة نشطاء حقوق الانسان، ويقومون بالتطوع للتواجد الميداني. ومن طرق المساعدة الاخرى الاسهام في تمويل نشاطات حماية الفلسطينيين. هذا التمويل سيستخدم، ضمن امور اخرى، لشراء الاسوار والبوابات الحديدية والكاميرات والمصابيح من اجل دعم العائلات التي يهدد المستوطنون بطردها. يعتبر هذا النوع من الوجود الحامي خدمة عظيمة يقدمها المواطنون الاسرائيليون للحفاظ على القيم الانسانية خارج الخط الاخضر.
ومثلما هي الحال في مناطق اخرى في البلاد، يعتبر العمل المدني هو البديل الوحيد لتقاعس الحكومة، الذي يوصف في هذه الحالة بالتعمد، ويستهدف استمرار التطهير العرقي الممنهج. لا يمكن الوثوق بالمحكمة العليا ايضا لانها تحرص على اعطاء الشرعية بشكل منهجي لنشاطات اسرائيل في الضفة الغربية. ويتم ترك نشطاء الحماية الاسرائيلية لوحدهم تقريبا، بدون جيش أو محكمة، التي من المفروض ان تضمن تطبيق القانون. لذلك هم بحاجة الى تعبئة جماهيرية بكل الوسائل الممكنة.
——————————————
هآرتس 8/10/2026
سنة على وقف النار، في خيام مهترئة لا يزال سكان غزة لا يرون الأفق
بقلم: جاكي خوري
بعد مرور سنة على الاعلان عن وقف النار ما زال معظم سكان قطاع غزة بعيدين عن بيوتهم، والمستشفيات تعمل بشكل جزئي، وعملية اعادة الاعمار بقيت على الورق. ما زالت حماس هي القوة الاقوى في المنطقة التي يفصلها الخط الاصفر، ولا تلوح في الافق أي حكومة بديلة. على الصعيد الدولي، رغم ازدياد تعاطف العالم مع الفلسطينيين، الا ان هذا التعاطف لا تتم ترجمته الى تغيير حقيقي للحياة اليومية في قطاع غزة.
بعد مرور ثلاث سنوات على هجوم 7 اكتوبر انشغلت اسرائيل بامور اخرى. منذ اطلاق سراح الرهائن الاحياء واعادة جثامين القتلى في السنة الماضية، تراجعت مكانة غزة في الخطاب العام. ولكن في القطاع نفسه لم تشكل الهدنة أي بداية للتعافي. فالقتل مستمر تقريبا كل يوم، حتى لو سمت اسرائيل ذلك تصفيات. وما زالت القيود المفروضة على ادخال المساعدات والمعدات قائمة، وخطط اعادة التاهيل بعيدة جدا عن ان تصبح انظمة فعالة.
انقضى الصيف، لكن خيام النازحين ما زالت في مكانها. بعضها مهتريء من شدة الحرارة ولونها باهت من اشعة الشمس، وهي الان تنتظر اختبار الشتاء: الامطار والبرد والوحل، في منطقة يكاد لا يوجد فيها أي مكان للذهاب اليه. بالنسبة لمئات آلاف العائلات لم تعد الخيمة حل مؤقت الى حين اعادة بناء بيوتهم، بل اصبحت مأوى لها. ويشير سمير زقوت، الناشط الاجتماعي المخضرم في غزة، الى ان الكثير من الخيام مخصصة للاقامة القصيرة وليس للسكن الدائم، وقد تآكلت هي ايضا بسبب الاستخدام الطويل. واضاف بانه مع اقتراب فصل الشتاء فانه يوجد نقص في البطانيات.
تظهر الارقام حجم الدمار. فحسب الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني تضرر حوالي 200 ألف مبنى منذ بداية الحرب، أي 82 في المئة من اجمالي المباني في قطاع غزة. وقد تم تدمير اكثر من 134 الف مبنى بشكل كامل، وتضررت حوالي 329 ألف وحدة سكنية، ويعيش معظم سكان غزة، الذين يبلغ عددهم 2.1 مليون نسمة، بعيدا عن بيوتهم، في منطقة تقلصت مساحتها الى اقل من 40 في المئة من مساحة القطاع.
