“نيويورك تايمز” عزلة دولة الاحتلال تتجاوز نتنياهو.. تراجع شعبي وضغوط أوروبية تستهدف سياسات الاحتلال

المسار : تتسع مؤشرات العزلة الدولية التي تواجهها دولة الاحتلال الإسرائيلي، في ظل تراجع متواصل في التأييد الشعبي لها داخل الولايات المتحدة وأوروبا، بالتزامن مع انتقال بعض الضغوط الأوروبية من مستوى الانتقاد السياسي إلى إجراءات وعقوبات مرتبطة بالاستيطان وعنف المستوطنين.

وكانت الباحثة الإسرائيلية الأميركية شيرا إفرون قد حذرت، في مقال رأي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» في 28 أيار/مايو 2026، من أن العزلة الدولية لدولة الاحتلال تتعمق بوتيرة متسارعة، معتبرة أن تغيير رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وحده لن يكون كافيا لعكس هذا المسار إذا استمرت السياسات ذاتها.

وأعيد نشر المقال لاحقا عبر مؤسسة RAND في حزيران/يونيو، ما يعني أن الحديث يدور عن تحليل سبق التطورات الحالية وليس مقالا جديدا صدر خلال الأيام الأخيرة.

وتشغل إفرون حاليا موقعا بحثيا بارزا في مؤسسة RAND، وسبق أن عملت في مؤسسات بحثية مرتبطة بملفات الأمن والسياسة الإسرائيلية، ما يمنح تحذيراتها أهمية خاصة باعتبارها صادرة من داخل دوائر بحثية تركز على المصالح الاستراتيجية والأمنية لدولة الاحتلال.

60% من الأميركيين ينظرون سلبا إلى دولة الاحتلال

وتستند إفرون في تحليلها إلى تحول واضح في اتجاهات الرأي العام الأميركي.

فبحسب استطلاع لمركز «بيو» أجري في آذار/مارس 2026 وشمل 3,507 بالغين أميركيين، ارتفعت نسبة من يحملون نظرة سلبية إلى دولة الاحتلال من 42% عام 2022 إلى 60% في 2026، بينما تراجعت النظرة الإيجابية إلى 37%. كما قال 59% إن لديهم ثقة محدودة أو معدومة بنتنياهو في ما يتعلق بالشؤون الدولية.

ولا يقتصر التراجع على الديمقراطيين، إذ أظهرت نتائج «بيو» أن النظرة السلبية باتت واسعة أيضا بين الأميركيين الذين تقل أعمارهم عن 50 عاما في كلا الحزبين، ما يشير إلى تغير يمتد إلى الأجيال الشابة داخل قاعدة سياسية كانت تاريخيا أكثر دعما لدولة الاحتلال.

الأزمة تتجاوز الولايات المتحدة

وتعزز دراسة دولية نشرها «بيو» في حزيران/يونيو 2026 صورة التراجع العالمي؛ إذ أظهرت أن أغلبية المشاركين في معظم الدول الـ36 التي شملها الاستطلاع يحملون نظرة سلبية إلى دولة الاحتلال.

وفي أوروبا وصلت النظرة السلبية إلى 78% في السويد وإسبانيا، و76% في هولندا، و75% في إيطاليا، و73% في ألمانيا، و70% في بولندا، بينما سجلت دول أوروبية أخرى مستويات مرتفعة أيضا.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأنها لا تأتي من دول بعيدة سياسيا عن دولة الاحتلال فحسب، بل تشمل دولا أوروبية ترتبط معها بعلاقات اقتصادية وسياسية وعلمية وأمنية واسعة.

من الانتقاد إلى العقوبات

ولم تعد الضغوط الأوروبية محصورة في البيانات السياسية.

ففي 28 أيار/مايو 2026، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات جديدة على أربع جهات وثلاثة أشخاص مرتبطين بالاستيطان وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، في إطار نظام العقوبات الأوروبي العالمي لحقوق الإنسان.

وشملت الإجراءات حركة «نحالا» ومديرتها دانييلا فايس، إلى جانب جهات وشخصيات أخرى مرتبطة بالاستيطان، وتضمنت تجميد الأصول وحظر توفير الأموال والموارد الاقتصادية للجهات المدرجة، إضافة إلى منع سفر الأشخاص المشمولين بالعقوبات.

وتوضح هذه الإجراءات أن الضغط الأوروبي لا يمثل مقاطعة شاملة لدولة الاحتلال، لكنه يعكس انتقالا تدريجيا نحو استخدام أدوات اقتصادية وقانونية ضد جهات مرتبطة بالاستيطان والانتهاكات في الضفة الغربية.

المشكلة في السياسات لا في نتنياهو وحده

وتكمن النقطة المركزية في تحليل إفرون في أن رحيل نتنياهو، وفق رؤيتها، قد يمنح حكومة إسرائيلية جديدة فترة قصيرة من الانفتاح الدولي، لكنه لن يكون كافيا إذا استمرت السياسات المتعلقة بالضفة الغربية وغزة والفلسطينيين دون تغيير.

وتدعو الباحثة إلى خطوات من بينها كبح عنف المستوطنين، ووقف ما تصفه بالضم الفعلي في الضفة الغربية، وتسهيل إعادة إعمار قطاع غزة، وإعادة بناء علاقات عملية مع المؤسسات الفلسطينية.

ويعني ذلك أن الأزمة، وفق تحليلها، انتقلت من كونها مرتبطة بصورة حكومة نتنياهو وشخص رئيسها إلى أزمة أوسع ترتبط بالسياسات التي تنتهجها دولة الاحتلال نفسها.

عزلة تضيق الخيارات الاستراتيجية

ولا تذهب إفرون إلى القول إن دولة الاحتلال تواجه «تهديدا وجوديا» مباشرا بسبب العزلة، لكن تحذيرها يركز على التداعيات الاستراتيجية بعيدة المدى.

فاستمرار التراجع في الرأي العام الأميركي واتساع العقوبات والقيود الأوروبية قد يقلص، بحسب تحليلها، قدرة دولة الاحتلال على الحفاظ على شبكة الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي والعلمي التي اعتمدت عليها لعقود.

وبذلك، يصبح السؤال الذي تطرحه إفرون أوسع من مستقبل نتنياهو السياسي: هل تستطيع دولة الاحتلال استعادة مكانتها الدولية بمجرد تغيير القيادة، أم أن ذلك يتطلب تغييرا فعليا في سياساتها تجاه الفلسطينيين والاستيطان وغزة؟

وتشير المعطيات الأميركية والأوروبية المنشورة خلال عام 2026 إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة بصورة نتنياهو وحده، بل باتت تشمل نظرة متزايدة إلى سياسات دولة الاحتلال نفسها، وهو ما يجعل أي تغيير في القيادة محدود الأثر ما لم يترافق، وفق هذا التحليل، مع تحول في النهج السياسي والميداني.

Share This Article