| الصحافة الاسرائيلية – الملف اليومي
افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
معهد بحوث الأمن القومي INSS – 12/10/2026
مفهوم الأمن القومي “الجديد”.. التصور وأسئلة للنقاش
بقلم: تامير هايمن مدير معهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي، رئيس الاستخبارات العسكرية الاسبق
يقف مفهوم الأمن القومي لدولة إسرائيل عند مفترق طرق يتطلب توضيحًا. فمنذ 7 أكتوبر 2023، بات جليًا أن سياسة إسرائيل الأمنية، عمليًا، تُوجّه بمفهوم أمني جديد، وليس بالمفهوم الأمني غير المكتوب الذي تشكّل على مدى عقود. (وهو مفهوم، رغم عيوبه، قاد إسرائيل لتصبح قوة إقليمية مزدهرة. ربما لو طُبّق بشكل صحيح، لكان قد حال دون الفشل الذريع الذي حدث في 7 أكتوبر. لكن لجنة تحقيق رسمية هي من ستُقرر ذلك). لم يُصاغ المفهوم الجديد ويُنشر للجمهور، كما أنه لم يُعرّف بشكل مُلزم داخل المؤسسة الأمنية. لكن عمليًا، تُوجّه مبادئها عملية صنع القرار وتُملي السلوك الأمني.
من المهم التمييز بين ثلاثة مفاهيم هرمية: “الهوية الوطنية”، و”المفهوم الأمني”، و”السياسة الأمنية”. يستمد المفهوم الأمني سلطته من الهوية الوطنية للدولة، ودستورها (إن وُجد)، وإرثها التأسيسي. وهو نظام مفاهيمي مستقر نسبيًا، لا يُفترض أن يتغير من حكومة إلى أخرى. أما السياسة الأمنية الوطنية، فهي تابعة للمفهوم الأمني؛ إذ تُمثل تطبيقًا عمليًا له وفقًا لأيديولوجية الحكومة المعنية واعتباراتها السياسية. من هذا التسلسل الهرمي، يُمكن استنتاج أنه، على عكس تغيير السياسة الأمنية، فإن التغيير الجذري في المفهوم الأمني يتعلق بتغيير في الهوية الوطنية للدولة ومكانتها الدولية، وهذا التغيير جدير بالنقاش المعمق.
هذه المقالة منبرٌ للنقاش العام والمهني، لا يهدف إلى مناقشة مفهوم الأمن في سياق الجدل الأمني العسكري، بل إلى تسليط الضوء على تغيير جوهري محتمل، ألا وهو تغيير في الهوية الوطنية لإسرائيل. يهدف هذا إلى إثارة التفكير وتقديم إجابة على سؤال من نحن بعد 7 أكتوبر 2023، من خلال الكشف عن مبادئ السياسة الأمنية الجديدة وطرح أسئلة تهدف إلى إثارة خطاب مفاهيمي وبحثي حول أهمية التغيير الإدراكي العميق الذي تعكسه.
مبادئ المفهوم “الجديد” الظاهر للعيان
فيما يلي مبادئ مفهوم الأمن، والتي يمكن فهمها من خلال السياسة المُطبَّقة (تأمل نظري شخصي).
أولوية الهوية اليهودية على الديمقراطية: تُعطى الأولوية للهوية اليهودية للدولة على النظام الديمقراطي المُطبَّق فيها. تهدف هذه الأولوية إلى ضمان وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية، حتى لو كان ذلك على حساب تآكل قيمها الديمقراطية. تستند الهوية اليهودية للدولة إلى أساس عرقي وديني وقومي، وتُحافظ عليها مستلهمةً من الروح والتقاليد اليهودية. يُملي هذا المبدأ ضرورة الحفاظ على تفوق الهوية اليهودية على الهويات القومية الأخرى (العربية والإسلامية/المسيحية، على سبيل المثال).
السلام كوسيلة لا كغاية: الفرضية الأساسية هي أن أي اتفاق مع العناصر العربية مؤقت ووهمي. لذلك، فإن السعي إليه سيكون عودة إلى خطأ “المفهوم”، الذي يُعتبر عاملاً رئيسياً في كارثة 7 أكتوبر. لا يمكن التوصل إلى اتفاق سلام جوهري في الشرق الأوسط، إذ أن اتفاقيات السلام مجرد اتفاقيات شكلية ومؤقتة، وبالتالي تتطلب مراجعة مستمرة. من هذا المنطلق، لا يُعد السلام غاية في حد ذاته تُحقق الأمن، بل وسيلة لتحقيق أهداف سياسية أخرى. سياسياً، يُعتبر مفهوم “السلام” مفهوماً ساذجاً يُمثل موقفاً سياسياً يسارياً – “معسكر السلام” – ويتناقض مع مفهوم “الأمن” الذي يُعبر عن موقف سياسي يميني – “معسكر الأمن”.
إنكار الوجود المستقل للدول العربية: الفرضية الأساسية هي أن معظم الدول العربية ليست دولاً قومية حقيقية، بل هي مجموعة من القبائل والجماعات تفتقر إلى تاريخ مشترك ورؤية وطنية تأسيسية. ومن ثم، يُنظر إلى زعزعة استقرارها على أنها عملية طبيعية، تستطيع إسرائيل التعامل معها بشكل أفضل من التعامل مع الدول القومية القوية، بل وتشجيعها.
الحرب كحالة أساسية: الحرب ضرورية للأمن القومي، ولا بديل لها في صورة حالة سلام، التي، كما ذُكر، ليست سوى وسيلة وليست غاية. “الهدوء دناءة”، وبالتالي فإن السعي إليه يُعدّ تعبيرًا عن الضعف. من هذا المنطلق، فإن اعتبار الحرب شرًا لا بد منه يجب تجنبه، والسعي الدؤوب نحو التسويات والسلام، هو أصل الخطأ الذي أدى إلى أحداث 7 أكتوبر. الحرب ضرورية، والحرب الوقائية أفضل لأنها تضمن تحقيق إنجاز كبير منذ لحظة اندلاعها. قد تختلف حدة الحرب تبعًا للظروف، لكن وجود إسرائيل كدولة دائمة يُعدّ ميزة للأمن القومي.
الاعتماد على الذات والتحرر من التبعية للولايات المتحدة: يعتمد الأمن القومي الإسرائيلي على نفسه فقط، ولا يحتاج إلى دعم قوة عظمى منفردة. العلاقة مع الولايات المتحدة، على الرغم من أهميتها، إلا أنها تقوم على المصالح الذاتية البحتة؛ بل على العكس، فإن الالتزام المفرط بالقيود التي تفرضها الإدارة الأمريكية على إسرائيل أمر خطير، لأن الولايات المتحدة “قوة هابطة”، وبالنظر إلى التحولات الاجتماعية والسياسية الجارية هناك، فإنها ستتخلى عن إسرائيل قريبًا على أي حال. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة يعرض إسرائيل لتأثير منظومة القيم الأمريكية التقدمية، التي تتعارض مع الطابع اليهودي لإسرائيل. لذا، فإن الانفصال عن الولايات المتحدة أمر لا مفر منه، بل ضروري لاستقلالها وقوة هويتها القومية اليهودية.
الأولوية المطلقة للمبادرة والهجوم على الدفاع: يُنظر إلى الحرب الاستباقية المفاجئة على أنها السبيل الوحيد لتحقيق النصر، وبالتالي يسبق الهجوم الدفاع. وبافتراض أن إسرائيل لا تستطيع التعامل مع هجوم مفاجئ، ولا تستطيع ضمان إنذار موثوق به، فإن النتيجة الوحيدة هي سياسة المبادرة بالهجمات والحروب الوقائية.
الدفاع الأمامي: في الحالات التي يتعذر فيها شن هجوم مضاد استباقي، أو عندما يتطلب الأمر وقتًا للتحضير للهجوم، من المهم إنشاء مناطق دفاع أمامي كلما أمكن ذلك. تتيح مناطق الدفاع الأمامي عمقًا في الدفاع ضد الجيوش الإرهابية، التي تُسهم في زعزعة استقرار الدولة المضيفة، مما يُضعفها في علاقتها مع إسرائيل. كما تُتيح هذه المناطق نقل الحرب إلى أراضي العدو بأسرع وقت ممكن. لا يوجد تناقض بين الدفاع المباشر والمبادرة الهجومية، إذ يُعدّ هذا في الواقع هجومًا متأخرًا، حيث يُشكّل الدفاع المباشر جزءًا منه.
استيعاب واقع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني باعتباره صراعًا إسرائيليًا عربيًا دائمًا: وفقًا لهذا الرأي، فإن وجود حركة وطنية فلسطينية هو سردية غربية زائفة، نابعة من شعور بالذنب ما بعد الاستعماري. إن وجود الكفاح الفلسطيني ضد إسرائيل وتجدده الدوري ما هو إلا محاولة عربية أخرى لمحاربة دولة إسرائيل وتدميرها. عمليًا، يُشكّل عمق الصراع مع الفلسطينيين وعدم اعترافهم بإسرائيل كدولة يهودية أساسًا للاعتقاد بانعدام أي حل. ومن هنا تأتي المعارضة المبدئية لأي فصل سياسي أو جغرافي أو أمني بين إسرائيل والكيان الفلسطيني، ولإقامة دولة فلسطينية. ووفقًا لهذا التصور، سيتحقق الأمن من خلال تعميق الاستيطان في جميع أنحاء أراضي الدولة – داخل وخارج “الخط الأخضر” (الذي يُنظر إليه على أنه وهمي). سيتمتع السكان العرب في أرض إسرائيل الذين يختارون البقاء في الدولة اليهودية بحقوق الإقامة والحكم المحلي المستقل.