ميسم، والدة لبنتين من سكان غزة
ميسم قالت، أم لبنتين من سكان غزة، في محادثة مع “هآرتس”: “يصعب تخيل ما سيحدث. مهما حاولنا التكهن لم تتحقق توقعاتنا. بعد اطلاق سراح الرهائن أملنا أن يتحسن الوضع، ولكن لم يحدث أي شيء. يصعب العيش في هذا الغموض، بدون افق أو حل، وكأنه تم تركنا للبحث عن البقاء على قيد الحياة”. واوضحت ان السكان عانوا في الصيف من الحرارة المرتفعة في الخيام، والان مع اقتراب الشتاء هم ينشغلون من جديد بمسألة كيفية البقاء.
يصف الناشط الاجتماعي زقوت واقع لا تعتبر فيه حتى ابسط الاحتياجات أمر مفروغ منه. وبحسبه ما زالت القيود المفروضة على ادخال المساعدات قائمة، ايضا نقص قطع الغيار والزيوت للمحركات يضر بمنظومات الصحة والمياه والخدمات الاساسية. ولا تقتصر الازمة على السقف فقط، فقد تم تدمير حوالي 90 في المئة من البنى التحتية للمياه والمجاري في القطاع، ويعاني 82 في المئة من سكان غزة من انعدام الامن المائي. وحسب بيانات نشرتها “هآرتس”، لا يحصل حوالي 70 في المئة من العائلات الا على 6 لتر فقط للفرد كل يوم، وهذا اقل من الحد الادنى المطلوب للبقاء على قيد الحياة في حالات الطواريء، وفقا لمنظمة الصحة العالمية التي حددت 15 لتر للفرد كحد أدنى. ايضا جهاز الصحة لم يبدأ بالتعافي. فحسب تقرير جديد لمنظمة “اطباء من اجل حقوق الانسان”، نشر صباح اليوم، وبعد مرور سنة على الاعلان عن وقف اطلاق النار، فانه لا يوجد مستشفى يعمل بكل طاقته في القطاع. في تموز 2026 بلغ عدد اسرة العناية المكثفة في القطاع 104 أسرة، زيادة سرير واحد عن تشرين الاول 2025. وتتوفر خدمة غسيل الكلى في عدد قليل من المراكز الصحية. في حين لا تتوفر خدمات التصوير بالرنين المغناطيسي على الاطلاق في القطاع. وحسب بيانات منسق اعمال الحكومة في المناطق، التي جاءت في التقرير، فانه لم تصل 69 في المئة من المعدات الطبية التي تمت الموافقة على ادخالها الى قطاع غزة، بين كانون الثاني وأيار 2026.
وراء هذه الارقام يقف مرضى ينتظرون العلاج الذي لا يمكن الحصول عليه في قطاع غزة، أو ينتظرون الاخلاء الطبي الى مكان يمكنهم فيه الحصول على العلاج. وحسب وزارة الصحة في غزة فقد مات ليس اقل من 1570 مريض اثناء انتظار الاخلاء منذ بداية الحرب، بينهم 505 مريض سرطان، و264 طفل على الاقل. وما زال عدد عمليات الاخلاء الى الخارج منذ وقف اطلاق النار منخفض نسبيا مقارنة مع ما كانت عليه الحال قبل الحرب، رغم ازدياد الحاجة الى تلقي العلاج خارج القطاع.
على الصعيد السياسي لم يؤد وقف اطلاق النار الى اتفاق حول الهيئة التي ستدير شؤون قطاع غزة. وما زالت حماس هي القوة الاقوى على الارض، في حين أنه لم تتمكن اللجنة التي من المفروض أن تحل محلها وتدير القطاع حسب خطة ترامب من الدخول الى قطاع غزة. وقد خلق هذا فراغ حكومي. فالسكان يتطلعون الى التغيير، لكن ليست لديهم خطة واضحة للبدء في عملية اعادة الاعمار الشاملة.
زقوت يعلق ايضا أمله على الانتخابات الفلسطينية، ليس لانها تبشر بحل، بل لانها قد تعيد للفلسطينيين الحق في اختيار من يمثلهم. وحسب قوله فانه بعد ثلاث سنوات من الحرب فشلت الدعوة الى الوحدة في التوصل الى اتفاق بين الفصائل. وقد تشكل الانتخابات فرصة لاثبات قدرة الفلسطينيين على تقرير مصيرهم بانفسهم، ورفض قيادة يتم فرضها عليهم من الخارج.
