كتب نعيم حرب : هشام أبو غوش… سيرة مناضلٍ أفنى عمره للوطن… وبقي مدرسةً في الوفاء

في ذكرى رحيل الرفيق والصديق هشام أبو غوش

المسار : ليست كلُّ الخسارات قابلةً للتعويض، وليست كلُّ الغيابات يطويها الزمن؛ فثمة رجالٌ يرحلون بأجسادهم، لكنهم يتركون في الذاكرة ما هو أبقى من الحضور، وفي وجدان رفاقهم ما هو أعمق من الحنين. والرفيق هشام أبو غوش واحدٌ من هؤلاء الذين لا تُختصر سيرتهم بتاريخ رحيلهم، بل بما قدّموه من عمرهم وجهدهم وإخلاصهم لقضيتهم وشعبهم، وبما تركوه من أثرٍ في نفوس من عرفوهم ورافقوهم على دروب النضال. في ذكرى رحيله، نستحضر هشام المناضل الصلب، والرفيق الوفي، والصديق الذي جمع بين صلابة الموقف ونبل الإنسان، وبين الالتزام بالمبدأ والإخلاص للعمل. نستحضر رجلًا لم يكن انتماؤه شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا قناعةً تتبدل بتبدل الظروف، بل كان الانتماء عنده ممارسةً يومية، ومسؤوليةً أخلاقية، والتزامًا لا ينفصل عن هموم الناس وتطلعاتهم إلى الحرية والكرامة والعدالة.

لقد أفنى الرفيق هشام عمره في خدمة وطنه وقضيته وشعبه، ومنح من وقته وجهده وطاقته ما يستحق أن يُروى ويُحفظ في ذاكرة الأجيال. لم يتعامل مع النضال بوصفه محطةً عابرة في حياته، بل بوصفه طريقًا اختاره عن قناعة، وحمَل مسؤوليته بإخلاص، وظل وفيًّا له حتى النهاية، وكانت قيمة هذا الالتزام في ثباته، وفي قدرته على مواصلة الطريق دون أن يفقد إيمانه بما ناضل من أجله، أو يتخلى عن المبادئ التي شكّلت بوصلته. ولعلّ من أبلغ صور الوفاء التي جسّدها الرفيق هشام أبو غوش، وأشدّها رسوخًا في الذاكرة والوجدان، إصراره على مواصلة أداء مهامه ومسؤولياته النضالية خلال رحلة مرضه، متحديًا الألم والوجع، ومتمسكًا بواجبه تجاه قضيته ورفاقه، لم يسمح للمرض أن ينتزع منه إحساسه بالمسؤولية، ولم يجعل من معاناته سببًا للتراجع عن الطريق الذي اختاره بإرادته وقناعته. ظلّ وفيًّا لالتزاماته، حاضرًا حيثما استدعت المسؤولية حضوره، يواصل العطاء بما استطاع، حتى اللحظات الأخيرة من حياته. لقد كان جسده يتألم، لكن إرادته بقيت أقوى من الوجع، وكان إيمانه بقضيته أعمق من أن تُطفئه المعاناة. وفي ذلك تتجلّى عظمة المناضل الذي لا يقيس التزامه بقدرته على العمل في أوقات الراحة، بل بمدى وفائه حين تصبح المسؤولية أثقل، والطريق أشدّ مشقة. هكذا كان هشام؛ لم يمنح قضيته سنوات عمره فحسب، بل ظلّ يمنحها ما بقي لديه من قوة، حتى آخر الطريق. رحل جسدًا أنهكه المرض، لكن إرادة المناضل فيه لم تستسلم، وظلّ حتى اللحظة الأخيرة وفيًّا للعهد الذي عاش من أجله.
ومن أبرز ما ميّز الراحل دقته في العمل، وجديته في أداء المسؤوليات، وحرصه على التفاصيل التي قد تبدو صغيرةً في نظر البعض، لكنها تصنع الفارق في العمل المؤسسي والتنظيمي. كان يدرك أن القضايا الكبيرة لا تُخدم بالنوايا وحدها، وأن الإخلاص الحقيقي لا يكتمل إلا بالانضباط، وحسن الإعداد، ومتابعة التفاصيل، وتحمل المسؤولية حتى إنجازها. فالدقة عنده لم تكن مجرد سمة شخصية، بل تعبيرًا عن احترامه للعمل، وتقديره للوقت، وإيمانه بأن المسؤولية أمانة لا يجوز التفريط فيها. ولم يكن تفانيه منفصلًا عن إخلاصه؛ فقد آمن بأن خدمة الوطن والقضية ليست امتيازًا يطلبه المناضل لنفسه، بل واجبٌ يقدمه دون انتظار مقابل. وهنا تكمن إحدى أهم مناقب الرجال الذين يتركون أثرًا حقيقيًا، أنهم يمنحون العمل من جهدهم، والقضية من أعمارهم، والرفاق من صدقهم، دون أن يجعلوا من عطائهم وسيلةً للبحث عن الأضواء أو صناعة المجد الشخصي. فالمجد الحقيقي، كما تعلّمنا سيرة المناضلين المخلصين، هو أن تترك وراءك أثرًا طيبًا، وأن يذكرك الناس بما كنت عليه من صدقٍ والتزامٍ ونبل.