الاستيطان والمواطنون كعنصر أساسي في الأمن: يمثل هذا عودة إلى مبادئ الأمن في “فترة الاستيطان” (الفترة التي سبقت إعلان قيام الدولة، والتي تميزت بتحقيق الأمن من خلال الاستيطان، حيث كانت قوة الحماية لا مركزية وتعتمد على الحماية المحلية من قبل المواطنين المنظمين في أطر تطوعية شبه عسكرية (سرية)). وفي المفهوم الحديث، لا يُنظر إلى الأمن على أنه الدور الحصري لقوات الأمن، بل يُعد المواطنون جزءًا من شبكة الدفاع. ويتم بناء الدفاع من خلال إنشاء مستوطنات ومراكز استيطانية في جميع مناطق الاحتكاك مع السكان العرب، في الضفة الغربية وفي المناطق الأمنية في سوريا ولبنان وقطاع غزة. ويتطلب هذا الانتشار من الجيش الإسرائيلي تطبيق مبادئ الهجوم الاستباقي والدفاع الأمامي عمليًا، بل ويساهم في زعزعة استقرار الدول العربية “المصطنعة”. يتطلب هذا الانتشار من الجيش الإسرائيلي تطبيق مبادئ الهجوم الاستباقي والدفاع الأمامي عمليًا، بل ويساهم في زعزعة استقرار الدول العربية “المصطنعة”.
أولوية الاستقلال الصناعي والأمني: يتأثر اقتصاد الأمن الإسرائيلي بشدة بسلاسل التوريد الطويلة، ولذلك ينبغي تفضيل الإنتاج الذاتي والاستثمار في قطاع تكنولوجيا الدفاع (الصناعات الأمنية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي) على القطاعات الأخرى. يُعتبر العلم الذي يدعم التكنولوجيا أكثر أهمية، ولكن ينبغي تطويره بشكل مستقل وليس من خلال التعاون في أطر دولية، مثل مبادرة “هورايزون”.
أسئلة جوهرية: المواجهة مع المبادئ الأساسية لمفهوم الأمن الإسرائيلي التقليدي
تجدر الإشارة إلى أن سياق مفهوم الأمن “الجديد” هو الصدمة الوطنية وتجدد الشعور بالتهديد بعد أحداث 7 أكتوبر. تتطلب هذه الصدمة تغييرًا وإعادة صياغة لبعض جوانب المفهوم، ومع ذلك، إذا كانت المبادئ المذكورة أعلاه هي بالفعل المفهوم الجديد، فإن تناقضًا عميقًا وجوهريًا يبرز بينها وبين المبادئ الأساسية لمفهوم الأمن الإسرائيلي التقليدي. لا تكمن أهمية هذه النقطة المحورية في صياغة مفهوم أمني جديد، بل في أنها تُسلط الضوء على تحول جذري في الهوية الوطنية الإسرائيلية، كما تشكلت منذ قيام الدولة.
فيما يلي جوانب التحولات الجوهرية في الهوية، والتي يجب مناقشتها والتأمل في معانيها وتداعياتها.
دولة اليهود أم دولة لليهود؟
المبدأ التقليدي: وفقًا لإعلان الاستقلال، عُرّفت دولة إسرائيل بأنها دولة يهودية، ملتزمة بمبادئ الديمقراطية الليبرالية (وإن لم يُذكر هذا المفهوم صراحةً). ستلتزم الدولة بمبادئ “الحرية والعدالة والسلام”؛ إسرائيل دولةٌ يُجسّد يهوديتها إقامة وطن قومي للشعب اليهودي؛ وطابعها الأخلاقي الديمقراطي مُستمدٌ من قيم اليهودية، بما في ذلك المساواة أمام القانون والسعي وراء الأخلاق والعدالة في ضوء رؤية أنبياء إسرائيل. تُملي يهودية الدولة هويتها: “مساواة كاملة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع مواطنيها دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو الجنس”. بعبارة أخرى، ليست دولةً دينيةً تُحكم وفقًا للشريعة اليهودية (الهالاخاه)، والتي تهدف إلى خدمة “السيادة اليهودية” على الديانات الأخرى، بل دولةٌ لليهود تُشكّل منارةً للقيم الأخلاقية للعالم.
سؤالٌ نقدي: ما هي الأهمية العملية طويلة الأمد لوضع المصادر الدينية، بدلًا من الأبعاد المدنية الديمقراطية، كإطار لتحديد أولويات الأمن؟ هل يُمكن لسياسة تسعى إلى تقليص الحقوق المدنية للمواطنين العرب في إسرائيل، الذين يُشكّلون نحو خُمس سكانها، أن تُناقض تعريف إسرائيل بأنها “يهودية وديمقراطية”، ودولة “منارة للأمم”، ووجودها جزء من “إصلاح العالم”؟ وما هي الأهمية الدولية لتآكل الهوية الليبرالية العلمانية للدولة، وتآكل قيمة المساواة أمام القانون المُطبّقة فيها؟
السلام كمرحلة انتقالية، لا كهدف استراتيجي
المبدأ التقليدي: لطالما عرّفت دولة إسرائيل نفسها بأنها تسعى إلى ترتيبات واتفاقيات سلام. وكما جاء في إعلان الاستقلال، فإنها تمدّ يد السلام وحسن الجوار إلى دول المنطقة، وهي تقوم على “أسس الحرية والعدالة والسلام”. لقد ورد مرارًا وتكرارًا في أقوال مؤسسي إسرائيل، من مختلف الأطياف السياسية، الاعتقاد بأن السلام هو مفتاح الازدهار ومكون أساسي لعلاقاتها الخارجية ومكانتها الدولية، بما يميزها عن الدول العربية ويجعلها فريدة.
سؤال نقدي: ما هي التكلفة الاستراتيجية والأخلاقية لمفهوم أمني يُعرّف اتفاقيات السلام على أنها “مفهوم” يُشك فيه أساسًا، بدلًا من كونها رصيدًا استراتيجيًا يُمكّن من ازدهار البلاد ويجب الحفاظ عليه؟ ألا يُصبح التعامل مع السلام على أنه أمر مؤقت بطبيعته نبوءة تتحقق ذاتيًا، تُلحق الضرر بأمن إسرائيل على المدى البعيد؟ ما أهمية هذا المفهوم بالنسبة للسياسة الخارجية الإسرائيلية ومكانتها الدولية؟ هذا في ضوء حقيقة أن هذا المفهوم يتعارض مع الأعراف الأساسية للعالم الغربي الليبرالي. وإذا كان هذا هو بالفعل أساس المفهوم الأمني، فكيف ستتعامل إسرائيل مع خطر الهجرة منها، بما في ذلك هجرة العقول على نطاق واسع يُهدد الاقتصاد وقوة المجتمع وتماسكه؟
الازدهار “بين الحروب” (دافيد بن غوريون) مقابل الحرب كحالة دائمة
المبدأ التقليدي: تُبنى الدولة في فترات السلام بين الحروب؛ وتُعتبر الحرب حالة استثنائية قصيرة ومؤقتة، تستعيد فيها الدولة ما اكتسبته خلال فترات الهدوء. فترات السلام الطويلة هي التي تُمكّن من البناء الاقتصادي والتعليمي والاجتماعي الوطني.
سؤال نقدي: ماذا يحدث للمجتمع والاقتصاد والثقافة في الدولة الديمقراطية عندما تُرسّخ فكرة استمرار حالة الحرب كأمر طبيعي، لا كاستثناء مؤقت؟ هل يتوافق هذا الوضع مع قدرة الدولة على التطور والازدهار، كما قيّمها مؤسسوها وتوقعوها؟
الردع والإنذار كأساس لإدارة المخاطر مقابل الحرب الوقائية المستمرة
المبدأ التقليدي: كان أحد أركان المفهوم الأمني الإسرائيلي مزيجًا من الردع والإنذار المبكر، كأدوات تُمكّن من إدارة المخاطر في بيئة معادية دون اللجوء إلى استخدام القوة بشكل دائم.
سؤال نقدي: ماذا يحدث لدولة تتخلى عن إمكانية الردع والإنذار ثم الدفاع، وفقًا للمبدأ العسكري الراسخ “حتى لو فوجئنا، فلن نُهزم”؟ ما المعنى العملي للمبادرة الهجومية الدائمة كخيار افتراضي؟ هل من الممكن وضع استراتيجية (أي استراتيجية) تتخلى عن “إدارة المخاطر”؟ وهل يُؤدي غياب إدارة المخاطر إلى جعل إسرائيل (أو أي منظمة) دولة أكثر أمانًا؟ وما هي التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لهذا التخلي؟
“الجنود قبل المدنيين” وقدسية الحياة المدنية مقابل المواطن بوصفه “الحامي الحقيقي”
المبدأ التقليدي: من المبادئ الأساسية (بعد تأسيس الجيش الإسرائيلي) أن الجنود، لا المدنيين، هم من يتحملون عبء الدفاع في الخطوط الأمامية، إلى جانب الالتزام بقدسية الحياة المدنية والحد من تعرضهم للقتال. يحمي الجيش الإسرائيلي حدود الدولة، فهو يحمي المزارعين الذين يحرثون الأرض حتى آخر خط، وليس المحراث، أو المزارع في الكيبوتس أو الموشاف.
سؤال نقدي: ألا يُعدّ مفهوم وضع المدنيين، بمن فيهم سكان البؤر الاستيطانية والمستوطنات المختلفة، “حماة” في الخطوط الأمامية، قلبًا لترتيب الأولويات المطلوب في دولة ذات سيادة قوية – والذي يضع الجنود قبل المدنيين – ويعرض السكان غير المقاتلين للمخاطر نفسها التي سعت الدولة، من خلال الجيش الإسرائيلي، إلى تجنيبهم إياها؟ ما هو وضع حدود إسرائيل؟ يرجع ذلك إلى أن مفهوم الدولة الدفاعي، بما في ذلك مفهوم الأمن القومي، يُفترض أن يُحدد بحدودها المعترف بها في القانون الدولي والمُثبتة في الاتفاقيات. لذا، ما هو المعنى – الاقتصادي والأمني والدولي – للتخلي عن فكرة خط الحدود والتحول نحو فضاءات دفاعية مرنة وغير محددة المعالم؟ ما هو المفهوم الدفاعي المُناسب لهذا الواقع؟
الدعم القوي والاعتماد على العالم مقابل رؤية الاستقلال الأمني والاقتصادي الكامل
المبدأ التقليدي: نظرًا لصغر مساحة إسرائيل، وندرة مواردها الطبيعية، واعتمادها الكبير على التجارة العالمية، وشبكات العلوم والتكنولوجيا، فقد كان من المُسلّم به في المؤسسة الدفاعية منذ زمن طويل أن إسرائيل بحاجة إلى دعم قوي. فإسرائيل غير قادرة على الحفاظ على اقتصاد أمني مُكتفٍ ذاتيًا، مُنعزل عن العالم، وبدون دعم قوي، فإنها مُعرضة لمخاطر دولية جسيمة.
