مهندسة من غزة تتوج رحلة الصمود بجائزة التميز لسيدات الأعمال

المسار : في غزة، حيث تتشابك الخسارات مع محاولات البقاء، لا تُقاس حكايات النجاح بما يصل إليه أصحابها فحسب، بل بما يواجهونه من عثرات قبل الوصول. وبين قصص نساء وجدن أنفسهن أمام واقع يفرض عليهن إعادة ترتيب حياتهن وأولوياتهن، تبرز تجربة عزة الجمل، التي تحمل حكايتها أسئلة عن قدرة المرأة الفلسطينية على مواصلة الطموح في ظروف استثنائية، وعن دور ريادة الأعمال في استعادة الأمل وخلق فرص جديدة، حين يصبح البدء من جديد تحديا يوميا.

حلم مهني

تخرجت عزة الجمل في تخصص الهندسة المعمارية من الجامعة الإسلامية في غزة عام 2014، وبدأت العمل والتدريب خلال دراستها الجامعية. وبعد التخرج، اكتسبت خبرات مهنية من خلال العمل مع جهات محلية ودولية، بينها سلطة الأراضي الفلسطينية واللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة والأونروا، قبل أن تتجه إلى العمل المستقل في التصميم الداخلي والعمارة.
وفي عام 2019، أسست رندر جروب، وسعت إلى تحويله من مكتب يقدم خدمات هندسية إلى مؤسسة تجمع التصميم والإشراف والتنفيذ والاستشارات والتدريب. ونفذ المكتب مشاريع تجارية وسكنية في غزة، وقدم خدمات تصميم لعملاء في السعودية والكويت وتركيا، كما شارك في معرض ترينكي إكسبو قبل الحرب.
ولم تكن رحلة التأسيس سهلة، إذ تطلبت بناء ثقة العملاء وإدارة الموارد والتوفيق بين مسؤولياتها الأسرية وطموحاتها المهنية. ومع مرور الوقت، تمكنت من تطوير مشروعها وتوسيع خدماته، واضعة نصب عينيها توفير مساحة مهنية تساعد المهندسين الشباب والطلبة والخريجين على اكتساب الخبرة ومواكبة احتياجات سوق العمل.
ومع اندلاع الحرب في عام 2023، تبدلت حياة الجمل، ودُمر منزلها بالكامل، بينما تضرر منزل عائلتها، واضطرت إلى النزوح وسط ظروف قاسية. أما مكتبها، فقد تعرض لخسائر مادية قدرتها بنحو 30 ألف دولار، شملت أجهزة الحاسوب والمعدات والأثاث والتجهيزات، إلى جانب توقف معظم أنشطته. كذلك فقدت زملاء من فريق العمل استشهدوا خلال الحرب.
وأدى انقطاع الكهرباء والإنترنت وفقدان الأجهزة إلى تعطيل المشاريع المحلية والخارجية، وتعذّر الالتزام بمواعيد تسليم الأعمال. وفي ظل النزوح وصعوبة توفير الطعام والماء والاحتياجات الأساسية لأطفالها الأربعة، أصبحت الأولوية للحفاظ على حياة الأسرة، بدلا من التفكير في استعادة النشاط المهني.
ومن أقسى اللحظات التي عاشتها التفكير في بيع ما تبقى من أثاث المكتب لتوفير المال، أو استخدامه حطبا للطهي. وعندما عادت إلى المكان، وجدته متضررا وفاقدا لكثير من محتوياته، لكن بقاء بعض الأثاث والتجهيزات منحها فرصة للتفكير في استئناف العمل.
فقررت الجمل تغيير نموذج عملها بما يتناسب مع الظروف الجديدة، فأعادت تأهيل المكتب واشترت الأجهزة والمعدات، واستعادت خدمة الإنترنت رغم تكلفتها المرتفعة. كما طورت مهاراتها في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، وحصلت على تدريب في إعداد المدربين، وبدأت تقديم ورش عمل ودورات متخصصة. واستأنفت رندر جروب بعض خدماتها الهندسية والتدريبية، إلى جانب توفير مساحة عمل مشتركة، رغم استمرار تحديات ارتفاع تكاليف التشغيل وضعف قدرة بعض الطلبة على تحمل رسوم التدريب.

تتويج الجهود

وفي هذا العام، فازت الجمل بالمركز الأول في جائزة التميز لسيدات الأعمال، التي نظمها «منتدى سيدات الأعمال الفلسطيني» بالشراكة مع بنك فلسطين، ضمن منافسة شاركت فيها 162 سيدة أعمال. وجاء هذا التكريم بعد سنوات من بناء المشروع، ثم محاولة استعادته عقب الخسائر التي فرضتها الحرب.
وبالنسبة إلى الجمل، لم تكن الجائزة تعويضا عن المنزل المدمر والمعدات المفقودة، لكنها أعادت إليها شعورا بأن سنوات العمل والخبرة لم تذهب سدى، وأن جهودها في إعادة تشغيل المشروع تستحق التقدير. كما أتاحت لها فرصة أوسع للتعريف بتجربتها والتواصل مع مؤسسات وشخصيات مهتمة بريادة الأعمال، وفتحت أمامها آفاقا لبناء شراكات جديدة.
وترى الجمل أن أهمية الجائزة تتجاوز الإنجاز الشخصي، لتسلط الضوء على قدرة النساء في غزة على مواصلة العمل رغم النزوح والخسائر والظروف الاقتصادية الصعبة. لكنها تؤكد أن استعادة المشاريع لا تتحقق بالتكريم وحده، بل تحتاج إلى التمويل والتدريب والإرشاد والتشبيك مع الأسواق، بما يساعد صاحبات المشاريع على بناء مصادر دخل مستدامة.
وتطمح إلى تطوير رندر جروب لتصبح أكاديمية تدريبية متخصصة تخدم مجالات متعددة، وتوفر للشباب فرصا لاكتساب المهارات اللازمة لسوق العمل. كما تؤمن بأن إعادة إعمار غزة لا تقتصر على تشييد المباني، بل تشمل تأهيل الإنسان ودعم الشركات المحلية وتوفير فرص العمل للكفاءات الفلسطينية.
فتواصل عزة الجمل رحلتها، مدفوعة بإيمانها بأن ما يمتلكه الإنسان من علم وخبرة قادر على فتح طرق جديدة، حتى في أكثر الظروف قسوة. وبين طموحها لتطوير مشروعها وأملها في مستقبل تتوفر فيه فرص أوسع للنساء والشباب، لا تنظر إلى ما أنجزته بوصفه نهاية الحكاية، بل خطوة نحو أهداف أكبر. فبالنسبة إليها، لا يكتمل النجاح بمجرد تجاوز الخسارة، بل حين يتحول إلى فرصة للنهوض بالآخرين، والمساهمة في بناء مجتمع يمتلك أفراده القدرة على العمل والإبداع وصناعة مستقبلهم.

Share This Article