ائتلاف الرقابة على الانتخابات: تأجيل الانتخابات يضرب الديمقراطية ويعمّق أزمة الشرعية الفلسطينية

– الطبقة السياسية ارتاحت لغياب الانتخابات.. ومصالحها الضيقة غلّبت على حق المواطنين في اختيار ممثليهم

– لا ضمانات لإجراء الانتخابات في أيلول 2027.. وعلى الفصائل أن تطمئن الشارع الفلسطيني وتعلن ما ستفعله لضمان إجرائها

– تأجيل الانتخابات أضعف شرعية السلطة الوطنية وخدم أهدافاً إسرائيلية معلنة لإضعافها
– أزمة الديمقراطية تبدأ من داخل الفصائل.. بعضها باتت تُدار بعقلية أقرب إلى الملكية الخاصة

المسار : وصف مدير مرصد العالم العربي للديمقراطية والانتخابات ومنسق الائتلاف الأهلي للرقابة على الانتخابات، عارف جفال، تأجيل الانتخابات الفلسطينية بأنه “كارثة أصابت الحياة الديمقراطية ومستقبل الأجيال”، محذراً من تداعيات القرار على الشرعية السياسية والثقة بالأحزاب والفصائل، في ظل غياب أي ضمانات لإجراء الانتخابات في الموعد الجديد المعلن في أيلول/سبتمبر 2027.

وقال جفال، خلال حديثه لبرنامج “الطريق الى الانتخابات” الذي يبث عبر شبكة وطن الإعلامية بدعم من مؤسسة فريدريش نومان من أجل الحرية الألمانية، إن الانتخابات كانت الوسيلة الأساسية أمام الشعب الفلسطيني لتجديد شرعية المؤسسات العامة، وإتاحة الفرصة أمام الأجيال الشابة التي لم تشارك سابقاً في العملية الانتخابية للانخراط في الحياة السياسية والمساهمة في صناعة القرار.

وأضاف أن تبرير التأجيل بضرورة تهيئة الظروف السياسية والأمنية والميدانية لا يقنعه، لأن الظروف التي استُند إليها كانت قائمة عند صدور مرسوم الانتخابات، ولم يطرأ عليها تغيير جوهري يفسر العدول عن إجرائها.

واعتبر أن ما جرى لا يتعلق بعوائق تقنية بقدر ما يرتبط بالمصالح السياسية للأطراف الفلسطينية، قائلاً إن “الطبقة السياسية صارت ترتاح بدون الانتخابات”، وإن الفصائل لم تكن مستعدة لخوضها، مشيراً إلى أن عدداً من القوى السياسية تأخر في تسجيل قوائمه، فيما اتجهت فصائل إلى المطالبة بالتأجيل أو طرح مبادرات في مرحلة متأخرة.

التأجيل لم يعالج الانقسام بل عمّق الأزمة
ورأى جفال أن الرهان على المصالحة الوطنية بوصفها شرطاً سابقاً لإجراء الانتخابات لم يعد مقنعاً، في ضوء جولات الحوار المتعددة التي لم تنجح في إنهاء الانقسام، بما فيها الحوارات التي استضافتها بكين، محذراً من أن تأجيل الانتخابات لن يقود تلقائياً إلى المصالحة أو توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة.
وتساءل عن الضمانات التي يمكن أن تقدمها القوى السياسية للمواطن الفلسطيني بأن التأجيل هذه المرة سيؤدي إلى نتائج مختلفة، داعياً حركة فتح وحركة حماس وبقية الفصائل إلى إعلان ما ستفعله خلال الفترة المقبلة لضمان إجراء الانتخابات في موعدها.

وقال إن ما أُعلن عن مخرجات الحوارات الوطنية لم يقدم، حتى الآن، ما يكفي لإقناع الشارع بأن هناك مساراً واضحاً نحو الانتخابات، مضيفاً أن القوى التي وافقت على التأجيل هي المسؤولة عن تقديم ضمانات جدية للمواطنين.

