“عونة”.. حملة مقدسية لمساندة المزارعين في مواجهة الاحتلال

المسار : في موسمٍ يفترض أن تنشغل فيه العائلات الفلسطينية بجني ثمار أشجارها وتأمين رزقها، يجد المزارعون المقدسيون أنفسهم في مواجهة اعتداءات تستهدف أشجار الزيتون ومحاصيلها، وتقيّد وصولهم إلى أراضيهم، بل وتحرم بعضهم من قطاف ثمار زرعوها ورعوها لسنوات طويلة.

وبين الحقول المهددة بالحرق والقطع، والأراضي التي يُمنع أصحابها من بلوغها، تتجاوز معركة الزيتون حدود الموسم الزراعي لتغدو معركةً على الأرض وسبل العيش والبقاء.

وفي مواجهة هذه التحديات، أطلقت محافظة القدس، اليوم الخميس، الفعالية المركزية للحملة الوطنية “عونة” لموسم قطاف الزيتون، في بلدة بيت عنان شمال غربي القدس، للعام السابع على التوالي؛ إسناداً للمزارعين وتعزيز صمودهم في مواجهة الاعتداءات التي تطال أراضيهم وأشجارهم.

وأكد نائب محافظ القدس عبد الله صيام اعتزاز المحافظة بشراكتها مع المزارعين الفلسطينيين من خلال حملة “عونة”، التي تنفذ بالتعاون مع وكالة بيت مال القدس الشريف للعام السابع تواليًا، مشددًا على أهمية مواصلة الجهود المشتركة لتعزيز ارتباط المزارعين بأرضهم ودعم صمودهم.

من جهتها، شددت منسقة الحملة تهاني اللوزي على أهمية استمرار “عونة” في مساندة المزارعين المقدسيين، مؤكدة دور الشراكة مع المؤسسات الوطنية والداعمة في توفير الإسناد خلال موسم القطاف، وتعزيز قيم التعاون والتكافل في مواجهة التحديات التي تهدد القطاع الزراعي.

“عونة”.. إسناد المزارع وحماية الأرض

وتكتسب حملة “عونة” أهمية تتجاوز توفير المساعدة خلال أيام القطاف، لتصبح مساحة للعمل الجماعي في مساندة المزارعين وتعزيز حضورهم في الأراضي المهددة بالاعتداءات.

فوجود المؤسسات والمتطوعين إلى جانب أصحاب الأراضي يسهم في تخفيف الأعباء عنهم، ويعزز قدرتهم على مواصلة العمل في الحقول، كما يرسخ قيمة التضامن المجتمعي في مواجهة محاولات التضييق على المزارعين ومصادر رزقهم.

وتبرز أهمية هذا الإسناد بصورة خاصة في المناطق التي تشهد اعتداءات متكررة، مثل بيت عنان ومخماس وأبو ديس، حيث تتقاطع المخاطر الزراعية مع التحديات المرتبطة بالوصول إلى الأراضي والحفاظ على استمرارية النشاط الزراعي.

ومن المقرر أن تتواصل فعاليات الحملة بتنظيم حملتين فرعيتين في منطقة أبو ديس يوم الاثنين الموافق 19 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وفي منطقة مخماس يوم الثلاثاء الموافق 20 من الشهر نفسه، ضمن الجهود الرامية إلى توسيع دائرة الإسناد للمزارعين ومساندتهم خلال الموسم.

136 اعتداءً على موسم الزيتون خلال 12 يومًا

ولا تنفصل أهمية الحملة عن واقع ميداني تتزايد فيه الاعتداءات المرتبطة بموسم الزيتون، ففي حصيلة أولية أعلنتها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في 12 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، سُجلت 136 واقعة اعتداء مرتبطة بموسم قطاف الزيتون في الضفة الغربية.

ويندرج ذلك ضمن 219 واقعة اعتداء نفذها المستوطنون وقوات الاحتلال خلال الفترة من الأول إلى الثاني عشر من الشهر ذاته.

وشملت الاعتداءات مهاجمة قاطفي الزيتون ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، وسرقة المحاصيل وإتلاف الأشجار، إلى جانب الضرب والترهيب وإطلاق النار والاعتقال، بما يحوّل موسم القطاف إلى فترة محفوفة بالمخاطر بالنسبة إلى المزارعين وعائلاتهم.

