المسار : مع مرور عام كامل على اتفاق وقف إطلاق النار، لم تعد حكاية غزة ترفًا إنشائيًا، فالناس الذين عادوا إلى ركام منازلهم وجدوا أنفسهم محاصرين داخل طوق جديد، كان من المفترض أن ينتهي مع الشهر الأول من اتفاق إنهاء الحرب، الذي بدأ تطبيقه في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025
وبدلًا من أن يختفي “الخط الأصفر”، الذي كان من المفترض أن يكون مؤقتًا، وتنسحب منه قوات الاحتلال مع بدء تطبيق الاتفاق، تمدد أكثر، وسبقه غربًا آخر “برتقالي”، فرضته قوة النار الإسرائيلية، وسطوة التنكّر للاتفاق، دون حسيب، محاصرة أهالي القطاع في مساحة ضيقة لا تتجاوز 35% فقط من إجمالي المساحة.
ورغم ما نص عليه الاتفاق من وقف العمليات العسكرية كافة وانسحاب قوات الاحتلال، إلا أن الواقع الميداني اصطدم بسياسة إسرائيلية خبيثة تمثلت في قضم المزيد من الأرض وتدمير مساحات أوسع من المباني.
واستخدم الاحتلال هذه الخطوط لفرض طوق خانق وتقطيع أوصال القطاع، وأخضع ما تبقى من مساحة لحصار مشدد وظروف حياتية غير آدمية.
ولم تكن هذه الخطوط مجرد ألوان على الخرائط، بل تحولت على الأرض إلى سواتر ترابية عملاقة وتقسيمات تهدف إلى شق النطاق السكاني والتحكم الكامل في حرية الحركة.
جغرافية التقطيع وسواتر العزل
وتُظهر صور الأقمار الصناعية إنشاء أكثر من 30 كيلومتراً من السواتر الترابية الجديدة التي تكرس تقطيع أوصال القطاع.
فمنذ شهر يوليو/تموز، شرعت قوات الاحتلال في إقامة سواتر تمتد من شواطئ شمالي رفح جنوبًا لتتجه شرقًا ثم شمالاً على طول القطاع، إضافة إلى إنشاء مواقع عسكرية على تلال رملية مصطنعة، لتكشف كامل الأراضي التي يُحشر فيها نحو 2.4 مليون شخص.
وفي هذه المساحة الضيقة المتبقية، يتركز سكان القطاع، الذين في معظمهم نازحون في تجمعات متراصة تتركز في خان يونس ودير البلح ومدينة غزة.
ورصدت صور الأقمار الصناعية، أكثر من 232 ألف خيمة ومأوى مؤقت تنتشر في مختلف أنحاء القطاع، يتركز أكثر من نصفها في مدينة خان يونس وحدها (حوالي 127,635 خيمة)، تليها دير البلح (50,266 خيمة)، فمدينة غزة (34,445 خيمة)، فشمال غزة (16,707 خيام)، وصولاً إلى رفح (3,112 خيمة)، وفقاً لتحليلات منصة “ريو غود ريسيرتش”.
حجم الدمار الهائل وإبادة البنية
ولم تتوقف إجراءات الاحتلال عند حدود رسم الخطوط والسواتر، بل امتدت لتسوية أحياء سكنية بأكملها بالأرض، مما أدى إلى تدمير أكثر من 200,000 مبنى كلياً، وهو ما يعادل 82% من إجمالي مباني القطاع.
وتوزعت هذه الأضرار الجسيمة لتصل في خان يونس ومدينة غزة إلى نحو 52,000 مبنى مدمر في كل منهما.
ولم يقتصر الدمار على المساكن فحسب، بل شمل الطرق والبنى التحتية والمنشآت العامة، مخلفاً ركاماً هائلاً تجاوز حجمه 68 مليون طن، وهو حجم يكفي لتغطية أكثر من 7,000 ملعب كرة قدم بطبقة من الأنقاض يبلغ ارتفاعها متراً كاملاً.
وعلى الرغم من توقيع اتفاقيات وقف إطلاق النار وقرارات مجلسي الأمن والسلام، يواصل جيش الاحتلال عمليات القصف، وتوسيع خطوطه، التي استيقظ سكان مدينة غزة على موجة نزوح بسبب إزاحتها غربًا.
ويهدف جيش الاحتلال لتكريس أمر واقع ميداني لتضييق الخناق على أهالي القطاع.
وبعد حرب امتدت لسنوات ودمرت مظاهر الحياة كافة، يجد الأهالي أنفسهم أسرى سواتر التراب والحديد، في معركة بقاء مستمرة ضد محاولات اقتلاعهم من أرضهم.