الفصائل ستدفع ثمن التأجيل شعبياً
وحذّر جفال من أن استمرار غياب الانتخابات سيؤدي إلى نتائج عكسية على الفصائل الفلسطينية، بدلاً من استعادة ثقة الجمهور بها، مشيراً إلى أن ثقة المواطنين بالأحزاب باتت تستند إلى أدائها الفعلي على الأرض، لا إلى شعاراتها وبياناتها السياسية.
وأوضح أن المواطن الفلسطيني ينظر إلى ما تقدمه القوى السياسية في مواجهة اعتداءات المستوطنين، وفي ظل معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة، ويسأل عما أنجزته هذه القوى لحماية المواطنين وتحسين واقعهم.

وأضاف أن تراجع الثقة بالأحزاب وتزايد الفجوة بينها وبين الجمهور يجعلان الانتخابات ضرورة لمحاسبة القوى السياسية على أدائها، وتمكين المواطنين من اختيار ممثليهم وفقاً لتجاربهم ومواقفهم، لا وفقاً للخطاب السياسي وحده.
وتوقع جفال أن تشهد الانتخابات المقبلة، في حال إجرائها، حضوراً أكبر للقوائم المستقلة، مع احتفاظ الفصائل بوجودها، لكنه استبعد أن تتمكن أي قوة سياسية من تكرار النتائج الكبيرة التي حققتها بعض الفصائل في انتخابات عام 2006.

تأجيل الانتخابات أضعف شرعية السلطة
وفي تحذير من التداعيات السياسية للقرار، قال جفال إن تأجيل الانتخابات أضعف شرعية السلطة الوطنية الفلسطينية أمام المواطنين، في وقت تواجه فيه السلطة، بحسب وصفه، ضغوطاً وقيوداً إسرائيلية متزايدة.
واعتبر أن القرار لم يخدم المصلحة الوطنية، بل أضعف قدرة الفلسطينيين على تعزيز مؤسساتهم في مواجهة المخططات الإسرائيلية الرامية إلى إضعاف السلطة ودفعها نحو التحلل.

وأضاف أنه كان يفضّل أن تتعطل الانتخابات بفعل منع إسرائيلي مباشر، بدلاً من أن يأتي قرار التأجيل من الجانب الفلسطيني، بما يضع إسرائيل أمام مسؤولياتها عن عرقلة العملية الديمقراطية.

وقال إن الانتخابات كانت ستتيح تشكيل مجلس تشريعي فلسطيني منتخب يتولى مسؤولياته في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، بدلاً من ترك المجال أمام ترتيبات أخرى قد تفرض نفسها على الواقع الفلسطيني.

أزمة الديمقراطية تبدأ من داخل الفصائل
وفي سياق متصل، انتقد جفال غياب الديمقراطية الداخلية في الأحزاب والفصائل الفلسطينية، معتبراً أن القوى التي تدعو إلى الديمقراطية مطالبة أولاً بممارستها داخل مؤسساتها.

وقال إن بعض الفصائل باتت تُدار بعقلية أقرب إلى الملكية الخاصة منها إلى العمل العام، وإن القرار السياسي أصبح أكثر فردية وأقل جماعية، في ظل استمرار قيادات في مواقعها لعقود، وجمع بعض المسؤولين بين مناصب متعددة.
وأضاف أن الأحزاب لم تستوعب التحولات التي شهدها المجتمع الفلسطيني بعد قيام السلطة الوطنية، ولم تطور بنيتها وبرامجها وآليات عملها بما يتناسب مع تطلعات الأجيال الجديدة.