سؤال نقدي: ما معنى غياب الدعم القوي والعلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة؟ هل تكفي العلاقات القائمة على المصالح والأسس الاقتصادية والتجارية مع الولايات المتحدة لإسرائيل؟ وكيف يؤثر هذا الوضع على مكانة إسرائيل الإقليمية؟ هل يُعدّ فصل قطاعي العلوم والدفاع الإسرائيليين عن أطر التعاون الدولي خيارًا اقتصاديًا مُجديًا لدولة صغيرة تعتمد على التجارة وتفتقر إلى الموارد كإسرائيل، أم أنه ينطوي على خطر الركود التكنولوجي والعزلة الدبلوماسية، في وقتٍ تزداد فيه أهمية الشراكات الاستراتيجية أكثر من أي وقت مضى؟
الخلاصة
إن مفهوم الأمن “الجديد” المذكور أعلاه، وإن لم يُرسخ في وثيقة رسمية أو يُعتمد عبر إجراءات مُنظمة، هو الذي يُوجّه جوانب رئيسية من السياسة الأمنية الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2023. ولأنه يعمل كمفهوم غير مكتوب ولكنه مُجسّد وواضح، وليس كسياسة حكومية مُعلنة، فهو ذو تأثير بالغ وأهمية حاسمة، معروف بتعريفه الواضح وتفاصيله وتداعياته المطروحة للنقاش العام. وبهذه الطريقة فقط يُمكن التأكد مما إذا كان هذا تعديلًا ضروريًا للواقع الأمني الحالي والناشئ، أم أنه تعبير عن تغيير جوهري غير مُنضبط في هوية الدولة.
——————————————
هآرتس 12/10/2026
شهادات: بعد 7 أكتوبر كان هدف صغير يبرر المس بالمدنيين
بقلم: ينيف كوفوفيش
يكاد الجيش الإسرائيلي يعلن كل يوم عن هجوم جديد في قطاع غزة. أمس (الاحد) تم الإعلان عن اغتيال قائد فصيل في النخبة في الأسبوع الماضي، وقبل يومين تم الإعلان عن قتل عدد من أعضاء حماس والجهاد الإسلامي، وفي يوم الخميس تم الإعلان عن قتل عدد من قادة حماس. مع ذلك، قبل ثلاث سنوات، في الأيام الأولى التي أعقبت 7 أكتوبر، كان الوضع مختلف كليا. كان يجب على عناصر الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي في حينه إعادة بناء صورة للعدو، الذي حسب الشهادات لم يتم جمع أي معلومات استخبارية ميدانية عنه تقريبا لبضعة اشهر. قبل الحرب بسنة تقريبا حصلت الاستخبارات العسكرية على تعليمات بالتوقف عن العمل في المستويات العملياتية الأدنى من مستوى اللواء. اعتقدت القيادة العليا انه بعد بناء العائق تحت الأرضي والجدار الجديد اصبح شن غارة واسعة النطاق امر مستحيل. توقف جمع المعلومات عن أعضاء حماس الصغار – ماذا يفعلون، ما هو دورهم، مع من يتحدثون وما شابه.
يقول أ.، وهو جندي في الاستخبارات وكان مسؤول عن اهداف حماس في قطاع غزة: “كانت التعليمات هي: اتركوا كل المستويات الميدانية وقادة الكتائب والمقاتلين ومقاتلي النخبة، فقط ركزوا على قادة الالوية فما فوق، وعلى منصات الصواريخ فقط. لم نكن نعرف أي شيء عن حماس وعن جناحها العسكري على مستوى الميدان. في 7 أكتوبر بدأنا العمل من الصفر تقريبا، من اجل تحديد أماكن الأعضاء والنشطاء”.
بعد الهجوم تحول الفراغ الاستخباري الى جانب الشعور العميق بالفشل والاهانة وجلد الذات، الى سعي محموم وراء كل معلومة حتى لو كانت ضئيلة. أ. هو واحد من أربعة جنود من وحدات الاستخبارات ووحدة المسيرات الذين تحدثوا مع “هآرتس” عما شاهدوه: تخفيف سريع لمعايير تعريف “الإرهابي”، تغيير جذري في مفهوم التناسب واستخدام السلاح الثقيل، تخفيف كبير للسياسة التي تسمح بقتل المدنيين الأبرياء على اعتبار انهم “ضرر جانبي” للاهداف التي تتم مهاجمتها.
حتى 7 أكتوبر كانت سياسة اطلاق النار للجيش الإسرائيلي وقوات الامن خاضعة بدرجة كبيرة الى مباديء القانون الدولي للحرب، لا سيما مبدأ التناسب، الى جانب السعي الى تقليل الاضرار بالمدنيين الأبرياء. وقد ظهرت هذه السياسة في إجراءات صارمة وآليات مصادقة معقدة، خاصة فيما يتعلق بالتصفيات المركزة في المناطق المكتظة بالسكان.
المثال الواضح على ذلك كان في أيلول 2003، في فترة ولاية آفي ديختر للشباك، عندما وصلت معلومات استخبارية هامة جدا عن عقد اجتماع سري لقيادة حماس كلها، بمن فيهم الشيخ احمد ياسين ومحمد ضيف وإسماعيل هنية، في الطابق العلوي في مبنى في غزة. تم التخلي عن الخطة الاصلية التي كانت تقضي بانزال قنبلة ثقيلة الوزن عليهم في اللحظة الأخيرة خشية المس بالمدنيين الأبرياء في الطوابق السفلية، وتقرر بدلا من ذلك انزال قنبلة صغيرة بوزن ربع طن. لم تتسبب القنبلة المخففة بانهيار المبنى، ونجا قادة حماس الكبار من الهجوم.
مع ذلك، تظهر شهادات الجنود الذين أجريت مقابلات معهم مفهوم مختلف كليا للحرب، حيث يعتبر حتى اصغر هدف مبررا للمس بالمدنيين. تشير الشهادات الى ان العدد الكبير لما يسمى في الجيش “الاضرار الجانبية” لم تكن إخفاق أو خطأ في تحديد الهوية، بل كانت نتيجة سياسة اطلاق نار تم توسيعها الى الحد الأقصى. تم تقديم شهادات مشابهة لـ “هآرتس” خلال سنوات الحرب الثلاثة. هذه الشهادات، إضافة الى محاولة التعويض عن الفشل الاستخباري في 7 أكتوبر، أدت الى غض النظر عن خسائر مدنية لم يعرفها النظام من قبل.
قمنا بمهاجمة عناصر صغيرة
من بين ما وصفه الجنود في اعقاب 7 أكتوبر هو فتح الباب امام عناصر غير مؤهلة. أ. قال: “وصل اشخاص الى شعبة الاستخبارات العسكرية لم يكونوا من الوحدة. جنود احتياط لم يعملوا من قبل في الاستخبارات، لكنه تم جلبهم من كل جهة. جلسوا في قسم إدارة الأهداف وبحثوا عن أهداف تافهة وعن اشخاص صغار لقتلهم. أي شخص يستخدم الفيس بوك وشعارات لحماس أو يعرف نفسه بانه من حماس، كان يتم تصنيفه كهدف. بعضهم كانوا أعضاء في حماس وبعضهم من المقاتلين، لكنهم في الحقيقة كانوا اشخاص عاديين”.
واكد د.، وهو جندي خدم في خلايا الهجوم – المقرات الخلفية التي تعتبر “عيون” للقوات في الميدان، على ما قيل أعلاه عندما وصف كيف تغيرت المؤشرات وأسلوب العمل. وقد قال: “دائما تعلمنا ان الأمور ستختلف في الحرب، ولكن نحن شاهدنا ان هذا حدث مختلف كليا، فجأة بدأ الجيش الإسرائيلي يهاجم حتى اصغر المقاتلين في حماس بدون تمييز، وكأنه نسي مفهوم ترشيد الذخيرة. الامر وصل الى درجة استهدافنا لسائقي حماس”.
تظهر الأدلة دائما الفجوة بين أهمية الهدف وشدة الهجوم والخسائر المدنية المؤكدة في المنطقة المحيطة به. ففي 31 تشرين الأول 2023 مثلا، القت طائرات سلاح الجو الإسرائيلي قنابل ثقيلة على مجمع كبير في مخيم جباليا للاجئين. وكان هدف الهجوم إبراهيم بياري، قائد كتيبة مركز جباليا في حماس. وأفاد بيان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي في ذلك المساء انه كان احد قادة هجوم 7 أكتوبر، وانه قاد القتال في شمال القطاع، وان “الكثيرين من أعضاء حماس قتلوا معه في الهجوم”. وأشار المتحدث أيضا الى ان الضربة التي استهدفته تسببت في انهيار البنية التحتية تحت الأرض والمباني القريبة. وأضاف ان الجيش الإسرائيلي طلب من السكان مجددا الانتقال نحو الجنوب “من اجل الحفاظ على سلامتهم”.
لكن الجنود الذين كانوا في فريق الاستخبارات المسؤول عن الهجوم وصفوه من زاوية مختلفة كليا، حيث لم يكتفوا بذكر الهدف، بل كشفوا أيضا ما كانوا يعرفونه في خلايا الهجوم قبل القاء القنابل. وقد قال د. “كنا نعرف ان البياري موجود تحت الأرض، تحت عدة مباني كبيرة، ولكننا لم نكن نعرف كيفية تحديد موقعه بشكل دقيق، أي تحت أي مبنى. لذلك تم اختيار عدة مباني ماهولة وتقرر هدمها جميعها فوق النفق الذي كان يوجد فيه. لم نقم بالاخلاء لانه كان من المهم قتله بدون ان يتمكن من الهرب”.