في غضون ذلك تشغل الانتخابات الاسرائيلية القادمة سكان قطاع غزة. ويأملون في غزة ان يزداد الضغط الدولي على اسرائيل، خاصة الضغط الامريكي، بعد الانتخابات، بغض النظر عن نتائجها، من اجل تحسين ظروفهم. وفي هذا السياق يشير زقوت الى تصريحات الرئيس الامريكي ترامب، التي قال فيها ان تنفيذ خطته في القطاع سيبدأ بعد الانتخابات الاسرائيلية. ولكنه يؤكد على أنه حتى في حالة تشكيل حكومة جديدة فانه لا يوجد ما يضمن تغيير الواقع. ويشير ناشط سياسي من حماس في غزة الى فجوة مشابهة على الساحة الدولية. فحسب قوله ازداد الدعم الدولي للفلسطينيين في السنوات الثلاثة الاخيرة، وازداد عدد الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية، في حين ازدادت عزلة اسرائيل في بعض المجالات، لكن في نفس الوقت يقول ان الحياة في غزة ما زالت كارثية، والقتل والتدمير لا يتوقفان. ورغم اتساع نطاق التعاطف الدولي الا انه لم يتمكن من احداث أي تغيير على الارض. ولا يعفي الناشط المنظمة وما بقي من الفصائل المسؤولية ويقول: “للاسف، بعد مرور ثلاث سنوات على الحرب ما زال الانقسام الفلسطيني قوي ومستمر، حماس من جهة وفتح والسلطة الفلسطينية من جهة اخرى، بدون أي افق حول كيفية أو متى سينتهي ذلك”.
بعد مرور سنة على وقف اطلاق النار، وبعد ثلاث سنوات على حرب حصدت ارواح عشرات الالاف وتسبب بمئات آلاف المصابين، ما زالت طريقة اعادة الاعمار غائبة في قطاع غزة. صحيح ان شدة النيران انخفضت، لكن المستشفيات ما زالت لا تعمل، توجد خطط ولكن لا توجد عملية لاعادة اعمار شاملة، يوجد نقاش حول مستقبل سياسي، ولكن لم تدخل أي حكومة متفق عليها الى القطاع. بالنسبة للسكان الزمن لم يتقدم نحو فصل جديد، بل هم يستمرون في الخيام ويقفون في الطوابير من اجل الحصول على المياه وينتظرون الادوية.
——————————————
إسرائيل اليوم 8/10/2026
نتنياهو يواصل الكذب، لجنة تحقيق رسمية يجب أن تتقصى الحقيقة
بقلم: يوآف ليمور
سكت لثلاث سنوات. انتظر ليتحدث امام لجنة تحقيق رسمية حين تتشكل ويروي لها كل ما يعرفه. ما سمعه، رآه وكان شريكا له. الحقيقة عما حصل في الفترة الأكثر دراماتيكية في تاريخ الدولة.
عندما فهم ان اللجنة لن تتشكل، قرر الحديث. “توجد أكاذيب كثيرة في الهواء، ويجدر بالجمهور ان يعرف الحقيقة. مرت ثلاث سنوات منذ 7 أكتوبر وسنتان منذ اعتزلت الجيش. أملت بان تتشكل لجنة تحقيق رسمية تحقق في كل شيء ولاسفي هذا لم يحصل ومشكوك أن يحصل. ليس لي مصلحة شخصية، فقط مصلحة الدولة. تلقيت توجهات من عشرات عائلات الثكلى والمخطوفين السابقين ممن طلبوا مني أن اتحدث، ان اروي، ان اشهد عما حصل في ورديتي، أن أقول الحقيقة: بدون تفسيرات وبدون ثرثرات. فقط الحقيقة، مثلما رأيتها ووثقتها في الزمن الحقيقي”.
اللواء احتياط آفي غيل هو الرجل الذي كان هناك. لثلاث سنوات تولى منصب السكرتير العسكري لرئيس الوزراء. بداية في مكتب نفتالي بينيت، بعد ذلك مكتب يئير لبيد ولاحقا سنة ونصف لدى بنيامين نتنياهو.