وشدد على أن الشباب الفلسطيني اليوم أكثر اطلاعاً على التجارب السياسية في العالم، ولم يعد كافياً مخاطبته بالشعارات التقليدية، بل يتطلب الأمر برامج واقعية وحلولاً واضحة للقضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وأكد أن أزمة الأحزاب لا تقتصر على فصيل بعينه، بل تشمل مختلف القوى السياسية التي أخفقت في تجديد بنيتها الداخلية، وتوسيع المشاركة، والاستجابة للتحولات التي يشهدها المجتمع.

مليون ونصف المليون فلسطيني خارج التجربة الانتخابية
وأشار جفال إلى أن نحو مليون ونصف المليون فلسطيني لم يشاركوا في أي انتخابات خلال حياتهم، معتبراً أن استمرار هذا الواقع يحرم جيلاً كاملاً من تجربة المشاركة السياسية والرقابة على أداء المؤسسات العامة.
واستعاد تجربة المجلس التشريعي الأول، قائلاً إن المواطنين عايشوا آنذاك جلسات نقاش ومساءلة للوزراء، وتغييرات حكومية استندت إلى تقييم الأداء، وصولاً إلى ممارسة المجلس دوره الرقابي والتشريعي.
وأضاف أن الأجيال الجديدة لم تعش تجربة مؤسساتية مماثلة، ما أسهم في تعميق انعدام الثقة واليقين بشأن المستقبل، في ظل شعور متزايد لدى المواطنين بأنهم خارج دائرة التأثير في القرارات التي تمس حياتهم.

لا ضمانات لموعد أيلول 2027
وأكد جفال أنه لا يملك ضمانات بأن الانتخابات الرئاسية والتشريعية ستُجرى في أيلول/سبتمبر 2027، مشيراً إلى أن تكرار التأجيل، بعد تجربة عام 2021، يثير علامات استفهام جدية حول الالتزام بالموعد الجديد.
وقال إن الفصائل التي وافقت على التأجيل مطالبة بالخروج إلى المواطنين والإعلان بوضوح عن الخطوات التي ستتخذها خلال الفترة المقبلة، حتى لا يبقى الموعد الجديد عرضة للتأجيل مرة أخرى.

وكشف أن الائتلاف الأهلي للرقابة على الانتخابات يعتزم العمل على مسارين أساسيين: أولهما بناء حاضنة مجتمعية واسعة داعمة لإجراء الانتخابات، وثانيهما مواصلة حملات الضغط والمناصرة لضمان الحريات العامة وتهيئة الأجواء اللازمة للعملية الانتخابية.
وشدد على ضرورة حماية حرية الرأي والتعبير ومنع التضييق على المواطنين، بما يضمن وجود بيئة ديمقراطية تسمح بالتنافس السياسي والمشاركة الفاعلة.

رسالة إلى الشباب: شكّلوا قوائمكم من الآن
وفي ختام حديثه، دعا جفال الشباب والشابات الفلسطينيين إلى عدم انتظار قرارات الفصائل، والبدء منذ الآن في تشكيل قوائمهم الانتخابية والاستعداد لخوض المنافسة، مؤكداً أن الانتخابات تمثل الطريق الأساسي للتغيير والمشاركة الإيجابية في الحياة السياسية.
وقال: “ما عنا خيار بالتغيير إلا بالانتخابات، وما عنا خيار للمشاركة الإيجابية إلا بالانتخابات”.
ودعا الشباب إلى التحرك المبكر، وتطوير برامج وأفكار مختلفة عن المنظومة السياسية القائمة، والاستعداد لمتطلبات المشاركة الانتخابية، بما فيها التكاليف المالية والتنظيمية، بدلاً من الانتظار حتى اللحظات الأخيرة.
وأكد أن المشاركة الفاعلة للشباب يمكن أن تسهم في تشكيل ضغط مجتمعي على الفصائل للالتزام بإجراء الانتخابات في موعدها، وعدم إبقاء مستقبل العملية الديمقراطية مفتوحاً على احتمالات التأجيل مجدداً.

المصدر … وكالة وطن للأنباء

Share This Article