المسار : لم تعد النصب التذكارية للشهداء في فلسطين مجرد معالم صامتة في الساحات والميادين، محفورة عليها أسماء الشهداء الذين قدموا التضحيات من أجل هذا الوطن.
في هذه البلاد، لكل اسم شهيد محفور على حجر حكاية من الصمود والتضحيات، ولكل اسم غائب ذاكرة لا تزال حاضرة، ولكل نصب شُيّد تخليدًا لشهيد رواية يحاول أبناء شعبنا أن يحفظوها من النسيان، ويخلّدوا من خلالها تضحيات الشهداء للأجيال القادمة.
لكن جرافات الاحتلال، التي تهدم بأنيابها البيوت، وتقتلع الأشجار، وتجرف الأرض، لم تكتفِ بذلك، بل أصبحت تلاحق الذاكرة الفلسطينية أيضًا، فباتت تهدم معالمها من خلال تحطيم نصب الشهداء في الجامعات الفلسطينية والقرى والبلدات، في مشهد يجسّد صورة أخرى من صور هذا الاحتلال وعدوانه على المكان والرواية والهوية الفلسطينية.
ومن جامعة بيرزيت، حيث هدمت قوات الاحتلال صرح الشهداء، إلى قرية مادما جنوب نابلس، وصولًا إلى قرية أبو فلاح، أصبح استهداف الذاكرة الفلسطينية واضحًا وجليًا في معركة “كيّ الوعي”. فليست القصة، في بعدها الفلسطيني، مجرد نصب يُهدم، إنما هي حكاية وطن مثقل بالأوجاع والفقد، وتذكير بمن ضحّوا بدمائهم في سبيل الحرية. إنها قصة شعب يحاول جمع شتات حكايته.
حين تصبح الذاكرة هدفا
في فلسطين، لا تؤدي النصب التذكارية وظيفة جمالية أو رمزية عابرة، بل تشكّل شواهد على حكايات الشهداء، وتاريخ الفقد والتحولات التي عاشتها المدن والقرى والمخيمات.
وحين يُهدم نصب تذكاري، لا تختفي كتلة من الحجر وحدها، وإنما يتغير المشهد الذي اعتاد الناس المرور به، وتغيب علامة كانت تستدعي حكاية، ويُفتح جرح جديد في ذاكرة عائلة أو بلدة أو مخيم.
في هذه البلاد، التي تعيش إبادة جماعية في قطاع غزة، واستيطانًا متفشيًا في القرى والبلدات والمدن، وتنتشر فيها عصابات المستوطنين بين القرى والبلدات، حيث تعيث فسادًا وخرابًا، تصبح هذه الاعتداءات امتدادًا لحالة أوسع من استهداف مقومات الحياة الفلسطينية، المادية والرمزية.
ومن هذا المنطلق، تتضح دلالة مفهوم “كيّ الوعي”، الذي يسعى الاحتلال، من خلاله، إلى إخضاع المواطن الفلسطيني وإضعاف قدرته على التمسك بروايته وتاريخه النضالي المعبّد بدماء الشهداء، وبحقوقه التي ما زال الاحتلال يسلبها منه.
بيرزيت.. حين تُستهدف ذاكرة الطلبة
في جامعة بيرزيت، لم يكن صرح الشهداء مجرد بناء في حرم جامعي، فقد حمل أسماء طلبة ارتبطت حكاياتهم بهذه الأرض، وشهداء حملهم الطلبة على أكفهم بين أروقة الجامعة، وكان بعضهم قد عاش سنواته الدراسية فيها قبل أن يخطف رصاص الاحتلال أحلامهم.

في ذلك المشهد، بدا الحجر الذي يحمل الأسماء كأنه آخر ما تبقى من حكايات أصحابها في المكان؛ حجرٌ صامت لا يروي وحده تفاصيل الغياب، لكنه يمنح الذاكرة عنوانًا مرئيًا. ومع هدمه، أعاد الطلبة بناءه كي تبقى أسماء الشهداء حاضرة، رغم كل محاولات الإزالة.