أما في علاقته برفاقه وأصدقائه، فقد كان للوفاء مكانه الذي لا تختصره الكلمات. فالرفيق ليس مجرد شريك في الانتماء، بل هو أخٌ في الطريق، ورفيقٌ في الشدائد، وشاهدٌ على محطات العمر بما فيها من آمالٍ وتضحياتٍ وانكسارات. ومن هنا، فإن استذكار هشام أبو غوش ليس استعادةً لسيرة مناضل فحسب، بل استعادةٌ لرفيقٍ وصديقٍ ترك غيابه فراغًا في القلب، وذكرياتٍ تستعيدها الروح كلما مرّ طيفه أو حضرت محطةٌ من محطات النضال التي جمعتنا به. لقد كان الرفيق هشام مدرسةً نضاليةً لا لأن حياته خلت من صعوبات الطريق، بل لأنه أدرك أن قيمة المناضل تُقاس بقدرته على التمسك بقناعاته، والوفاء لرفاقه، والإخلاص لشعبه، وتحويل إيمانه إلى عملٍ ومسؤولية. والمدرسة النضالية الحقيقية لا تُبنى بالكلمات وحدها، بل بما يقدمه الإنسان من نموذجٍ في الالتزام، وما يتركه من دروسٍ في الصبر والثبات، وما يغرسه في نفوس الآخرين من احترامٍ للقضية وللعمل العام.

وفي زمنٍ تتبدل فيه المواقف، وتختلط فيه الشعارات بالمصالح، تصبح سيرة أمثال الرفيق هشام أكثر أهمية؛ لأنها تذكّرنا بأن النضال ليس ادعاءً، وأن الانتماء لا يُقاس بعلو الصوت، وأن الوفاء للقضية يحتاج إلى رجالٍ يجعلون من مبادئهم سلوكًا، ومن مسؤولياتهم عهدًا، ومن أعمارهم مساحةً للعطاء. ولا يعني الوفاء للراحل أن نكتفي بتمجيد سيرته في ذكرى رحيله، بل أن نحفظ المعاني التي عاش من أجلها، وأن نجعل من إخلاصه ودقته وتفانيه معيارًا نحتكم إليه في أعمالنا ومواقفنا.

إن أصدق تكريمٍ للرفيق هشام أبو غوش هو أن تبقى سيرته حاضرةً في الذاكرة الوطنية والنضالية، وأن تُروى للأجيال بوصفها تجربةً إنسانيةً تستحق التأمل والاعتبار. فالأوطان لا تصنعها الشعارات وحدها، وإنما يصنعها أناسٌ يهبونها أعمارهم، ويصونون قضاياها بصدقهم، ويواصلون العمل حين يتراجع الآخرون، ويتمسكون بالمبدأ حين يصبح التمسك به مكلفًا.

سلامٌ لروحك يا رفيق هشام، يا صديق ورفيق النضال لأكثر من ثلاثة عقود وأنت قائدا ومعلما لنا وكنت الصديق الوفي. رحلتَ، لكن ما منحته لوطنك وقضيتك لا يرحل معك، وما زرعته في قلوب رفاقك لا تمحوه السنون. ستبقى حاضرًا في الذاكرة، بما عُرف عنك من صلابةٍ وإخلاص، ودقةٍ في العمل، ووفاءٍ للرفاق، وتفانٍ في خدمة شعبك. وسيظل اسمك مرتبطًا بسيرة رجلٍ آمن بقضيته، ومنحها من كل عمره وجهده، وترك خلفه أثرًا يستحق أن يُصان، وذكرى تستحق أن تُروى، ومدرسةً نضاليةً عنوانها أن الوفاء للوطن ليس كلامًا يُقال، بل حياةٌ تُعاش، ومسؤوليةٌ تُحمل، وعهدٌ يبقى حتى بعد الرحيل.
رحمك الله يا أبا العبد، وأسكنك الفردوس حيث الشهداء رفاقك وتلاميذك من المناضلين الذين سبقوك الى العلياء، وجعل ذكراك طيبةً في قلوب محبيك ورفاقك، وسلامٌ لروحك في عيائها.

Share This Article