حسب اقوال أ. الذي شارك في المهمة، كان من الواضح لاعضاء خلية الهجوم ان عدد الأبرياء المعرضين للمس كبير جدا، وقدرت شعبة الاستخبارات الاضرار الجانبية المحتملة بحوالي 250 – 300 شخص، لذلك تم رفع القرار الى رئيس الأركان من اجل الحصول على مصادقته المباشرة. من جهة أخرى، يقولون في الجيش ان الخسائر كانت اقل بكثير، لكن في نهاية المطاف قتل عدد كبير من الأشخاص. وقال أ. انه بعد الهجوم تم اجراء تقييم للاضرار لدراسة النتائج على ارض الواقع. “اعتمدنا، ضمن أمور أخرى، على البيانات الواردة من حماس، التي اعتبرناها معقولة نسبيا، حتى لو لم تكن دقيقة تماما. ومع مرور الوقت عرفنا ان عدد القتلى يقترب من 250 شخص. أتذكر انني شعرت بالدهشة عندما شاهدت الكثير من المباني الماهولة تهدم، ومئات القتلى والجرحى، وكل ذلك من اجل القضاء على قائد كتيبة لم يكن قبل بضعة أسابيع يعتبر هدف لجمع المعلومات عنه”، قال.
وقد جاء من الجيش الإسرائيلي: “الهجوم اعيد التخطيط له عدة مرات من اجل تقليل المس بالمدنيين، التي لم تكن بالمئات. وبعد الهجوم زعم ان الاضرار الناتجة تجاوزت التقييم الاولي. التحقيق في الهجوم كشف عن وجود انفاق في المنطقة لم يكن الجيش الإسرائيلي يعرف عنها، الامر الذي تسبب بانهيار مباني أخرى”.
قال نداف فايمان، المدير العام لجمعية “نحطم الصمت”، الذي قدم امامه عدد من الجنود الذين أجريت معهم مقابلات لهذا المقال شهاداتهم: “مستحيل السماح بقتل 300 مدني من اجل قائد كتيبة (القصد اغتيال البياري)، أو قتل 20 مدني مقابل كل سائق شاحنة في حماس، وبعد ذلك نقول امام الجمهور اننا بذلنا كل جهدنا لمنع المس بالابرياء. لقد حان الوقت لمن صاغوا هذه الأوامر لتحمل مسؤوليتها، بدلا من محاولة التضحية بالجنود الذين قرروا بشجاعة قول الحقيقة للناس حول كيفية قتالنا”. وتحدث د. عن الضغط الكبير الذي واجهه في الميدان. ووفقا له كان البياري في ذلك الحين يقود قوات تقاتل جنود الجيش الإسرائيلي، وكان استهدافه يعتبر حالة طواريء امنية. “لم نتمكن من الحصول على أي معلومات استخبارية إضافية تحدد مكانه بدقة. قالوا لنا: هو يقتل جنود الان، علينا مهاجمته، بدافع الحرص على القوات على الأرض، وفي نهاية المطاف تم الموافقة على الهدف”، قال وأضاف. “لقد أرادوا وبحق قتل هذا الشخص”. وبحسبه لم يطرح سؤال اذا كان هناك أي مبرر عملياتي للمس بقائد في حماس على حساب المس بالكثير من الأشخاص غير المتورطين في هذه الحادثة بالتحديد. تتمحور معضلته، ومعضلة معظم الشهود الذين تحدثوا مع “هآرتس”، حول قضية أوسع: يبدو ان المصادقات الاستثنائية وتكلفة الدماء الباهظة أصبحت اجراء روتيني، وأسلوب لم يعد يثير أي تساؤلات.
“يصعب علي القول انني احب الأفلام التي تتناول هذا الهجوم بالتحديد”، اعترف. “الامر اصعب بكثير بالنسبة لي مع نظام الهجمات المتتالية والاضرار الجانبية التي تلحق بالعشرات، واحيانا بالمئات، من الأشخاص. يصعب علي ان اكون جزء من هذا النظام اكثر من مشاركتي في هجوم محدد”. ومن الأمثلة الأخرى التي جاءت في الشهادات اغتيال علي قاضي، وهو قائد سرية في قوة النخبة في حماس، والذي اعتبره الجيش الإسرائيلي احد قادة الهجوم الدموي في معبر ايرز في 7 أكتوبر. بالنسبة للجنود في خلايا الهجوم كان التعامل معه الدليل على التغيير الجذري الذي طرأ على النظام. قبل 7 أكتوبر حذر جندي استخبارات في فرقة غزة بأن علي قاضي مثل غيره من أعضاء النخبة، يتصرف بشكل غير طبيعي. ولكن ضابط الاستخبارات في الفرقة تجاهل التحذير. مع ذلك، بعد بضعة أيام على بدء الحرب اصبح قاضي هدف رئيسي وتعرض لاطلاق نار كثيف.
قال أ: “كان في بيته مع عائلته وتقرر قتله. سارع الجيش الإسرائيلي الى الإعلان عن تصفيته، واظهر أهميته. ولكن في الحقيقة كان قاضي هو الناجي الوحيد في الهجوم. لم يكن كل القتلى على صلة بالهدف. لم تتم تصفيته الا بعد ذلك”. وقال مصدر آخر للصحيفة في ذلك الحين انه خلافا للتصريح الرسمي للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، لم يقتل قاضي في ذلك الهجوم، بل قتل بعد ذلك.
مستويات الاضرار الجانبية
في الأسابيع الأخيرة اصبح مصطلح “الاضرار الجانبية” سائد في معظم البيوت في إسرائيل، بسبب الضجة التي ثارت حول الفيلم الذي يحمل نفس الاسم، لكنه لا يعتبر مصطلح نظري. في لغة النظام يشير الى تقدير عدد الأشخاص غير المتورطين الذين قد يتضررون بسبب الهجوم، وهذا عامل أساسي في عملية المصادقة على الهدف. وحسب شهادات مشغلي الطائرات المسيرة الذين تحدثوا مع “هآرتس” خلال فترة الحرب، فانه في منظومة الطائرات المسيرة “زيك” تمت ترجمة سياسة اطلاق النار الى ثلاثة مستويات. الأول هو “المستوى المحدود”، ويعني الهجوم فقط في حالة وجود تهديد مباشر وفوري على القوات. الثاني هو “المستوى المخفض”، وهو يهدف الى استهداف المساعدين وافراد المخابرات أو المراقبين. في حين يسمح المستوى الثالث “الموسع”، باستهداف أي شخص يعتبر حاليا أو في السابق متماهي مع حماس.
في نفس الوقت تم تحديد مستوى الاضرار الجانبية المسموح بها بدون الحصول على موافقة استثنائية: اضرار جانبية قليلة تعني هدف بدون إصابات حوله، المستوى 1 يعني ما يصل الى خمسة اشخاص غير متورطين. المستوى 2 يعني ما يصل الى عشرة اشخاص غير متورطين. المستوى 3 يعني ما يصل الى عشرين شخص غير متورطين. المستوى 4 يعني ما يصل الى أربعين شخص غير متورطين. وحسب ب.، الذي خدم في منظومة المسيرات طوال الحرب، فقد تقرر بالفعل عند اندلاع القتال ان تعمل المنظومة بمستوى موسع، المستوى 3 افتراضيا، الامر الذي يعني ان الهجمات التي قد تلحق الضرر بعشرين شخص غير متورطين، لا تحتاج الى موافقة مسؤول رفيع المستوى خارج خلية الهجوم. إضافة الى ذلك تم تحديد الهجمات الاستثنائية، التي ينقل التقرير حولها الى رتبة الجنرالات ورئيس الأركان.
بعد البدء في العملية البرية في نهاية تشرين الأول 2023 تفاقمت المعضلة في خلايا الهجوم وتصاعدت. طلب من افراد الاستخبارات إقامة “منطقة آمنة” لمناورة القوات عن طريق تحديد “الأهداف العسكرية”، وهي اهداف تظهر من التضاريس في الوقت الحقيقي أو كجزء من خطة متقدمة، التي يمكن ان تعرض القوات للخطر أو تضر بالقتال.
——————————————
إسرائيل اليوم – 12/10/2026
قطر لا تتخلى عن غزة وتلعب على كل الملعب
بقلم: د. اريئيل ادموني
في 7 أكتوبر كان تخوف حقيقي من جانب الدوحة من تداعيات الهجوم الاجرامي لحماس. وروت الشهادات عن قلق في قصر الحكم من التفافة حدوة حصان من جانب الولايات المتحدة.
قطر هي دولة جنت ربحا سياسيا ساعد أيضا في مزيد من العلاقات الاقتصادية من مكانتها كوسيط. فقد أتاحت لها هذه المكانة علاقات مع جهات مختلفة في الشرق الأوسط، بما في ذلك مع منظمات إرهاب، بصفتها ما سمي الحارقة والمطفئة، تلك التي تخلق المشاكل في الشرق الأوسط وعندها تأتي وكأن بها الفارس على جواد أبيض فتتجند لنجدة الأطراف بصورة مصطنعة. عمليا، تلك السياسة هي التي ميزت السياسة القطرية فور 7 أكتوبر.
تصريحيا، أعلنت قطر بان إسرائيل هي المذنبة الوحيدة لكنها الى جانب ذلك تأكدت (واساسا من خلال استخدام علاقاتها الواسعة في واشنطن) بان تواصل الدوحة لتكون ذخرا للمفاوضات الجارية بين إسرائيل وحماس بمشاركة الولايات المتحدة.
في اطار الاجراء الدائم للسياسة القطرية – محاولة إرضاء كل الأطراف، طورت قطر معادلة بموجبها هي “تساعد” إسرائيل بالنسبة للمخطوفين، هذا ما يتيح لها إرضاء الولايات المتحدة أيضا التي من ناحيتها تساعدها قطر على تهدئة الوضع. والى جانب ذلك وعدت حماس بوعود في شكل تنازلات تحققها لها في المفاوضات مثلما هو أيضا الوعد بالاحتفاظ بغزة من خلال المساعدة الإنسانية.
