من الميدان إلى الفضاء الرقمي.. كيف يعيد الاحتلال تشكيل «الحكم العسكري» في الضفة؟

المسار : تتسع في الضفة الغربية دائرة الإجراءات الإسرائيلية التي تستهدف المجالين العام والسياسي، من هدم النصب التذكارية وإزالة الأعلام والرموز الوطنية، إلى ملاحقة الفلسطينيين على خلفية منشوراتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، في مسار يرى حقوقيون وأكاديميون أنه يتجاوز الإجراءات الأمنية المؤقتة إلى محاولة إعادة هندسة أدوات السيطرة على المجتمع الفلسطيني.

وتستخدم سلطات الاحتلال تهمة «التحريض» بصورة متزايدة في ملاحقة صحفيين وناشطين وأسرى محررين ونساء وأطفال، بالتوازي مع حملات ميدانية تشمل توزيع ملصقات تحذيرية في بلدات ومدارس، وإزالة رموز وطنية، وهدم صروح للشهداء، بما يوسع دائرة الرقابة لتشمل المجالين الواقعي والرقمي.

«التحريض» بوابة واسعة للاعتقال

تقول مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان إن الاعتقال على خلفية ما يسمى «التحريض» يمس بصورة مباشرة الحق في حرية الرأي والتعبير.

وبحسب دائرة التوثيق في المؤسسة، اتسع نطاق هذه الاعتقالات بصورة كبيرة منذ بدء الحرب على غزة، ليشمل شرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني.

وتوضح المؤسسة أن مفهوم «التحريض» بات يستخدم بصورة فضفاضة، إذ تتضمن بعض لوائح الاتهام منشورات لا تشمل دعوات مباشرة للعنف، وإنما تعبيرات عن التضامن أو الحزن أو المواقف السياسية المتعلقة بالشهداء والأسرى والحرب على غزة.

وتشير «الضمير» إلى ارتفاع مستوى العقوبات في المحاكم العسكرية الإسرائيلية بقضايا مرتبطة بالمنشورات والتعبير السياسي، لافتة إلى أن القانون العسكري يتيح فرض أحكام تصل إلى سنوات طويلة من السجن.

وبحسب المؤسسة، صدر في أيلول/سبتمبر الماضي حكم بالسجن أربع سنوات بحق الصحفي محمود فطافطة، في واحدة من أبرز القضايا المرتبطة بمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.

وترى المؤسسة أن اتساع هذه الملاحقات يدفع الفلسطينيين إلى ممارسة رقابة ذاتية على ما يكتبونه وينشرونه، بما يهدد حضور الرواية الفلسطينية في المجال العام ويحول التعبير السياسي إلى مصدر دائم للخوف والملاحقة.

سيادة فعلية دون إعلان ضم

من جانبه، يرى أستاذ الإعلام في جامعة القدس أحمد رفيق عوض أن الإجراءات الإسرائيلية المتزايدة في الضفة تندرج ضمن سياسة أوسع برزت بصورة أكبر بعد السابع من أكتوبر.

ويقول عوض إن الاحتلال يسعى إلى خفض سقف التعبير السياسي الفلسطيني وإزالة الرموز الوطنية وإشعار الفلسطينيين بأن الفضاء العام بات خاضعا لرقابة إسرائيلية مباشرة.

ويعتبر أن هذه الممارسات تعكس نوعا من «السيادة الفعلية» على الأرض، دون الحاجة إلى إعلان رسمي بضم الضفة، بما يسمح لإسرائيل بتوسيع أدوات السيطرة مع تفادي التداعيات السياسية والدبلوماسية التي قد يسببها إعلان الضم رسميا.

ويشير إلى أن استهداف المدارس والنصب التذكارية والأعلام، إلى جانب ملاحقة الفلسطينيين بسبب منشوراتهم على مواقع التواصل، يعكس انتقال السيطرة من المجال الجغرافي إلى المجال الاجتماعي والسياسي والرمزي.

نحو إعادة إنتاج «الحكم العسكري»؟

أما أستاذ القانون الدولي في الجامعة العربية الأميركية رائد بدوية، فيرى أن التعامل مع كل إجراء بصورة منفصلة يحجب الصورة الأوسع.

ويقول إن الاعتقالات وهدم الصروح وملاحقة المنشورات وإزالة الرموز الوطنية تشكل، عند جمعها معا، منظومة رقابة وسيطرة تمتد إلى تفاصيل الحياة العامة، ولا تقتصر على الأرض أو الحركة أو الموارد.

ويحذر بدوية من أن توسيع مفهوم «التحريض» يسمح بتجريم أشكال واسعة من التعبير السياسي والوطني، ويعيد إلى الأذهان، رغم اختلاف السياقات القانونية والتاريخية، نظام الحكم العسكري الذي فرضته إسرائيل على الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948 حتى عام 1966.

وكان ذلك النظام يقوم على رقابة أمنية واسعة وقيود على الحركة والعمل السياسي والتنظيم المجتمعي.

ويرى بدوية أن الخطر الأكبر لا يكمن في كل إجراء على حدة، وإنما في تحول هذه الإجراءات المتراكمة إلى نمط حكم دائم، يعيد تشكيل البيئة التي يتحرك داخلها المجتمع الفلسطيني سياسيا واجتماعيا.

وبهذا المعنى، لا تبدو الملاحقة الإسرائيلية مقتصرة على السيطرة على الأرض، بل تمتد إلى محاولة التحكم في الرواية والرموز ومساحات التعبير والتنظيم، في مسار يثير مخاوف من ترسيخ نموذج أكثر شمولا وديمومة للسيطرة على الضفة الغربية.

Share This Article