كان الى جانب نتنياهو في سنة الانقلاب النظامي التي سبقت الحرب. في الأيام التي تقررت فيها الفجوات بين رئيس الوزراء وبين رؤساء جهاز الامن، في الأيام التي نقلت فيها الإنذارات، في الأيام التي فوتت فيها كل المنظومة استعداد حماس للحرب. وهو كان الى جانب نتنياهو في 7 أكتوبر – هو الرجل الذي ايقظه وانبأه بانه نشبت حرب، هو الرجل الذي اجرى معه المكالمات الهاتفية الشهيرة في 06:29 وفي 06:40 في الصباح. وهو كان الى جانب نتنياهو في الأشهر الأولى من الحرب – في الترددات، في القرارات، في المداولات على الخطوات في ميدان المعركة وكذا في مسألة المخطوفين وفي قضية تزوير المحاضر.
الان يتحدث غيل عن كل هذا. الحديث معه هو واجب قراءة لكل إسرائيلي. غيل ليس قاضيا ولا يوزع علامات: هو يروي الحقائق كما حصلت وكما وثقها في الزمن الحقيقي. امتنع عن تسليم معلومات سرية، لكن الصورة التي يرسمها تسمح باطلالة لمرة واحدة على ما حصل في بؤرة اتخاذ القرارات. يوضح بان فقط لجنة تحقيق يمكنها أن تقرر ما حصل، لكنه يحذر: المواطنون يتعرضون لاكاذيب وانصاف حقائق، لتلاعبات. “ما يروونه للجمهور ليس ما حصل حقا. واضح لي ان آلة السم ستبحث عني الان وسيحاولون التشهير بي والتشكيك بمصداقيتي. لكني لست القصة هنا – القصة هي دولة إسرائيل. هذه ليست حقيقتي: هذه حقيقتها.
يتحدث غيل في مقابلة صحفية واسعة عن الإنذارات التي تلقاها نتنياهو عشية الحرب، وعن الاقتراحات التي وضعت امامه لتصفية رؤساء حماس. عن الفترة ما قبل 7 أكتوبر يقول: “نتنياهو عرف كل شيء. قرأ كل المعلومات الاستخبارية وسمع كل التقديرات”. عندما سئل اذا كان هناك انذار مصري أجاب: “انا لا اعرف لكن تعال نتحدث عن الحقائق”. طائرة للمخابرات المصرية هبطت في البلاد، وكانت هنا لاكثر من 60 دقيقة بقليل. هذه الحقيقة. طائرة كهذه لا تصل هكذا او ان أحدا ما جاء عليها كي يلتقي بأحد ما أو أن أحدا ما جاء عليها كي يفيد بشيء ما – رسالة، مغلف. أحد ما التقى بأحد ما أو تلقى شيئا ما ولم يبلغ عن ذلك. واذا حصل هذا، ويبدو انه حصل، فكان هذا يجب أن يبلغ عنه. ومن التقى أو تلقى يخفي هذا اليوم أيضا.
يكشف غيل لأول مرة تفاصيل من خلف تغيير المحاضر في مكتب رئيس الوزراء. بعد أسبوعين من الحرب لاحظ ان مقربي نتنياهو يجرون “جمعا غير متوازن للمواد”، على حد تعريفه. “قررت التوجه الى المستشارة القانونية للحكومة. قلت لها اننا في حرب وانا لا ابحث عن مذنبين كما اني لا اريد ان يكون هذا شخصيا. طلبت أن أؤكد التعيينات عما هو مسموح ومحظور عمله بالمحاضر، وهكذا كان”.
بعد ثلاثة اشهر من ذلك بلغتني المختزلة في المكتب بان رئيس الطاقم تساحي بريفرمان طلب منها ان تغير ساعة المكالمة التي اجراها غيل مع نتنياهو في صباح 7 أكتوبر. وهو يفصل بتوسع ما حصل في تلك الدقائق ويروي بانه بلغ عن ذلك على الفور لان الحديث يدور عن فعل جنائي.
هل يمكنك ان تقدر لماذا فعل هذا؟
“بداية هذا نمط عمل اجرامي لاناس يعتقدون انه مسموح لهم كل شيء، ورئيس الطاقم تصرف كأحد ما مسموح له كل شيء. يحتمل أن يكونوا عملوا منذ ذلك الحين على الرواية التي نراها اليوم في ان رئيس الوزراء كان الوحيد الذي أدى مهامه عندما بدأت الفوضى، لان الدليل هو انه أصدر منذ الثانية الأولى كل التعليمات. هذا سيناريو خطير، لكنه معقول. يوجد سيناريو آخر هو خطير جدا”.