المساعدة الإنسانية هي الأداة القطرية الدائمة التي من خلالها تعلن عن قوتها كجهة تشجع الاستقرار المزعوم. وكما علم في غير قليل من الحالات بالنسبة لقطر فقد اتاحت لها المساعدة الإنسانية تعزيز جهات معادية بل وجهات إرهابية؛ في ساحات مراقبة اقل من خلال ادخال السلاح وفي ساحات مراقبة اكثر من خلال نقل مواد ثنائية الاستخدام او من خلال مواد تسمح لحماس توجيه جهودها المالية في صالح جبهات أخرى لا تتضمن توريد الغذاء.
هذه السياسة الثابتة للدوحة أكدت بانها ستكون ذخرا لكل الأطراف وبالتالي فان الدوحة كان هاما لها التأكد من أنها ستتخذ صورة من يساعد المخطوفين. وعلى أي حال، حتى بعد هجوم قمة النار في الدوحة امتنعت قطر عن التهديد بترك الوساطة. الوساطة هي أداة هامة من ناحيتها كي تبقي على موطيء قدم في غزة.
الفيفا جند هو الاخر
لقد تم ترتيب موطيء القدم هذا في القطاع من خلال التأكيد بانها ستكون جزءا من الالية الإنسانية للقطاع فيما تبحث قطر عن آليات عديد قدر الإمكان تكون هي فيها ذات صلة، مثل اللقاءات مع مندوبي السلطة الفلسطينية في موضوع ما يجري في غزة، ومنها أيضا المفتي الفلسطيني في القدس الذي يحرض على الإرهاب. الى جانب ذلك تفحص قطر أيضا آفاق أخرى أيضا مثل الخطط الطموحة للفيفا في غزة، فيما أن الفيفا تتميز بعلاقات عديدة، مالية وسياسية، مع شخصيات قوية في النظام القطري.
هذه الالية متعددة الاذرع شكلت وضعا في إطاره يمكن لقطر ان تكون بين القوى المسيطرة في اعمار غزة بما في ذلك مشاركة صندوق الشيخة مزة، “التعليم فوق كل شيء”، كي تدخل كتب تعليم للمعلمين وللتلاميذ وذلك رغم أن الشيخة مزة هي من أبنت السنوار.
بذكاء تطلب استخدام محرك مالي، محرك انساني، محرك دبلوماسي ومحرك وساطة نجحت قطر في أن تبقى ذات موطيء قدم مسيطر في غزة وبخلاف إرادة إسرائيل فيما تتمتع بشرعية دولية رغم دعمها الواضح لحماس.
——————————————
يديعوت احرونوت – 12/10/2026
كل الطريق الى الهاوية
بقلم: ناحوم برنياع
كان تموز 2024 شهرًا مصيريًا في حرب غزة. طُرحت صفقةٌ حُسمت في أذهان جميع الأطراف: وافق نتنياهو، ووافق السنوار تحت ضغط قطري في الدوحة وضغط من الجيش الإسرائيلي على الأرض، وتمّ حلّ مسألة السيطرة على محور فيلادلفيا، التي صوّرها نتنياهو على أنها مسألة وجودية، بطريقة مبتكرة، من خلال الرقابة والتزام مصري، وتوسّل الجيش الإسرائيلي من أجل هدنة، وقدم فريق التفاوض الإسرائيلي كتفه لإسناد المقترح، وحشدت مقرات عائلات الرهائن للمساعدة. بحلول 27 تموز، انفجر كل شيء.
لم تُعلن جميع تفاصيل الصفقة. على هامش القضية، برزت بعض الجوانب الشخصية التي تهم الرأي العام. ولتسهيل التوصل إلى اتفاق مع نتنياهو، توجهت عائلات الرهائن إلى كريم خان، المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. تمثلت مهمة خان في العمل على إلغاء مذكرات التوقيف الصادرة بحق نتنياهو وغالنت.
لماذا وافق خان على إزالة السحابة عن نتنياهو وغالانت؟ يشير أحد الإسرائيليين المشاركين في العملية إلى أن شكوكًا أخرى كانت تحوم حوله: فقد اتهمته موظفة في المحكمة بالتحرش الجنسي. افترض خان أن جهة إسرائيلية – ربما الموساد – هي من تُحرك هذه الشكوى. لو تحرر نتنياهو وغالانت من مذكرات التوقيف، لكانت الشكوى قد سُويت في لمح البصر. وافق خان، الذي زار منطقة غزة المحاصرة في أوائل كانون الأول 2023، على الاستماع إلى المزيد من شهادات الناجين من المجزرة. ورتب مقر العائلات نقلهم جوًا إلى لاهاي.
لكن المفاوضات باءت بالفشل. لم ينجح في مسعاه، لوجود خلل جوهري لديه: بارنياع، وألون وبار، رئيسا الفريق الإسرائيلي، كانا ينظران إلى كل مشكلة على أنها صعوبة تتطلب حلاً؛ بينما كان نتنياهو ينظر إلى كل مشكلة على أنها نعمة، هبة تُغنيه عن الحاجة إلى التوصل إلى اتفاق. باختصار، لعب نتنياهو وحماس اللعبة نفسها. لقد تصرفا كالعريس في النكتة اليهودية القديمة، الذي طالب ليلة زفافه بتجريد عروسه من جميع ملابسها. وبعد أن جُرّدت من ملابسها، قال: “لا يعجبني أنفها”. دفع الرهائن الثمن، بعضهم بأرواحهم، وبعضهم بسنة أخرى من المعاناة الرهيبة في الأنفاق.
لماذا هذا السؤال مثير للاهتمام الآن؟ لأنه يُلقي الضوء على عملية صنع القرار في الحكومة المنتهية ولايتها. في كل مرحلة من مراحل المفاوضات، كان أحد المسؤولين في المكتب يحرص على إطلاع سموتريتش سرًا. كان يقتحم نقاشًا غير مدعو إليه أو يدعو إلى مؤتمر صحفي ويهدد بأنه في حال توقيع اتفاق، سيحل الحكومة. وكان بن غفير يظهر مباشرة بعده، بتهديد مماثل. سيشرح نتنياهو للأمريكيين أنه يجب عليهم أن يفهموا، فهو لا يملك أغلبية للموافقة على الاتفاق في الكنيست، ولا يمكنه السماح لحكومته بالانهيار.
مع الكشف عن المزيد من تفاصيل هذه الملحمة التي استمرت ثلاث سنوات، يتضح أن أزمة الائتلاف الدورية لم تكن سوى خدعة، مجرد عرضً لقادة قوات الأمن ولإدارة بايدن.
لم يكن سموتريتش ليترك الحكومة في منتصف تنفيذ رؤيته الخلاصية في الضفة الغربية؛ ولم يكن بن غفير ليغادر، تمامًا كما لا يترك القط القشدة، طالما أن هناك طعامًا. لم يُطع نتنياهو أوامرهم، بل حثّهم على ذلك.
إذا لم يكن سموتريتش وبن غفير سبب الانفجار، فما السبب إذًا؟ لا يسعني إلا التكهن. أولًا وقبل كل شيء، التوقيت. كانت الصفقة المقترحة متأخرة جدًا بالنسبة للرهائن وعائلاتهم، لكنها مبكرة جدًا بالنسبة لنتنياهو. فقد واجه صعوبة في الموافقة على صفقة تُفسَّر على أنها نهاية الحرب، بعد تسعة أشهر فقط من المجزرة. سيتساءل الإسرائيليون، بمن فيهم مؤيدوه، عن مصير النصر المطلق.
ثانيًا، كانت الصفقة مريحة جدًا له. فهو سيجد صعوبة في تبرير كيفية حصوله على عفو في لاهاي، إلى جانب العفو عن قتلة 7 أكتوبر وعن المدعي العام خان.
ثالثًا، في تموز، انجلت الأمور في أمريكا: أُجبر بايدن على التخلي عن ترشحه لولاية ثانية، ووافق ترامب على المصالحة معه بعد عامين ونصف من الاستياء. لم يكن نتنياهو ليوافق على صفقة رهائن من شأنها أن تُعزز موقف بايدن وهاريس. في أكتوبر 2025، عندما كان ترامب في البيت الأبيض، لم يكن لديه أي نفوذ في أمريكا، ولا حلفاء. كان عليه أن يوافق.
كان بإمكانه إقناع نفسه بأن الانتظار كان يستحق العناء: ففي غضون ذلك، تم القضاء على السنوار والضيف وهنية، شركائه في إصدار أوامر الاعتقال في لاهاي. انتُخب ترامب رئيسًا ووافق على مهاجمة إيران، وقد يعود للهجوم في المستقبل. صحيح أن الحرب لم تحقق أيًا من أهدافها، وصحيح أن مكانة إسرائيل في العالم تدهورت بشكل كبير، ولكن لماذا التذمر؟
“لن نستسلم” هو شعار حزب الليكود الانتخابي، مصحوبًا بصورة الزعيم في الذكاء الاصطناعي، ناظرًا إلى اليمين وإلى الأسفل قليلًا، نحو الإسرائيليين العالقين في زحام المرور على طريق أيالون السريع. لقد قطع نتنياهو شوطًا طويلًا ومريرًا من وعده بـ “النصر المطلق” في عام 2024 إلى وعده بـ “لن نستسلم” في عام 2026. وعد بضربة قاضية؛ واكتفى بالتعادل. وجر معه البلاد على طول الطريق إلى الهاوية
——————————————
هآرتس – 11/10/2026
هذا ليس نتنياهو بل إسرائيل
بقلم: عكيفا نوفيك
ان قرار منح جائزة نوبل للسلام للقاضية نافي بيلاي من جنوب افريقيا، التي اتهمت اسرائيل بارتكاب ابادة جماعية في غزة، يثير الشك في ان مشكلتنا لا تكمن “فقط” في الحكومة، أو “فقط” في بنيامين نتنياهو، بل في دولة اسرائيل نفسها.
