المسار: غنّت فيروز للزيتون، وسألت بصوتها الذي يسكن الذاكرة والوجدان منذ عشرات السنيين ومازال السؤول مفتوحا
«حلفتك خبرني كيف حال الزيتون؟»
يا فيروز، ماذا أخبركِ عن حال الزيتون؟ وكيف أصف لكِ وجع شجرٍ صار يبكي إخوته الذين اقتلعتهم جرافات الاحتلال، ويشهد على جريمة تُرتكب بحق الأرض والتاريخ والذاكرة الفلسطينية؟
يا فيروز، لو رأيتِ زيتوننا في سهل عرابة، وفي أرض المصرارة التي زرعها أجدادنا ورعوها جيلاً بعد جيل، لعرفتِ أن السؤال لم يعد عن موسمٍ أخضر أو أشجارٍ مثقلة بالثمار، بل عن أشجار تُقتلع من جذورها، وأرض تُنتزع من أصحابها، وذكريات تُسحق تحت جنازير الجرافات.
يا فيروز، ماذا أخبركِ عن الزيتون؟
أخبركِ أن قطرة الزيت التي كانت تزيّن موائدنا، وتغمس فيها أيدينا أرغفة الخبز، باتت أثمن من أن تصل إلى أفواهنا وأفواه أطفالنا بسهولة. أخبركِ أن الزيت الذي كان بركة الموسم وخير الأرض، أصبح مهدداً بالسرقة والحرمان، وأن تعب الفلاح الفلسطيني بات يُواجه بالجرافات والاعتداءات والاستيطان.
أخبركِ أن موسم الزيتون، الذي كان عرساً فلسطينياً تتلاقى فيه العائلات، وتتعالى فيه الضحكات بين الأشجار، أصبح موسماً للخوف والترقب والحزن؛ موسمٌ يخشى فيه المزارع على أرضه وثماره، بل وعلى حياته، وهو يحاول الوصول إلى أشجاره.
وأخبركِ أن غرباء يمدّون أيديهم إلى أرض ليست أرضهم، وإلى ثمار لم يتعبوا في زراعتها، فيما يقف أصحاب الأرض أمام واقعٍ يهدد مصدر رزقهم وحقهم التاريخي.
فيروز.. هل تغيّر شكل الزيتون؟
لم يكن الزيتون في أغاني فيروز مجرد شجرة، بل كان جزءاً من الحكاية الفلسطينية والعربية؛ من القرية والبيت والطفولة، ومن الأرض التي تمنح الإنسان هويته وانتماءه.
وحين نتذكر أغنياتها التي استحضرت الزيتون والصبي والصبية وفيّ الطاحونة، نتذكر زمناً كانت فيه الأرض مساحةً للحياة، وكانت الأشجار جزءاً من تفاصيل الناس وأحلامهم.
لكن أيّ شكلٍ أصبح عليه الزيتون اليوم، يا فيروز؟
لقد تغيّر المشهد تحت الاحتلال. الأشجار التي كانت تتمايل مع الريح أصبحت بعضها ملقى على الأرض، وجذوعها الممزقة تشهد على ما ارتكبته الجرافات. والأرض التي كانت تجمع أفراد العائلة حول موسم القطاف باتت تواجه خطر الاستيطان ومصادرة الوجود الفلسطيني فيها.
حتى أغنيتكِ التي تقول: «كان غير شكل الزيتون»، تستحضر اليوم سؤالاً موجعاً: كيف أصبح شكل الزيتون حين تحوّل من رمزٍ للحياة والعطاء إلى ضحيةٍ للاقتلاع والتدمير؟
من درويش إلى القرآن الكريم.. الزيتون ذاكرة لا تُقتلع
ولم يكن الزيتون غائباً عن شعر محمود درويش، الذي جعل الأرض وشجرها وحقولها جزءاً من قصيدة الوطن، ومن علاقة الفلسطيني بجذوره وذاكرته.
وفي الشعر الفلسطيني، لا تكون الشجرة مجرد نبات؛ إنها امتداد للجدّ والأب والابن، وشاهد على الحكاية التي لا يستطيع المحتل محوها بمجرد اقتلاع الجذوع.
هكذا اجتمع الزيتون في وجداننا بين البركة الدينية، والجمال الشعري، والذاكرة الغنائية، والارتباط العميق بالأرض.