الذي هو؟
“مرت 11 دقيقة بين المكالمة الأولى والثانية، في اثنائها كنت اتلقى معلومات استخبارية ومعلومات لم تكن لي في المكالمة الأولى. معلومات أنقلها لرئيس الوزراء في المكالمة الثانية. واذا اثبتوا ان هذه المعلومات كانت موجودة منذ 6:29، بمعنى انه كان هناك من كان يعرف منذ ذلك الحين ماذا كان سيحصل، أي كانت خيانة. أقول بما لا لبس فيه: لم تكن خيانة!”.
هل علينا أن نفترض بانه كانت هناك محاضر أخرى زورت؟
“كل لجنة تحقيق تقوم عليها ان تصر على ان تحصل على التسجيلات الكاملة وليس على الاختزالات. إذ اني لا اعرف ما الفرق. كنت أتوقع أيضا من مراقب الدولة ان يفعل هذا والا يعتمد على مقاطع اختزال سلمه له رئيس الوزراء”.
يدعي نتنياهو بان الوثيقة التي رفعها لمراقب الدولة هي الحقيقة الكاملة.
“الوثيقة لمراقب الدولة لا تعكس ما كان حقا. هذا جزء من الحقيقة لكنه ليس كل الحقيقة”.
——————————————
يديعوت احرونوت 8/10/2026
يوم السابع من اكتوبر الذي غيّر كل شيء
بقلم: آري شافيت
على مدار الأسبوع، أحييْنا ذكرى السابع من أكتوبر، لكن أفظع يوم على الإطلاق لم ينتهِ بعد. ولن ينتهي. لا يوجد إسرائيلي عاد إلى ما كان عليه في السادس من أكتوبر 2023. لا يوجد يهودي لم يهتز كيانه. قتل يحيى السنوار ما يقرب من 1200 إسرائيلي، وأشعل حربًا سقط فيها نحو 800 إسرائيلي آخر، وعذّب عشرات الآلاف وأصاب الملايين. بسبب الهجوم الوحشي الذي شنته حماس قبل ثلاث سنوات، أعادت أمة بأكملها اكتشاف مصيرها فجأة. دولة قوية، حديثة، ومزدهرة، واجهت نقطة ضعفها. أدركنا جميعًا أننا مُستهدفون. ومنذ ذلك الحين وحتى الآن وإلى الأبد، بتنا نعلم: إنهم يريدون قتلنا. إنهم يريدون حقًا تدميرنا وإبادتنا. نحن لا نعيش في مانهاتن أو أمستردام، بل على حافة الموت.
في العقود الأولى من وجودها، أدركت إسرائيل أنها تواجه تهديدًا وجوديًا مستمرًا. لذلك، صاغت نفسها كديمقراطية فكرية، ومجتمع حر-معبأ، وجمهورية حازمة للتقدم، الأخلاق والقوة. ولأنها كانت على دراية بوحشية الشرق الأوسط، حرصت الدولة الصهيونية على عدم الاندماج فيه. كانت تعلم أنه يجب عليها الحفاظ على بيئتها الداخلية الديمقراطية الليبرالية، مع الوقوف كحصن منيع في وجه البيئة الخارجية القاسية. ومن هنا جاءت فكرة ديمونا، والقوات الجوية، وجيش الاحتياط الكبير، وحروب التدمير القصيرة. لكن في الثلاثين عامًا التي سبقت السابع من أكتوبر، تجاهلت إسرائيل الوضع الراهن، ونسيت التحدي الإسرائيلي، واستكانت. انفصلت عن الواقع التاريخي، والواقع الجيوسياسي، والمأساة اليهودية، وأقنعت نفسها بأنها كاليفورنيا. آمنت الدولة المتقدمة تكنولوجيًا بقدرة تفوقها الاقتصادي والتكنولوجي على حل أي مشكلة. أدارت ظهرها للشرق الأوسط، واندمجت في العالم، وافتخرت بغرورها. إلى أن فجأة، في الساعة 6:29 صباحًا، زحف الشرق الأوسط ببنادق هجومية على طول مسارات الكيبوتسات في غرب النقب. سيطر الإسلام الجهادي على أجزاء من باري، وكفار عزا، ومدينة الشركات الناشئة. لو لم يتردد حسن نصر الله، لكان الجليل قد سقط في ذلك اليوم بالذات، ولواجه البيت الثالث خطرًا وجوديًا حقيقيًا. لقد أوصل الكسوف إسرائيل في القرن الحادي والعشرين إلى حافة الهاوية.
