المسار : لم تكن عودة المسن الفلسطيني ثابت أبو خاطر إلى عائلته في قطاع غزة نهايةً لمعاناة امتدت لأكثر من عام خلف قضبان الاحتلال، بل بداية مرحلة جديدة من العجز والمرض وقسوة النزوح، بعدما عاد إلى أسرته بقدم مبتورة وجسد أنهكته ظروف الاعتقال وتدهور حالته الصحية.
ومنذ الإفراج عنه وعودته إلى عائلته في خان يونس جنوب قطاع غزة، بات أبو خاطر بحاجة إلى مساعدة الآخرين في أبسط تفاصيل حياته اليومية، من النهوض من فراشه والتنقل إلى استخدام دورة المياه، في ظل بيئة نزوح غير مهيأة لاحتياجاته الصحية والحركية.
ويستعيد أبو خاطر حياته قبل الاعتقال بحسرة، قائلًا: «كنت أصحى الصبح وأمشي على رجليّ وأقضي حاجاتي لحالي، اليوم ما بقدر أقوم من فراشي لحالي».
وكان أبو خاطر يعمل موظفًا في دائرة الجمارك ويعاني من مرض السكري، قبل أن تعتقله قوات الاحتلال في 27 كانون الأول/ديسمبر 2023 من مدرسة إيواء في بلدة بني سهيلا شرق خان يونس، بعد مطالبة الموجودين فيها بإخلائها.
وبحسب روايته، كان برفقة عشرات المواطنين، واعتُقل معه ثلاثة من أبنائه، فيما لا يزال أحدهم رهن الاعتقال حتى اليوم.
ويقول أبو خاطر إن حالته الصحية بدأت تتدهور داخل المعتقل مع عدم حصوله بصورة منتظمة على أدوية السكري، إضافة إلى اضطراره للمشي حافيًا لعدم توفر الأحذية، ما تسبب بظهور جروح في قدمه لم يشعر بخطورتها في بدايتها بسبب مضاعفات المرض.
ومع مرور الوقت، اسودّ أحد أصابع قدمه وتفاقمت الإصابة، قبل أن يُنقل لاحقًا إلى مستشفى «برزلاي» الإسرائيلي، حيث أبلغه الأطباء، وفق روايته، بإصابته بالغرغرينا وضرورة إجراء عملية بتر خشية امتدادها إلى أجزاء أخرى من ساقه.
ويتذكر تلك المرحلة قائلًا: «ما قدرت أحكي لأبنائي شو صار معي»، مشيرًا إلى أنه اضطر إلى مواجهة قرار البتر بعيدًا عن عائلته، ومن دون إمكانية إبلاغها بتدهور حالته الصحية.
وبعد العملية، أصبح عاجزًا عن الحركة بصورة مستقلة، واضطر إلى الاعتماد على زملائه الأسرى لمساعدته في الوصول إلى دورة المياه والعيادة، حيث يقول إن المسكن المتاح له كان «الأكامول»، في ظل محدودية الرعاية الصحية التي حصل عليها.
وفي 27 شباط/فبراير 2025، أُفرج عن أبو خاطر بعد نحو عام وشهرين من الاعتقال، وعاد إلى قطاع غزة في حالة صحية متدهورة، قبل نقله إلى مستشفى ناصر في خان يونس.
لكن خروجه من السجن لم يُنهِ معاناته، إذ وجد نفسه أمام واقع معيشي بالغ الصعوبة، وسط النزوح وغياب المرافق الملائمة للأشخاص ذوي الإعاقة، الأمر الذي جعله يعتمد بشكل شبه كامل على أفراد أسرته في الحركة وتلبية احتياجاته اليومية.
ويواجه أبو خاطر صعوبة خاصة في استخدام دورة المياه لعدم تهيئتها لحالته، فيما يتعرض كرسيه المتحرك اليدوي لأعطال متكررة، ما يزيد من معاناته ويجعله بحاجة إلى كرسي متحرك كهربائي يمنحه قدرًا أكبر من الاستقلالية.
ويقول إن أكثر ما يفتقده اليوم هو أبسط تفاصيل حياته السابقة: أن يستيقظ صباحًا، ويمشي على قدميه، ويقضي شؤونه بنفسه من دون انتظار مساعدة أحد.
وتتضاعف معاناة أبو خاطر مع استمرار اعتقال أحد أبنائه، إذ يأمل في الإفراج عنه ولمّ شمل أسرته، إلى جانب الحصول على كرسي كهربائي وظروف معيشية تراعي إعاقته وتساعده على استعادة جزء من استقلاليته.
وتشير تقارير صادرة عن مؤسسات تُعنى بشؤون الأسرى إلى تصاعد الشكاوى بشأن الإهمال الطبي ونقص الأدوية والغذاء وتدهور ظروف الاحتجاز منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلى جانب تسجيل إصابات وأمراض خطيرة في صفوف المعتقلين الفلسطينيين.
كما تحدثت مؤسسات حقوقية عن حرمان معتقلين من العلاج والرعاية الطبية اللازمة، وتأخير عمليات جراحية، وانتشار أمراض جلدية ومعدية في بعض أماكن الاحتجاز، وسط قيود على الزيارات والوصول القانوني والطبي إلى عدد من المعتقلين، ولا سيما القادمين من قطاع غزة.
وتبقى قصة ثابت أبو خاطر واحدة من الشهادات التي تكشف أن آثار الاعتقال لا تنتهي عند لحظة الإفراج، بل قد تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، وتفرض على المعتقل المحرر وعائلته تحديات صحية ونفسية ومعيشية طويلة الأمد.