فعلى الرغم من غياب الأسماء عن الصرح لفترة وجيزة قبل إعادتها، فإنها تظل حاضرة في ذاكرة الزملاء والأساتذة والعائلات، وفي الصور والشهادات التي تتناقلها الأجيال.
قرى تحرس حكاية شهدائها
وفي قرية مادما جنوب نابلس، كما في خربة أبو فلاح ومخيم الجلزون، لا ينفصل النصب التذكاري عن البيئة التي تحتضنه. فهذه المعالم جزء من الذاكرة والرواية الفلسطينية وقصص الشهداء التي يستهدفها الاحتلال في إطار ما يُعرف بـ”كيّ الوعي”.
لكن الفلسطيني يجد نفسه، في كل مرة، أمام ضرورة إعادة إقامة الشاهد على روايته وحكايته. فمن جامعة إلى قرية، ومن ساحة إلى ميدان، تتكرر محاولات إزالة النصب التذكارية للشهداء وللرواية الفلسطينية، فيما تتواصل معركة الحفاظ على هذه الرواية.

معركة على الرواية.. لا على الحجر
يأتي استهداف النصب التذكارية في سياق فلسطيني أوسع، تتعرض فيه المعالم والأراضي والمنازل للاعتداء، فيما يواجه الفلسطينيون تحديات متواصلة للحفاظ على حضورهم في المكان. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الرموز التذكارية عن الصراع على الرواية؛ فهي إحدى الوسائل التي تحفظ بها المجتمعات تاريخها، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى حكايات من سبقوهم، وإلى الأسباب التي دفعت أبناء هذا الشعب إلى التضحية بدمائهم من أجل البقاء على هذه الأرض.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في زمن تتنافس فيه الروايات على تفسير ما يجري في فلسطين، إذ يصبح توثيق الأسماء والصور والشهادات والوقائع ضرورة لحماية الذاكرة من الضياع، ولمنع اختزال التاريخ في مشهد واحد أو رواية واحدة.
لكن المشهد الفلسطيني يحمل مفارقة قاسية؛ فكلما هُدم معلم، وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام مهمة جديدة لحفظ ما كان يمثله: إعادة جمع الصور، وتوثيق الأسماء، واستعادة الحكايات، والبحث عن وسيلة تعيد للذاكرة حضورها في المكان. وهكذا، تتحول عملية الهدم من نهاية مادية لنصب تذكاري إلى بداية معركة أخرى حول كيفية حفظه في الوعي.
ذاكرة لا تختصرها الجرافات
في بلدٍ يرافق فيه الفقد تفاصيل الحياة اليومية، لا تحتاج الذاكرة الفلسطينية إلى حجر كي تبدأ، لكنها تحتاج إلى من يحميها من التشويه والنسيان. فالنصب التذكارية، على الرغم من أهميتها، ليست سوى جزء من أرشيف أوسع يسكن حكايات الشهداء.
وبين صرح هُدم في جامعة بيرزيت، ونصب أُزيل في قرية ما، ومعالم تُستهدف في قرى وبلدات فلسطينية، تتواصل الحكاية ذاتها: جرافة تستطيع تغيير ملامح المكان، لكنها لا تختصر تاريخه، وقوة عسكرية تستطيع إزالة اسم عن الحجر، لكنها لا تملك وحدها تحديد ما سيبقى في ذاكرة هذا الشعب.
إنها معركة تتجاوز الحجر إلى الوعي، وتتجاوز المكان إلى الرواية، وتضع الفلسطيني أمام تحدٍّ متجدد: كيف يحفظ ذاكرته في ظل واقع لا يكتفي بمصادرة الأرض وتضييق الحياة، بل يطال أيضًا الشواهد التي تروي حكاية أصحابها؟
وفي نهاية المشهد، يبقى السؤال مفتوحًا: إذا كانت جرافات الاحتلال قادرة على هدم النصب التذكارية، فهل تستطيع هدم الحكايات التي جعلت من تلك النصب جزءًا من الذاكرة الفلسطينية؟