لهذا السبب، لن ينتهي هذا اليوم الأفظع على الإطلاق. صحيح: لقد قلب الجيش الإسرائيلي الموازين. نفس القيادة الوطنية الفاشلة ونفس المؤسسة العسكرية الفاشلة تمكنتا من قيادة شعب قوي ومقاتلين شجعان إلى إنجازات باهرة. هُزمت حماس، وهُزم حزب الله، واهتزت إيران. لم يعد يحيى السنوار، وحسن نصر الله، وعلي خامنئي بيننا. إسرائيل الدامية في خريف 2023 أصبحت بطلاً إقليمياً يخشاه جيراننا ويحترمونه في 2026. لكن ما تعلمناه في 7 أكتوبر هو أن 7 أكتوبر القادم سيأتي. لن يتركنا الشرق الأوسط وشأننا. سواء أكان الهجوم من الشمال أو الجنوب أو الشرق، فسنتعرض للهجوم مجدداً. سواء أكان ذلك بعد عقد أو بعد عام، سيحاولون مجدداً محونا من على وجه الأرض. لأن هذا هو قدرنا. هذا هو مرسوم حياتنا. كوننا يهوداً في فضاء إسلامي، وإسرائيليين في فضاء عربي، وديمقراطيين في فضاء من الاستبداد والعنف، سنعيش دائماً على حرابنا.
لكن الخطر الذي نواجهه ليس مادياً فحسب، بل هو أيضاً نفسي وأخلاقي وثقافي. فشلت خطة يحيى السنوار الأولية. لم ينضم حزب الله إلى الحملة بكامل قوته، ولم يثر الفلسطينيون في الضفة الغربية، ولم يخن العرب الإسرائيليون، ولم يشتعل العالم العربي. استعاد الجيش الإسرائيلي رشده، وانكشف المجتمع الإسرائيلي في أبهى صوره، ودُحضت نظرية بيت العنكبوت. لكن خطة السنوار الاستراتيجية الكبرى لا تزال تُهددنا. فالهدف الحقيقي للطاغية القادم من غزة كان ثلاثيًا: عزل إسرائيل عن الغرب، وطرد النخبة الصهيونية المبدعة من إسرائيل، وجعل إسرائيل جزءًا لا يتجزأ من الشرق الأوسط. هذه التهديدات الثلاثة لا تزال قائمة. فبينما انتصرت إسرائيل في خان يونس وبنت جبيل، خسرت في واشنطن ونيويورك. نحن اليوم أكثر عزلة من أي وقت مضى، وأكثر كراهية من أي وقت مضى، ونواجه خطر الانعزال. في الوقت نفسه، ينتظر الكثير من الناس الطيبين الرحيل. إذا لم يطرأ أي تغيير بعد 27 أكتوبر، فسيهاجر عشرات الآلاف، وربما مئات الآلاف. في غضون ذلك، يهددنا التفكير الديني المتسلط الذي استولى على الوعي الإسرائيلي بجعلنا جزءًا من ذلك العالم الحقود الذي نخشاه بشدة. فبعد أن تعلمنا اللغة العربية خلال الحرب، باتت لغتنا الإنجليزية في خطر، وتراجعت لغتنا العبرية.
لذا، فإن مهمة إسرائيل في الساعة السابعة، بعد المجزرة، هي استعادة التوازن الصحيح. ما فعله دافيد بن غوريون، وليفي إشكول، وإسحق رابين في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، يجب علينا الآن أن نفعله بطريقة تليق بعصر الذكاء الاصطناعي. لا يجوز لنا بأي حال من الأحوال العودة إلى الجهل والتصورات الخاطئة والتجلد والاحتواء. ولكن يجب أيضًا ألا نصبح مثل متسادا أو غاملا. يجب ألا نسمح ليحيى السنوار بالانتصار من قبره. إن ضرورة السابع من أكتوبر هي فهم المأساة الإسرائيلية، وإدراك عظمة إسرائيل، وتحويل الدولة اليهودية إلى دولة قوية وموحدة وديمقراطية- فريدة.