وفي محافظة القدس، تتخذ هذه الاعتداءات صورًا متباينة، من الاعتداء المباشر على المزارعين إلى إحراق الأشجار وتكسير أغصانها وسرقة المحاصيل، وصولًا إلى فرض قيود تحول دون وصول أصحاب الأراضي إلى حقولهم.

ففي الثالث من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، أحرق مستوطنون نحو 55 شجرة زيتون يزيد عمرها على 40 عامًا في أرض المواطن إبراهيم إسماعيل أبو هلال بمنطقة برية أبو ديس، جنوب شرقي القدس، أثناء قطاف العائلة للثمار.

ولم يقتصر الاعتداء على الأشجار التي امتدت على مساحة تقارب 14 دونمًا، بل طال أفراد العائلة وأدوات القطاف والمحصول الذي جمعوه، بعدما اضطروا إلى مغادرة المكان إثر مهاجمتهم، قبل أن يعودوا ويجدوا أشجارهم وثمارهم وأدواتهم عرضة للحرق.

وفي السابع من الشهر نفسه، قطع مستوطنون نحو 100 شجرة زيتون تعود لعائلة صيام في المنطقة الشرقية من بلدة مخماس شمال شرقي القدس.

وبعد أيام، وتحديدًا في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر، أقدم مستوطن على تكسير أغصان خمس أشجار زيتون في منطقة “عرقان شريكة” بالبلدة، وفقاً لمحافظة القدس.

وامتدت الاعتداءات إلى بلدة عناتا شمال شرقي القدس، حيث اعتدت قوات الاحتلال ومستوطنون، في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، على مزارعين خلال قطاف الزيتون، ومنعوهم من استكمال عملهم، فيما تعرض مواطنون للضرب واعتُقل عدد منهم.

وفي أحدث الوقائع، منعت قوات الاحتلال، اليوم الخميس، مواطنين من بلدة بيت عنان من الوصول إلى أراضيهم في منطقة الخنيدق وقطف ثمار الزيتون، في مشهد يعكس استمرار القيود المفروضة على المزارعين حتى في ذروة الموسم.

أرقام تكشف اتساع الاستهداف

ولا تقتصر خطورة المشهد على الوقائع المنفردة؛ إذ تشير البيانات الرسمية إلى أن الاعتداءات على الأراضي الزراعية وأشجار الزيتون تأتي ضمن تصعيد أوسع يستهدف مصادر رزق الفلسطينيين ومقومات صمودهم.

فبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، شهدت الضفة الغربية، بما فيها القدس، خلال أيلول/سبتمبر 2026، 2051 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال والمستوطنون، منها 1404 اعتداءات نفذها الاحتلال و647 اعتداءً نفذها المستوطنون.

وتوزعت الاعتداءات على المواطنين وأراضيهم وممتلكاتهم، في مؤشر إلى اتساع نطاق الانتهاكات التي تتجاوز موسم الزيتون إلى مختلف مناحي الحياة الفلسطينية.

وعلى مستوى الاستهداف الزراعي، أظهرت معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن الاعتداءات على المزروعات خلال آب/أغسطس 2026 طالت 21,508 أشجار، بينها 19,375 شجرة زيتون، بما يكشف حجم الخسائر التي تلحق بالأشجار المثمرة ومصادر الدخل الزراعي.

أما في محافظة القدس، فتتجلى خطورة الاعتداءات في تزامن الهجمات على الأشجار والمحاصيل مع صعوبات الوصول إلى الأراضي.

وبحسب مدير عام زراعة محافظة القدس فيحاء نجم، تعرض أكثر من 87 مزارعًا لاعتداءات في مناطق جبع وبيت عنان وسلوان وأبو ديس، فيما يواجه أكثر من 70 مزارعًا في مخماس صعوبة في الوصول إلى أراضيهم لقطف الزيتون.

وتوضح هذه الوقائع أن الخطر لا يقتصر على خسارة محصول موسم واحد؛ فحرق شجرة معمّرة أو قطعها يعني إتلاف أصل زراعي يحتاج إلى سنوات طويلة لينمو ويثمر.

فيما يؤدي منع المزارع من الوصول إلى أرضه إلى حرمانه من مصدر رزقه، ويضاعف الأعباء الاقتصادية على عائلته.

Share This Article