ان الذين يقومون بلوم رئيس الحكومة وغباء الوزراء يقللون من شأن شدة الكراهية لاسرائيل التي تنبض في العالم وفي اوروبا. الخطوات التي عرضتنا لهجمات القاضية بيلاي وامثالها ليست حكرا على نتنياهو. هو يتفاخر بانه سعى الى احتلال رفح وسحقها، أليس كذلك؟ رؤساء المعسكر المعارض يصممون على انهم كانوا سيكونون اكثر عدائية منه لو اتيحت لهم الفرصة.
يدور صراع لفظي سافر في داخل الكتلة الليبرالية حول من هو الاكثر تشددا. يقول نفتالي بينيت بانه حاول تصفية يحيى السنوار، لكن المنظومة لم توافق على رأيه. ويتوسل غادي ايزنكوت لفتح البروتوكولات المتعلقة بقطاع غزة، ويلمح الى انه كان مندفع اكثر من نتنياهو المتردد. أما افيغدور ليبرلمان فهو نفس افيغدور ليبرمان. من الذي بقي؟ ربما 20 في المئة من الاحزاب الصهيونية.
ان معارضة اسرائيل في العالم، التي تتساوق مع كراهية اليهود التقليدية، تستند بدرجة كبيرة الى تحركات الجيش الاسرائيلي في غزة، حتى لو لم يكن عندنا وزراء غير اكفاء، لكنا سنبقى نتعرض للانتقاد. هذا لا يبرر جنون العظمة لايتمار بن غفير، أو مقابلات عميحاي الياهو المتغطرسة. ولكن حتى بدون هجماتهم الدعائية كان وضعنا سيكون كارثي.
أنا ارغب في القول بان مشكلتنا ليست الدعاية في جوهرها. فالكراهية تجاهنا من قبل العالم تنبع من دوافع قديمة (اللاسامية؟)، الى جانب الجهل، والصدمة الانسانية المفهومة بسبب المشاهد الفظيعة من قطاع غزة والشهادات المروعة. لنفترض ان الحرب على غزة تم شنها من قبل تحالف بقيادة ايزنكوت وبينيت وليبرمان – هل كانت رفح ستكون مختلفة اليوم؟ هل كانت شاحنات المساعدة ستدخل الى القطاع بانتظام رغم تعذيب الرهائن؟ هل كان الجيش الاسرائيلي سيصدر تعليماته بعدم السماح بعمليات الاغتيال بسبب الاضرار المصاحبة لها؟.
هذا لا يعتبر نقاش نظري. فخلال الحملة الانتخابية أقسم الثلاثة بأنهم كانوا سيفعلون نفس الشيء في قطاع غزة، لكن “بالتنسيق مع العالم”، أو بوتيرة اسرع حتى لا يتم استنزاف صبر العالم. هم على حق، لكن مشكوك فيه امكانية احتلال منطقة مكتظة بالسكان ومعادية كهذه واستخدام ضغط عسكري فعال على منظمة ارهابية تتحصن بين المدنيين وفي الانفاق، بدون احداث دمار وتخريب كبير والاضرار بالابرياء. طالما ان قادة المعارضة لا يهاجمون نتنياهو بسبب الدمار الذي قمنا بالحاقه بغزة، بل ويصممون على انهم كانوا سيسحقون القطاع، فهم في موقف يشبه موقفه.
هذا هو لب الموضوع. ان قاضية محكمة لاهاي ولجان الجائزة في اوسلو والنخب الاكاديمية في اوروبا لا يحتقرون نتنياهو لكونه نتنياهو، بل لانهم يعارضون بشدة جرأة اسرائيل على الدفاع عن نفسها بالقوة، بأدوات الدولة السيادية، وبسبب رفضها لعب دور الضحية الاخلاقية. مشكوك فيه وجود طريقة اخلاقية لكسب حرب مثل هذه الحرب التي فرضت علينا قبل ثلاث سنوات. ان حكومة نتنياهو تهمل بالفعل المجال السياسي بشكل كبير، وتتسبب باضرار سياسية لا حاجة اليها. لكن من المهم التذكر ان الاهمال في أداء المهمات لا يعني عدم ملاحقتك. ومثلما يقول المثل العسكري “يفضل محامي سيء على مرتل جيد”.
——————————————
هآرتس 12/10/2026
إسرائيل… ما لنا ولـ”لاهاي” و”الأمم المتحدة السخيفة”؟
بقلم: عيدان تسبعوني
محرر دار النشر “ريسلينغ” ومؤلف كتاب “من أجل غزة: مقال عن الوجود والعدم”
يستيقظ المرء فجأة صباحاً بشعور أنه وحيد قرن، ويستمر في السير. ولكن هذه “الحيونة” ليست شخصية، بل بنيوية. لقد صاغ يوجين يونسكو هذا المبدأ البنيوي بأسلوب دقيق في مسرحيته العبثية “وحيدو القرن” في العام 1959.
كتب يونسكو المسرحية عقب تجربة أوروبا الكارثية مع الفاشية والشيوعية. ومنذ ذلك الحين، أصبح وحيد القرن رمز الوحشية الاجتماعية، وسلوك القطيع، وانتشار النزعة التوافقية الاجتماعية في ظل صعود أيديولوجيات تدفع “عامة الناس” إلى التخلي عن التفكير بالمستقل. يكتشف الشخص في مجتمع يسيطر عليه وحيد القرن بأنه عرضة للتشويه الأخلاقي، ويتم ابتلاعه قسراً تقريباً من قبل أنظمة اجتماعية مريضة.
دولة إسرائيل في هذا العصر، بشعارها الذي يتمثل بتفوق اليهود، تلبي الكثير من معايير المجتمع المتخلف، حيث يقدم الواقع الإسرائيلي المخيف أمثلة لا حصر لها على ذلك. على سبيل المثال، سن قانون يفرض عقوبة الإعدام على الإرهابيين العرب فقط، واستبعاد كل القوائم العربية من انتخابات الكنيست القادمة، بغض النظر عن إلغاء المحكمة العليا لهذا الاستبعاد، لأن الجمهور العربي الذي يشكل 21 في المئة من عدد سكان البلاد لا يُنظر إليه كشريك شرعي في تشكيل الائتلاف من خلال ممثليه.
لا يمكن الإشارة إلى الظاهرة الخطيرة التي بحسبها تتم ترجمة أي انتقاد لدولة إسرائيل – الذي لا يجب بالضرورة ربطه بمعاداة إسرائيل – بشكل تلقائي إلى لاسامية، وهذا بحد ذاته إهانة. لقد حسم الأمر لصالح الدولة، والقائمة طويلة. لذلك، من الآن فصاعداً قل: “نحن المذنبون، الخائنون، المخدوعون وإلخ. والعيش في إسرائيل في ظل نظام انقلاب اجتماعي وثقافي، وتحت وطأة احتلال (على وشك ضم زاحف أو في خضم ضم زاحف)، كنمط حياة وتدمير قطاع غزة بشكل شبه كامل وحرب لا تنتهي، مادياً ومعنوياً، ويتم شنها بوتيرة متسارعة على أنغام أغنية “أفضل فأفضل” في المبنى الذي تحيون.
دولة إسرائيل في هذا العصر، بشعارها الذي يتمثل بتفوق اليهود، تلبي الكثير من معايير المجتمع المتخلف، حيث يقدم الواقع الإسرائيلي المخيف أمثلة لا حصر لها على ذلك
في أعمق معانيه، تتجلى الحيونة في المجتمع “المتحيون” المتملق، ويروي لنفسه قصة نرجسية بامتياز، مقطوعة عن الواقع. مثلاً، هو لا يستخدم العنف على الإطلاق (مع أنه يتفاخر بالعنف في كل مكان)، وأنه مجتمع مثالي عادل، وأن أبناءه قديسون، وأن جيشه هو الجيش الأكثر أخلاقية وإنسانية في العالم.
في الوقت نفسه، يحاول كل العالم (يهوداً وغير يهود) تصوير واقع مختلف كلياً من كل الجوانب. مثلاً، إظهار أن دولة إسرائيل تستخدم العنف المفرط ضد المدنيين، وأن جيشها ينفذ جرائم حرب، وأن حكومتها تأمر بسياسة تجويع المدنيين في زمن الحرب.
غني عن القول إن هذه التصريحات المهذبة كلها، وكل ما يسمى بـ “الأمم المتحدة السخيفة”، وكل ما يسمى (لاهاي) لا قيمة لها في نظر المجتمع المتملق؛ هي لا تساوي شيئاً. ولأن التناقض الصارخ بين الروايتين لا يمكن احتواؤه، يتمسك هذا المجتمع المتغطرس برواية المجتمع المثالي، الطاهر والعادل، أكثر من أي وقت مضى.
بكلمات أخرى، يستمر الإنكار ويتفاقم الشعور بالذنب حيال العنف غير المعترف به. ونتيجة لذلك، يتفاقم العنف الذي يتم إنكاره من البداية.
في هذا السياق، نشاهد تحولاً مخيفاً، من الشعور التلقائي بالذنب – شعور يعجز المجتمع أو يرفض الاعتراف به مثلما في حالة النكبة والاحتلال وكارثة قطاع غزة – إلى عنف متصاعد.
في هذه الفجوة التي ظهرت، يزداد الوحش الكامن فينا قوة. فمن جهة، يصعب إدراك هذا الوحش من الداخل رغم جسده الضخم، وربما بسبب ذلك بالتحديد، ولكن يسهل التعرف عليه من الخارج. ومثلما قيل، يهتف نصف العالم “ها هو وحيد القرن، ها هو وحيد القرن”، لكن هذا الوحش ليس ضعيف البصر فحسب، بل ضعيف السمع أيضاً.
من جهة أخرى، يخبرنا التاريخ الدموي في القرن العشرين، الذي جربه يونسكو على جلده، أن نهاية وحيد القرن الذي تم تسمينه، هي الدمار. وهو ما حدث لأكثر الأنظمة المستبدة قسوة في القرن العشرين.