——————————————
هآرتس 8/10/2026
“فلاي دبي” تكشف الحقيقة… وزيرة منشغلة بالمناصب ومسؤولون بأعمال إضافية: من يتحمل المسؤولية؟
بقلم: أسرة التحرير
بعد أسبوع من محاولة الطيار العُماني تحطيم طائرة “فلاي دبي” إلى إسرائيل وقتل 174 مسافراً إسرائيلياً، ينكشف عمق العفن والفساد في وزارة المواصلات. الوزيرة ميري ريغف، مدير عام وزارتها وموظفو الوزارة، عرضوا حياة مسافري الرحلة الجوية للخطر، وليس هذا فقط بل تم إهمال أمن المسافرين جواً إلى إسرائيل لأن الوزارة التي يفترض أن تحميهم كانت منشغلة بالتوافه وبالمناصب. هذه السنة دخل إلى البلاد ما لا يقل عن 1200 من عاملي شركات طيران أجنبية من دول لا علاقات دبلوماسية لها مع إسرائيل.
قسم الأمن في وزارة المواصلات، المسؤول عن فحص طواقم الطيران الأجانب لم يؤد مهامه على مدى سنين. وفي إطار ذلك، كافحت ريغف لإبقاء الصلاحيات في يد هذا القسم. ما كشفت عنه “هآرتس” من أن رئيس قسم المواصلات في الوزارة، إبري كوهن، يرتجل منذ ثماني سنوات في عمل جانبي بصفته مسؤول أمن في الرحلات الجوية في الخارج وكذا أعمال جانبية لمسؤول كبير آخر في منظومة الأمن، دابير روبنشتاين، الذي يوزع وقته بين العمل في وزارة المواصلات وتقديم الاستشارات لشركات طيران ومنها “فلاي دبي” نفسها – يدل على أن المسؤولين عن أمن المسافرين جواً إلى إسرائيل عملوا ظاهراً انطلاقاً من مصالح مختلفة تماماً. وإذا لم يكن هذا بكاف، فقد تبين بأن كوهن كذب حين ادعى بأنه تلقى الإذن للعمل في عمل إضافي. كل سلوك الوزارة يستوجب تحقيقاً جنائياً.
لا غرو أن من تقف في رأس هذه الخروقات هي ريغف، التي كرست سنواتها في الوزارة للتملق لمركز الليكود ولرحلات جوية إلى الخارج. وفي الوسط عينت لمنصب مدير عام الوزارة شخصاً لا تجربة له في الإدارة، اكتسب مكانته بفضل نشاطه في فرع الليكود في “أسدود” وفي إنتاج مناسبات الليكوديادا. محاولة عملية الطائرة حدث مسجل أيضاً على اسمها. محظور على الشرطة الاكتفاء بالتحقيق مع موظفي الوزارة الصغار. عليها أن تحقق إذا كانت إدارة ريغف الفاشلة والتملص من المسؤولية والتركيز على “الجواهر” والمقربين السياسيين ساهم في وضع كاد فيه طيار عُماني يحطم طائرة مليئة بالإسرائيليين.
ليس مفاجئاً أن الموساد أيضاً – الجسم الذي يفترض أن يمنع عمليات إرهاب من الخارج لإسرائيل، لم يقم بعمله كما ينبغي. هنا أيضاً يدور الحديث عن جسم احتله تعيين سياسي – في شكل رومان غوفمان. في ولاية نتنياهو ثقافة الارتجال، إلقاء المسؤولية والليكوديادا سيطرت على مكان المهنية والاستقامة. في دولة سليمة كان رئيس الوزراء سيقيل ريغف على الفور. لكن في دولة إسرائيل الفاسدة، حتى بعد الكارثة الأكبر في تاريخها، مذبحة 7 أكتوبر، بقي نتنياهو وريغف وباقي وزراء الحكومة في مناصبهم وتنكروا لمسؤوليتهم. كنا على مسافة خطوة من كارثة وطنية أخرى.
لا أحد يتحمل المسؤولية في إسرائيل نتنياهو. لا يوجد استخلاص دروس ولا خجل. استمرار ولاية “المنتخب” هذا سيضمن كوارث إضافية.
—————-انتهت النشرة—————–