فأيّ قسوة هذه التي تدفع إنساناً إلى تدمير شجرةٍ زرعها غيره ورعاها، وأيّ ظلمٍ يجعل الفلاح يخشى على أشجاره التي ورثها عن آبائه وأجداده؟
إن الاعتداء على الزيتون ليس تدميراً للأخشاب والجذور فحسب، بل اعتداء على مصدر رزق العائلات، وعلى التراث الزراعي، وعلى علاقة الإنسان بأرضه.
المصرارة.. حين تُقتلع أشجار الأجداد
في أرض المصرارة من سهل عرابة، حيث تمتد حكاية عائلتنا مع الأرض عبر الأجيال، لم تكن أشجار الزيتون مجرد مصدرٍ للزيت، بل كانت أمانةً ورثناها عن الأجداد، وشاهداً على تاريخ العائلة وارتباطها بأرضها.
هناك، حيث زرع أجدادنا الأشجار وحافظوا عليها، امتدت جرافات الاحتلال لتقتلع الزيتون وتحوّل سنواتٍ طويلة من الرعاية والعطاء إلى مشهدٍ من الدمار.
وحين تُقتلع شجرة زيتون معمّرة، فإن الخسارة لا تُقاس بثمن خشبها أو بعدد لترات الزيت التي كانت تنتجها. إنها سنوات من الانتظار والعمل، وذاكرة بيتٍ كامل، وحقٌّ في الأرض لا تمنحه الجرافات ولا تسلبه بسهولة.
لقد ارتبطت حياتنا الفلسطينية بالزيتون والزعتر، حتى أصبح الخبز المغموس بالزيت والزعتر عنواناً لبساطة العيش وكرامة الإنسان. إنها ثقافة أرضٍ ومائدةٍ وبيت، لا يعرف الغرباء معناها حين ينظرون إلى الأرض باعتبارها غنيمة، وإلى الشجرة باعتبارها ثمرة يمكن الاستيلاء عليها.
فالزيتون الذي زرعه أجدادنا ليس ملكاً عابراً ينتقل إلى من يضع يده عليه بالقوة، والأرض التي احتضنت جذوره لا تفقد حكايتها حين تُحاصر أو تُجرف.
يا فيروز.. الزيتون لا يبكي وحده
يا فيروز، لو سألتِ اليوم عن حال الزيتون، لقلت لكِ إن الزيتون يبكي على أشقائه الذين سقطوا، وعلى مواسم حُرم أصحابها من ثمارها، وعلى فلاحٍ يقف عاجزاً أمام جرافةٍ لا تعرف معنى الشجرة ولا قيمة العمر الذي قضاه في رعايتها.
لكنت أخبرتكِ أن الزيتون الفلسطيني يقف شاهداً على صراعٍ بين من يزرع الحياة ومن يقتلعها، بين من يورّث أبناءه الأشجار والأرض، ومن يريد أن يفرض واقعاً جديداً بالقوة.
لكنني سأخبركِ أيضاً أن الزيتون لا يموت في ذاكرة أصحابه، وأن اقتلاع شجرة لا يقتلع حقاً، وأن جذور الفلسطيني في أرضه أعمق من أن تمحوها جرافة.
سيظل الزيتون في عرابة وجنين وسائر فلسطين عنواناً للصمود، وستظل مواسمه حاضرةً في أغنياتنا وقصائدنا وبيوتنا، مهما اشتدت الاعتداءات.
يا فيروز، لا تسألينا فقط كيف حال الزيتون؛ اسألينا كيف حال الفلاح الذي زرعه، وكيف حال الأسرة التي تنتظر خيره، وكيف حال الأرض التي تحمل أسماء أجدادنا.
واسألي العالم: من يحمي شجرة الزيتون الفلسطينية من الاقتلاع، ومن يحمي أصحاب الأرض من الاعتداء، ومن يعيد للفلاح حقه في الوصول إلى أرضه وقطاف ثماره بأمان؟
فالزيتون ليس شجرةً فقط؛ إنه ذاكرة شعب، وكرامة فلاح، وهوية وطن.
وإذا كان الاحتلال يراهن على الجرافة لاقتلاع الشجرة، فإننا نراهن على الأرض، وعلى الذاكرة، وعلى أجيالٍ ستواصل الزراعة وتقول للعالم: هذه أرضنا، وهذا زيتوننا، وهذه حكايتنا التي لن تنتهي.