كانت هناك أيام حلم فيها اليسار الإسرائيلي الانتقادي، الذي وجد جزء كبير منه الملاذ في برلين وضواحيها، بإسرائيل كدولة لجميع مواطنيها. ولكن السنوات التي انقضت والكهانية التي جاءت معها مثل رزمة متكاملة مع المسيح، أثبتت العكس، أي أن إسرائيل أصبحت دولة كل متحيونيها. وهكذا نشاهد مرة أخرى كيف يحلم المفكرون بجدية مفرطة باليسار، في حين يسير “الشعب” والسيد جنباً إلى جنب نحو الغروب في الجانب الأيمن.
——————————————
هآرتس 12/10/2026
عضو كنيست و”مدير حزب بن غفير” يقودان مجموعة إرهابيين لتخليص كهانيّ اعتدى على فلسطينيين
بقلم: أسرة التحرير
المرء يقرأ ولا يصدق. تشتبه الشرطة بأن النائب إسحق كرويزر والمدير العام لحزب “عظمة يهودية” إيتيئيل نايمان، ساعدا شخصاً مشبوهاً بالعنف تجاه الفلسطينيين على الفرار من الشرطة واعتديا على أفراد الشرطة. وعندها، نتذكر بأن بن غفير هو وزير الأمن القومي. قبل 12 يوماً في أثناء مطاردة شرطية لمشبوهين بالإرهاب اليهودي في مستوطنة “مستبيه يريحو”، ألقى أفراد الشرطة القبض على ملثم وأدخلوه إلى سيارة الدورية. فتدفق على الفور نحو مئة من السكان [المستوطنون] من الكنيس المجاور، بعضهم مسلحون، واحتشدوا حول سيارة الدورية. واعتدى بعضهم على أفراد الشرطة، ونجحوا في فتح باب السيارة وانتزعوا المشبوه. وثمة ملثم منهم خرق إطارات سيارة الشرطة.
وحسب شهادة أفراد الشرطة، لم يكن قائد الحشود سوى مدير عام حزب “عظمة يهودية”. وهدد الشرطة: “لن تخرجوا من هنا إلى أن تحرروه”. نايمان هو ابن الياكيم نايمان من قادة مدرسة “الفكرة اليهودية” التي أقامها مئير كهانا. في السنوات الأخيرة، يتجول نايمان الابن في أروقة وزارة الأمن القومي إلى جانب بن غفير. فما الغرو في أنه يسمح لنفسه بأن يتصرف وكأن الشرطة تابعة له.
كان معه هناك النائب كرويزر الذي، حسب الاشتباه الشرطي، سد طريق سيارة الدورية هو الآخر، وهكذا ساعد الحشود على انتزاع المعتقل من سيارة الشرطة. ولاحقاً، حسب الاشتباه، اعتدى بلكمة على وجه شرطي وحدة “يسم” جاء لينقذ أفراد الشرطة من الحشود. كرويزر ابن الحاخام يهودا كرويزر رئيس المدرسة الكهانية “الفكرة اليهودية”.
كسر أنف أحد أفراد الشرطة، وكسر يد شرطي آخر، وأصيب ثالث بغاز الفلفل. أما المعتقل فلاذ بالفرار، وتم خرق دواليب سيارة الشرطة، وتعرض أفراد الشرطة للضرب. ماذا فعل بن غفير؟ من وصف نفسه بأنه “ظهر الشرطة” تبين أنه ما زال يمارس نشاطاً يمينياً متطرفاً، يلاحق الشرطة وأفرادها. وبزعم أفراد الشرطة، فإنه مع وصوله وبخهم بدعوى أنهم استخدموا العنف ضد السكان [المستوطنين].
لقد كانت ولاية بن غفير بصفته وزيراً للأمن القومي بمثابة لكمة في وجه الدولة
هذه خلفية اختبار للشرطة وللمفتش العام. فبعد أربع سنوات من التملق والخوف من بن غفير، عليهم أن يحققوا تحت طائلة التحذير مع نايمان وكرويزر. الاثنان ينفيان الشبهات ضدهما ويدعيان بأن أفراد الشرطة هم من هاجموا. على المفتش العام أن يكلف بالتحقيق وحدة ذات عمود فقري لا تخاف من بن غفير (في هذه الأثناء، كلفت محطة “معاليه أدوميم” بالتحقيق، التي من المشكوك أن تحتمل عظمة الساعة).
لقد كانت ولاية بن غفير بصفته وزيراً للأمن القومي بمثابة لكمة في وجه الدولة. في الانتخابات القادمة، على الجمهور أن يُرحلوا بن غفير ونتنياهو – محب إشعال النار الذي عينه في المنصب. وإلا، فسيتحقق حلم بن غفير، وسيعينه نتنياهو أيضاً وزيراً للدفاع، ويواصلا دهورة إسرائيل إلى الهوة.
——————————————
هآرتس 12/10/2026
بعد شكوى “هند رجب” لـ”لاهاي”… نقابة الأطباء: تحولنا إلى مجرمي حرب… وما زال قتل الأطفال مستمراً
بقلم: ميخال فيلدون
في 8 تشرين الأول 2023 نشرت في الإنترنت صورة لجثث عائلة آل حامد من خان يونس في قطاع غزة. ظهرت في مقدمة الصورة جثث توأم عمرهما ثلاثة أشهر، شحوب وإصابات. ورغم أنني شاهدت آلاف الصور المشابهة منذ نشرها، لكني لم أنس هذه الصورة قط. في ذلك اليوم، في مجموعة “واتساب” لأصدقاء أعزاء، أطباء أيضاً، حيث كنا نحاول إيجاد كلمات لوصف فظائع الـ 24 ساعة الماضية، حاولت التحدث عن هذه الصورة. ذكرت كلمة “انتقام” وكلمة “قتل”، وطلب مني على الفور التوقف عن الرد.
إن الشعور بالتناقض الكبير بين صدمة المس بأبناء شعبنا وعدم الرغبة في رؤية الأذى يلحق بالآخرين – وهو شعور ربما كان مبرراً في ذلك اليوم – لم يختف مع مرور الوقت. ولكن لاحقاً، ومع تصاعد الفظائع في غزة وتراكمها لتشكل صورة واقعية تطابق تعريفات “الإبادة الجماعية”، لم يعد الصمت والتجاهل مقبولين. إضافة إلى ذلك، أصبح تركيز نشاطنا كنشطاء في مجال حقوق الإنسان ينصب على توثيق ونشر وكتابة ما يحدث في الطرف الآخر. كان من بين هؤلاء الكتاب من خاطروا بحياتهم برواية ما شاهدوه أو فعلوه كجنود أو أطباء، مثلما في “سديه تيمان”.
خلال سنوات الحرب، ناشدتُ وأصدقائي دائماً نقابة الأطباء في إسرائيل، وهي النقابة الرسمية لكل الأطباء في إسرائيل، بالتصدي للفظائع غير الإنسانية المرتكبة في غزة وفي مراكز الاعتقال الإسرائيلية. طلبنا منهم الرد على الأحداث الاستثنائية مثل مذبحة المسعفين في رفح في آذار 2025، والهجمات المباشرة على المستشفيات وكبار الأطباء في غزة، التي تسببت بقتلهم وقتل عائلاتهم واعتقال عشرات من الطواقم الطبية في إسرائيل، وعلى التعذيب في مراكز الاعتقال الإسرائيلية ومنع وصول المعدات الطبية والأدوية إلى غزة، وعلى المرضى أنفسهم الذين لا يمكنهم تلقي العلاج في إسرائيل أو في الضفة الغربية أو في شرقي القدس.
لم تتخذ اللجنة الدولية لحقوق الإنسان أي خطوات جدية في أي وقت
ناشدناهم برسائل وبيانات شخصية، وطلبنا عقد اجتماعات والتحدث إليهم، وكتبنا مقالات في صحيفة “هآرتس” وصحيفة “الأطباء الإسرائيليين”، وحتى تظاهرنا أمام مكاتب النقابة. لم نحصل على أي رد في معظم الحالات. أحياناً حصلنا على ردود ضعيفة، وفي أحيان أخرى، لا سيما بعد ضغط دولي كبير، أصدرت الرابطة الدولية للأطباء الإسرائيليين بياناً رسمياً حول الموضوع. مثلاً، بعد أن أعلنت الجمعية الطبية البريطانية أنها ستفحص تعليق علاقاتها مع منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية، لم تنشر النقابة ردها الأول على الأزمة الإنسانية في غزة إلا في أيار 2025، وبعد بضعة أشهر فقط، تطرقت إلى قصف المستشفيات في قطاع غزة.
لم تتخذ اللجنة الدولية لحقوق الإنسان أي خطوات جدية في أي وقت، مثل التحقيق مع الطاقم الطبي المتورط بالتعذيب في مراكز الاعتقال، أو الانضمام كمنظمة إلى الالتماسات الكثيرة التي قدمتها منظمات حقوق الإنسان للمحكمة العليا على مر السنين للمطالبة بإطلاق سراح الطاقم الطبي، وتوفير العلاج لآلاف المرضى المصابين بأمراض مزمنة في غزة ووقف تدمير البنى التحتية الطبية والصحية.
ودعت جمعيات طبية دولية كثيرة اللجنة إلى مقاطعة لجنة حقوق الإنسان الإسرائيلية خلال سنوات الحرب. وفي حزيران 2026 دعت مجلة “لانسيت” المشهورة، إلى تعليق عضوية اللجنة الإسرائيلية في الرابطة الطبية العالمية بسبب صمتها. وفي الأسبوع الماضي، قدمت مؤسسة “هند رجب” شكوى رسمية لمحكمة الجنايات الدولية في لاهاي ضد كبار المسؤولين في الجيش الإسرائيلي بسبب صمتهم وتقاعسهم عن العمل في ظل وجود وثائق واضحة على التعذيب في “سديه تيمان”.
تم إجراء مقابلة مع نتان (اسم مستعار)، وهو جرّاح إسرائيلي عمل كطبيب في “سديه تيمان” وكشف عن التعذيب والظروف الصعبة وسوء الرعاية الطبية المقدمة للمعتقلين هناك في 2025. وقال: “ربما كان علينا فعل المزيد. ربما كان يمكننا فعل أي شيء في المعسكر نفسه فيما يتعلق بالكلاب. كنا نسمع نباحها كل ليلة، وفي نهاية المطاف، حولني عملي هناك إلى مجرم حرب أيضاً (“محادثة”، 16/9/2025).
هذا هو شعوري بالضبط. لم يرغب أحد منا في مقاطعة عالمية للمسؤولين الإسرائيليين، أو محاكمتهم. رغبنا في وقف جرائم الحرب، وأن نكون الأطباء الذين اخترنا أن نكون وأن نعالج المرضى وننقذ الأرواح، وألا نقف مكتوفي الأيدي أمام عمليات القتل الجماعي العشوائية، رغبنا في مساعدة أصدقائنا في غزة الذين تركوا عاجزين أمام جهاز صحي مدمر تماماً، ونقص شديد في المعدات والطواقم الطبية. لقد فعلنا ما في استطاعتنا، ناشدنا وتوسلنا وكتبنا، ووقعنا على عرائض وتظاهرنا.
أتساءل أيضاً ماذا كان يمكننا أن نفعل؟
لم يكن علينا أن نصل إلى هذه المرحلة. هذه هي الحقيقة. كان يمكن التصرف بشكل مختلف في وقت ما، وفي أي حادثة طبية مخيفة أو جريمة حرب حدثت في الحرب. كان يمكننا التصرف بشكل مختلف، أفراداً ومنظمة ومجتمعاً.
في وقت مبكر في 8 تشرين الأول 2023 كان يكفي النظر إلى صورة 18 شخصاً من نفس العائلة قتلوا في قصف واحد لندرك أن الوضع كان يجب أن يكون مختلفاً.
ليس الهدف من هذا المقال القول “لقد حذرناكم”. الحرب لم تنته بعد، واتفاق وقف إطلاق النار الذي عقد قبل سنة لم يوقف الكارثة الإنسانية في غزة، فثمة أطفال مصابون بالسرطان يموتون الآن في غزة لعدم وجود العلاج المناسب، ويكاد يكون من المستحيل الحصول على العلاج، وما زال الأطفال في غزة يقتلون بسبب القصف الجوي. ما زال يمكننا فعل الشيء الصحيح الآن – بصفتنا أطباء وبشراً – الاعتراف بالواقع الفظيع الذي يحدث أمام أنظارنا وباسمنا، والدعوة علنا إلى تغييره.
——————————————
هآرتس 12/10/2026
يستثني اليهود وإن تساوت الجريمة… هل تقدم “دولة الجلادين” قيمة الانتقام بـ”قانون إعدام الفلسطينيين”؟
بقلم: نوعم غيلمان أوفشتاتر
مدير قسم الجمهور في اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل
إسرائيل، التي كانت تعتبر حتى فترة قريبة دولة ألغت عقوبة الإعدام بالفعل، انضمت في هذه السنة إلى نادي الدول المشكوك فيها، التي تعتبر الإعدام الجماعي خياراً عملياً ومرغوباً فيه. في الأسابيع الأخيرة، سرنا خطوة أخرى نحو تحويل المجتمع الإسرائيلي إلى مجتمع جلادين. فقد تم اعتقال قدري سمارة، وهو فلسطيني من سكان الضفة الغربية، للاشتباه فيه بقتل إسرائيلي من سكان الضفة الغربية في حادثة إطلاق نار. تم وضع سمارة في الاعتقال ومنع من الاتصال مع محام. ومع اعتقاله، أصبح هدفاً لوزير الأمن القومي وشخصيات أخرى في النظام السياسي، الذين يطالبون الآن بإعدامه. على خلفية هذه التطورات، تناول الاحتفال باليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام في 10 تشرين الأول هذه السنة حالة إسرائيل بشكل كبير.
عقوبة الإعدام وحشية وعنصرية ولا رجعة عنها. وهي تتسبب بمعاناة كبيرة للمحكوم عليهم ولمن حولهم وحتى للجلادين أنفسهم وللمجتمع المحيط بهم. أقر قانونان في إسرائيل في هذه السنة نظام عقوبة الإعدام في إسرائيل، يركز على إعدام السجناء الفلسطينيين ويتجاهل الإجراءات القانونية وحقوقهم كمتهمين، وهي حقوق ما زالت تسري فقط على القتلة اليهود. وكل ذلك في ظل التعذيب الشديد والمستمر الذي يتعرض له كل السجناء الفلسطينيين الذين يبلغ عددهم 9329 تحت اسم “معتقلين أمنيين” لأسباب مختلفة – ثلثهم معتقلون إداريون لم توجه إليهم أي اتهامات. يؤدي هذا التعذيب، ضمن أمور أخرى، إلى أخذ اعترافات بشكل قسري، الأمر الذي يزيد خطر الإدانة الباطلة، وإفساد نظام القضاء، ويتوقع أيضاً استخدامه دليلاً على تبرير الإعدام.
يركز القانون على إعدام السجناء الفلسطينيين ويتجاهل الإجراءات القانونية وحقوقهم كمتهمين، وهي حقوق ما زالت تسري فقط على القتلة اليهود
القانون الأول الذي أقرته الكنيست في آذار 2026، هو قانون “عقوبة إعدام الإرهابيين”. يستثني هذا القانون بشكل صريح القتلة من بين المستوطنين، ويصفه خبراء في هذا المجال بأنه جائر وعنصري، حتى مقارنة مع الدول القليلة التي ما زالت تطبق عقوبة الإعدام. ورغم سلسلة الالتماسات التي قدمت للمحكمة العليا ضد هذا القانون، والمعارضة الشديدة له حتى من داخل المنظومة القانونية نفسها، لكن المحكمة العليا تؤجل تحديد موعد لجلسة استماع بشأنه.
تضمنت الحملة المضللة المحيطة بهذا القانون دبوساً على شكل حبل المشنقة، وملابس جلادين في عيد المساخر، وحتى تم الاحتفال بعيد ميلاد وزير كبير بكعكة مزينة بحبل مشنقة وعبارة “أحياناً تتحقق الأحلام”. وتجد هذه الرغبة الشديدة في القتل تجسيدها في إعدام سمارة، الذي يهدده كبار مسؤولي إنفاذ القانون بالإعدام من خلال استخدام القانون المذكور حتى قبل بدء الإجراءات في قضيته.
ينظم القانون الثاني الذي أقر في أيار، محاكمة مرتكبي مذبحة 7 أكتوبر. ويحدد هذا القانون الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام، وترافقه حملة صاخبة للترويج لرؤية دولة كل جلاديها. وبدلاً من أن يرسخ القانون أسس العدالة للضحايا، فإنه يرسخ نظاماً يقوض مسبقاً شرعية المحاكمات ونتائجها، ويثير التساؤلات حول شرعيتها. ففي محكمة عسكرية تتمتع بسلطة فريدة وواسعة في تجاوز قواعد الإجراءات وقوانين الإثبات، تخضع عملية تعيين القضاة فيها لسيطرة المؤسسة الأمنية، ويتم تقييد التمثيل القانوني للمتهمين، ويتم أيضاً تقييد حضور المتهمين لجلسات المحاكمة، بل ويمكن إلغاء هذا الحضور، في حين يتم بث الجلسات نفسها للجميع حسب تقدير المحكمة. ومثلما جاء مؤخراً، فإن المرشحين للمشاركة في هيئة هذه المحكمة مترددين في قبول التعيين لأسباب مختلفة، من بينها الصعوبة المتوقعة في إثبات شرعية قرارات حكمهم.
يستثني القانون بشكل صريح القتلة من بين المستوطنين ويصفه خبراء في هذا المجال بأنه جائر وعنصري
في الأشهر القريبة القادمة، بالتوازي مع سير الإجراءات القانونية ضد سمارة، وإقامة جناح المحكوم عليهم بالإعدام، وإقامة المحكمة الخاصة، سيتم تسليط الضوء عالمياً على نظام عقوبة الإعدام الإسرائيلي الجديد. وقد صادف 10 تشرين الأول افتتاح جلسات الاستماع تمهيداً للإعلان الذي يصدر كل سنتين في الأمم المتحدة في كانون الأول، بشأن ضرورة الإلغاء العام (التجميد) لعقوبة الإعدام. وقد تم إلغاء عقوبة الإعدام بالفعل في 145 دولة في العالم (بما في ذلك في حوالي 80 في المئة من الولايات الأمريكية، ومؤخراً في لبنان). وفي العام 2025 لم تنفذ إلا 17 دولة عقوبة الإعدام. ويتجرأ عدد قليل منها على تنفيذ حكم الإعدام على النطاق الذي تسعى إليه إسرائيل. وحتى الآن، صوتت إسرائيل لصالح التجميد، بما في ذلك في العام 2024، وفقاً لسياستها الحكومية والقانونية والأمنية الراسخة التي لم تتغير إلا مؤخراً.
تشير الجهات المعنية بهذه القضية إلى إسرائيل كحالة رئيسية. فاللجوء إلى الإعدام فيها قد يؤخر النضال لسنوات كثيرة، في حين سيعزز كبح جماح إسرائيل في هذا المسعى المتطرف إلغاء عقوبة الإعدام، حيثما ما زالت سارية. وبالنسبة للمجتمع الإسرائيلي، يعدّ هذا السؤال أكثر أهمية. إذا سمحنا لروح العنصرية التي تمجد شأن الموت باستخدام صلاحياتها القانونية للقتل بدم بارد، فنحن بذلك نعطي موافقة رسمية على إعادة تقييم قيمة الحياة البشرية ووضع قيمة الانتقام فوق الرغبة في الحياة والعدالة. إن كبح سياسة الانتقام والسادية يتطلب التزام إسرائيل بوقف تنفيذ حكم الإعدام، والامتناع عن المطالبة بالعقاب في المحاكم وإلغاء عقوبة الإعدام في القانون. وستناضل حركة حقوق الإنسان من أجل هذه الأهداف حتى تتحقق.
—————-انتهت النشرة—————–

